ساري يفكك جدوى الساعة الإضافية .. كلفة ثقيلة وفائدة اقتصادية ضعيفة
قال رشيد ساري، رئيس المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة، إن الساعة الإضافية في المغرب أصبحت تفرض تكلفة اجتماعية وصحية ونفسية ثقيلة على المواطنين تتجاوز بكثير لغة الأرقام الاقتصادية المحدودة.
ساري الذي حل ضيفا على برنامج “نقاش هسبريس”، استند في معرض تفنيده للمبررات الاقتصادية والتجارية الداعية إلى التوافق الزمني مع الشريك الأوروبي إلى لغة الأرقام لتوضيح حجم المفارقة. وأشار إلى أن المغرب، رغم بلوغ حجم تعاملاته مع الشركاء الأوروبيين حوالي 59 مليار يورو سنويا، يسجل عجزا تجاريا يتراوح بين 5 و7 مليارات يورو، متسائلا عن الجدوى الحقيقية من الارتهان الزمني لشريك نحقق معه هذا العجز.
علاوة على ذلك، ذكّر بأن الاتحاد الأوروبي نفسه أجرى دراسة سنة 2019 أظهرت أن 84% من الأوروبيين يعارضون الاستمرار في تطبيق التوقيت الصيفي، مما يجعل التشبث المغربي بهذا المبرر أمرا مستغربا. وفي السياق ذاته، أكد أن التطور التكنولوجي الحالي واعتماد الرقمنة والعمل عن بعد، أمور جعلت من مبرر “توحيد الساعة” لتسهيل المعاملات أمرا متجاوزا. كما رفض بشكل قاطع ربط الانتعاش السياحي بالساعة الإضافية، مؤكدا أن الفضل الحقيقي يعود للاستثمارات في البنية التحتية، كالمطارات والفنادق والمنظومات المعلوماتية، وليس لتغيير عقارب الساعة.
على المستوى الاجتماعي والصحي، اعتبر ساري أن التكلفة البشرية تفوق بكثير أي حسابات اقتصادية، وحذر من المخاطر التي يتعرض لها الأطفال والتلاميذ خلال فصل الشتاء باضطرارهم للخروج تحت جنح الظلام، مما يعرضهم لحوادث السير ولممارسات خطيرة. وتساءل في هذا الصدد عن مدى ارتباط هذه الوضعية بارتفاع أعداد وفيات حوادث السير الملحوظ بين سنتي 2020 و2024.
ولم يقف انتقاد ضيف هسبريس عند فصل الشتاء، بل نبه إلى التجاهل التام لمعاناة المغاربة خلال فصل الصيف، موضحا أن أذان صلاة العشاء في مدن كأكادير قد يتأخر إلى الساعة العاشرة وتسع عشرة دقيقة ليلا، مما يؤدي إلى انتهاء المصلين في أوقات متأخرة جدا، وهو ما يرهق كبار السن والمرضى الذين يُفرض عليهم تأخير نومهم بشكل غير طبيعي. ودعم موقفه بدراسات تؤكد أن الساعة الإضافية تسبب نقصا في مدة النوم بمتوسط 19 دقيقة لدى البالغين، ويصل هذا النقص إلى 32 دقيقة عند المراهقين.
أما بخصوص حجة “النجاعة الطاقية”، فقد فندها ساري بالكامل، مشيرا إلى غياب أي إحصائيات حكومية دقيقة تثبت تحقيق منفعة حقيقية في هذا المجال. واستعان بتجارب دولية مقارنة، كالتجربة التركية التي أثبتت دراساتها أن النتيجة الطاقية لاعتماد توقيت مستمر كانت سلبية تماما، وكذلك دراسة أمريكية في منطقة ذات مناخ مشابه للمغرب أظهرت ارتفاعا في الاستهلاك الكهربائي بنسبة 1% صيفا بسبب الاستخدام المكثف للمكيفات.
وفي تشريحه للسياق السياسي والمؤسساتي، انتقد رئيس المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة بشدة محاولة بعض الأحزاب السياسية، ولا سيما تلك التي كانت جزءا من الحكومة السابقة التي أقرت هذا التوقيت، الركوب على موجة الغضب الشعبي بحثا عن التعاطف، واصفا هذا السلوك بأنه “حق أريد به باطل”.
في المقابل، أشاد بالدور الفعال للمجتمع المدني وجمعيات حماية المستهلك التي كشفت دراساتها أن 65% من المغاربة يرفضون هذا التوقيت. كما عبر عن استغرابه الصمتَ المطبق للحكومة وغياب تواصلها الفعال، رغم انتقال النقاش ووصول أسئلة كتابية وشفهية إلى قبة البرلمان.
كحلول عملية للخروج من هذه الأزمة، اقترح ساري تكليف مؤسسة وطنية ذات مصداقية، كالمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، بإنجاز دراسة علمية شاملة ومستقلة تأخذ بعين الاعتبار جميع المعطيات الصحية والاقتصادية والطاقية.
ودعا إلى اعتماد مقاربة تدريجية عبر جدولة زمنية تمتد إلى 18 شهرا لتقييم الوضع بناء على الأرقام الحقيقية قبل اتخاذ أي قرار نهائي.
واختتم ضيف هسبريس مرافعته القوية بالتذكير بالنموذج المغربي الناجح في تدبير جائحة “كوفيد-19″، حيث اتخذ قرار ملكي بتقديم صحة المواطن وسلامته على عجلة الاقتصاد، مشددا على ضرورة استحضار هذه الروح في ملف الساعة الإضافية، داعيا إلى أن تعلو السلامة الجسدية والنفسية للمغاربة فوق كل الاعتبارات المادية.
The post ساري يفكك جدوى الساعة الإضافية .. كلفة ثقيلة وفائدة اقتصادية ضعيفة appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.





