تُطالعنا بعض المنابر الإعلامية الدولية بين الفينة والأخرى بقراءات صحفية تغلب عليها النزعة التبسيطية، وتعتمد الاستنتاجات الجاهزة، عند تناول القضايا المرتبطة بالهجرة والواقع السوسيو-اقتصادي في المملكة المغربية.
وضمن هذا السياق السطحي، يندرج مقال موقع «أوريان 21»، الذي يختزل مسارات معقدة ذات أبعاد إقليمية ودولية في زاوية أحادية، متجاهلاً عمق المجهود التنموي الوطني، وحقيقة التحولات الهيكلية التي تعرفها المملكة.
إن الترويج لفرضيات متناقضة، تتأرجح بين افتعال نظريات التآمر وتضخيم الصعوبات، ينم عن قصور واضح في الإحاطة بواقع بلد يشهد أضخم أوراش التحول الاجتماعي والاقتصادي في محيطه الإقليمي.
ثم إن المقاربة التي تحاول الربط الميكانيكي بين أحداث اقتحام الثغور المحتلة وسياقات سياسية ظرفية، تسقط في فخ التناقض البنيوي ذاته، إذ كيف يمكن التوفيق بين ادعاءات التقاعس الأمني وبين التكلفة الإنسانية والمادية واللوجستيكية الهائلة التي تتحملها المملكة كشريك موثوق ومسؤول في تدبير تدفقات الهجرة عبر المتوسط.
فالمغرب ظل دائماً يمارس سيادته التامة بروح من الشجاعة والوضوح، رافضاً لعب دور الحارس الأعمى لحدود غيره، ومتمسكاً في الآن ذاته بالتزاماته الدولية في مكافحة شبكات الإتجار بالبشر المنظمة التي تستغل حركات الشباب العابرة للحدود والقارات، وهو ما يعكس التزاماً استراتيجياً راسخاً لا يخضع للمساومات الآنية أو الابتزاز السياسي.
وفيما يتعلق بالبعد الاقتصادي، يرتكب المقال المذكور خطأً فادحاً حين يحصر دينامية جهات الشمال المغربي في اندثار ما كان يسمى بالاقتصاد غير المهيكل أو التهريب المعيشي، حيث إن وضع حد لتلك الممارسات لم يكن إلا خطوة حتمية لحماية كرامة المواطن وبناء اقتصاد حقيقي قائم على القيمة المضافة وتكافؤ الفرص.
ولقد تحولت مدن الشمال، بفضل الرؤية الملكية السامية، من مناطق هامشية في العقود الماضية إلى قطب صناعي ولوجستيكي من الطراز العالمي، تتصدره منصة ميناء طنجة المتوسط والمجمعات الصناعية المتطورة لصناعة السيارات والطيران، وهو ما وفر مئات الآلاف من مناصب الشغل القارة والمؤهلة، التي غيرت ملامح المنطقة بشكل جذري ومستدام.
فالحديث عن التحديات المرتبطة بالتشغيل وإدماج الشباب يقتضي التحلي بالنزاهة الفكرية ووضع الأرقام في سياقها الاقتصادي والديموغرافي الإقليمي الشامل، حيث إن المغرب لا ينكر التحديات المرتبطة بمعدلات بطالة الشباب، وهي ظاهرة تواجهها معظم دول الجنوب وشمال المتوسط على حد سواء، لكن الفارق الجوهري يكمن في الإرادة السياسية الصريحة والبرامج الميدانية الاستباقية لتجاوز هذه العقبات.
وتتجسد هذه الإرادة في تنزيل ميثاق الاستثمار الجديد، وتطوير مدن المهن والكفاءات، وتشجيع المبادرة المقاولاتية للشباب عبر آليات تمويل مبتكرة تواكب التغيرات المتسارعة في أسواق العمل الدولية.
ولا يمكن لأي قراءة منصفة أن تتجاهل الورش التاريخي لبناء «الدولة الاجتماعية» الذي قطعت فيه المملكة أشواطاً غير مسبوقة خلال السنوات الأخيرة، والمتمثل في التعميم الفعلي للحماية الاجتماعية في المغرب والتأمين الإجباري عن المرض، وإطلاق برنامج الدعم الاجتماعي المباشر للأسر المعوزة.
إن هذه المبادرات الهيكلية الكبرى تعيد توجيه ثمار الاستثمار العمومي نحو العدالة الاجتماعية والمجالية، وتعزز شبكات الأمان للفئات الهشة، بما يفند الادعاءات القائلة بضعف أثر الاستثمارات الوطنية على المعيش اليومي للمواطنين.
وختاماً، يجب التأكيد على أن الرهان على تبخيس المنجزات الوطنية ومحاولة تصوير التطلعات المشروعة للشباب كحالة انسداد شامل، يعكس انفصالاً تاماً عن الدينامية الحية للمجتمع المغربي.
فالمملكة المغربية ماضية بثقة في توطيد مكتسباتها التنموية، وتحديث مؤسساتها الدستورية، وصيانة استقرارها الداخلي وإشعاعها الإقليمي، متسلحة برؤية تنموية شاملة تجعل من الرأسمال البشري محركها الأساسي، وتثبت أن البناء المؤسساتي والاقتصادي الصلب هو الجواب الحاسم على كل القراءات المشككة والمجتزأة.




