تابع المقالة صادرات النفط الإيرانية نحو “الصفر”.. هل خنق حصار هرمز اقتصاد طهران؟ على الحل نت.
لم يعد الحديث عن تراجع صادرات النفط الإيرانية مجرد تقديرات صادرة عن مؤسسات تتبع حركة الناقلات، بعدما أعلن محافظ البنك المركزي الإيراني عبد الناصر همتي أن بلاده توقفت فعلياً عن تصدير النفط، في اعتراف يعكس حجم الضغوط التي بات الاقتصاد الإيراني يواجهها مع تشديد الولايات المتحدة حصارها البحري والعقوبات على طهران.
لكن بيانات حركة السفن لا تقول إن الصادرات اختفت حسابياً بصورة مطلقة، بل تشير إلى انهيار حاد في تدفقات الخام، ما يجعل عبارة “صفر” أقرب إلى وصف الوضع الراهن من الناحية العملية والسياسية، لا إلى رقم تجاري نهائي.
اعتراف إيراني رسمي بحجم الأزمة
في مقابلة تلفزيونية بثت في 19 آب/ أغسطس، قال همتي إن صادرات النفط الإيرانية “توقفت” وإن بلاده لم تعد تصدر النفط، رابطاً ذلك بالعقوبات والقيود المفروضة على وصول إيران إلى مواردها المالية.

وجاء التصريح في وقت تواجه فيه حكومة الرئيس مسعود بزشكيان ضغوطاً متزايدة على مواردها، مع تراجع الإيرادات النفطية والضريبية، وتصاعد كلفة الحرب والعقوبات، فيما أكدت تقارير إخبارية أن تصريحات محافظ البنك المركزي تعكس أزمة سيولة حادة تواجهها الحكومة، خصوصاً أن النفط يمثل مصدراً أساسياً للعملة الأجنبية والإيرادات العامة في إيران.
لكن بيانات شركة “كبلر” المتخصصة في تتبع شحنات الطاقة أظهرت أن تحميلات الخام الإيراني هبطت من نحو 893 ألف برميل يومياً في تموز/ يوليو إلى 156 ألف برميل يومياً فقط خلال الفترة الممتدة حتى 17 آب/ أغسطس، كما قالت إن إيران خرجت من فترة التفاهم التي استمرت 60 يوماً وهي تصدر كميات أقل مما كانت تصدره حتى خلال الحرب.
هرمز.. عنق الزجاجة
تزداد دلالة هذه الأرقام عند وضعها في سياق حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، الذي يمثل المنفذ الأهم لصادرات الطاقة من الخليج، فقد أظهرت أحدث بيانات “كبلر” أن أقل من 20 سفينة تجارية عبرت المضيق خلال عطلة نهاية الأسبوع؛ إذ مرت أربع سفن فقط يوم الأحد، مقابل 13 سفينة السبت و16 يوم الجمعة.
تشير هذه الأرقام إلى أن الفارق مع الوضع الطبيعي هائل، فقبل اندلاع الحرب، كانت حركة الملاحة عبر هرمز تقترب من 130 إلى 140 سفينة يومياً، بينما أصبحت الحركة الحالية أقل بنحو 90 بالمئة من مستويات ما قبل الصراع، وفق بيانات تتبع السفن.
وبذلك لم يعد المضيق مجرد نقطة جغرافية في أزمة النفط، وإنما تحول إلى أداة ضغط مباشرة على قدرة إيران ودول الخليج الأخرى على تصدير الخام والمنتجات النفطية.
وتكشف بيانات “كبلر” أيضاً أن الأزمة لا تتعلق بالناقلات التي تحاول الخروج من الخليج فقط، بل بالمخزونات الإيرانية الموجودة بالفعل على متن السفن، فقد تراجعت كمية الخام الإيراني المخزن عائماً خارج نطاق الحصار الأميركي إلى نحو 80 مليون برميل، مقارنة بنحو 105 ملايين برميل قبل إعادة فرض الحصار، بينما لم يتبقَّ في المياه الآسيوية سوى نحو 30 مليون برميل، أي ما يقارب نصف المستوى المعتاد.
الصين.. المشتري الأخير
قال كبير محللي النفط الخام في كبلر، مويو شو، إن جزءاً كبيراً من هذه الكميات بيع بالفعل إلى مشترين، ما يعني أن المخزون المتاح للتصدير مستقبلاً يتقلص بسرعة.
وهنا تظهر أهمية الصين بالنسبة إلى طهران، فبعد سنوات من العقوبات الأميركية، أصبحت المصافي الصينية المستقلة المشتري الرئيسي للنفط الإيراني، مستفيدة من الخصومات التي كانت طهران تقدمها على خامها.

لكن الضغوط الأميركية الجديدة بدأت تضيق هامش المناورة، مع تراجع عروض الخام الإيراني المقدمة إلى المشترين الصينيين وارتفاع أسعارها، في إشارة إلى أن العقوبات والحصار لا يعرقلان النقل فقط، بل يضغطان أيضاً على آلية البيع نفسها.
وكانت صادرات إيران قد تمكنت خلال السنوات الماضية من الاستمرار رغم العقوبات عبر شبكات نقل معقدة وناقلات تغير أعلامها ومساراتها وتستخدم أساليب لإخفاء مصدر الشحنات، إلا أن تشديد الرقابة البحرية وإجبار السفن على تحمل مخاطر أكبر أثناء عبور هرمز يرفع تكلفة هذه الآليات ويقلص قدرتها على العمل بالحجم نفسه.
انتهاء التفاهم يعيد الخنق
تأتي الأزمة الحالية بعد انتهاء مهلة التفاهم الأميركي الإيراني التي استمرت 60 يوماً من دون التوصل إلى اتفاق جديد، ووفق “كبلر”، غادرت خلال فترة التفاهم نحو 374 مليون برميل من الخام منطقة الخليج، لكن التفاهم لم يؤدِ إلى إعادة فتح المضيق بصورة طبيعية، كما لم ينهِ أزمة النقل، قبل أن تتراجع التدفقات مجدداً مع انتهاء المهلة في 17 آب.
في الوقت نفسه، لا تزال الروايتان الأميركية والإيرانية متعارضتان بشأن وضع مضيق هرمز، فواشنطن تؤكد أن المضيق مفتوح وتدفع باتجاه استئناف حركة الملاحة، بينما تتمسك طهران بقيودها على المرور، وسط محاولات دبلوماسية لإيجاد ترتيبات تسمح بفتح مسارات آمنة أمام السفن.
لكن الواقع الذي تعكسه بيانات العبور هو أن حركة الملاحة لم تعد قريبة من مستوياتها الطبيعية، حتى مع تسجيل بعض التحسن في أعداد السفن خلال الأيام الأخيرة.
وتحمل هذه التطورات تداعيات تتجاوز الاقتصاد الإيراني، فتراجع صادرات الخام يعني انخفاض تدفقات العملة الأجنبية إلى إيران، في وقت تحتاج فيه الحكومة إلى تمويل الإنفاق العام وتغطية الواردات والحفاظ على استقرار الأسواق.
كما أن استمرار القيود يضغط على المصافي الآسيوية التي تعتمد على الخام الإيراني، ويدفع المشترين إلى البحث عن بدائل في سوق تعاني أصلاً من اضطراب الإمدادات، وقد بدأت آثار الأزمة تظهر في أسواق الوقود الآسيوية، مع تراجع واردات بعض المنتجات المكررة وارتفاع هوامش التكرير.
“الصفر”.. اختناق لا توقف كامل
لذلك، فإن وصول الصادرات الإيرانية إلى “الصفر” لا ينبغي قراءته باعتباره توقفاً حسابياً كاملاً لكل برميل إيراني يغادر البلاد، بل بوصفه مؤشراً على وصول منظومة التصدير إلى مرحلة اختناق غير مسبوقة.
فبينما تؤكد طهران أن الصادرات توقفت، ترصد بيانات “كبلر” تدفقات محدودة ومتراجعة بشدة، في وقت تتقلص فيه المخزونات العائمة وتتعثر حركة الناقلات عبر هرمز.
وإذا استمر هذا الوضع خلال الأسابيع المقبلة، فقد تنتقل الأزمة من مجرد صدمة في الإيرادات الإيرانية إلى اختبار أوسع لقدرة طهران على تمويل اقتصادها، وفي الوقت نفسه إلى مصدر ضغط إضافي على سوق النفط العالمية.
- العراق ينقل آلاف السجناء الأجانب.. أكثر من 3500 سوري في صدارة الملف
- صادرات النفط الإيرانية نحو “الصفر”.. هل خنق حصار هرمز اقتصاد طهران؟
- سوريا أمام خطر الجوع.. كيف يهدد نقص التمويل ملايين الأسر؟
- ماذا تقول الصحف الإسرائيلية عن خطوط تل أبيب الحمراء في سوريا؟
- قد يتغير موعد تسليم السلاح.. بغداد تناقش تعديل مقاربتها لملف الفصائل
تابع المقالة صادرات النفط الإيرانية نحو “الصفر”.. هل خنق حصار هرمز اقتصاد طهران؟ على الحل نت.


