يقدم الكتاب مثلا للإحاطة المتقدم ذكرها، فهذا السفر الثقافي الكبير يتناول الملحمة كحالة أو ظاهرة ثقافية عالمية من أوجه شتى وباستفاضة، بدا فيها الباحث ظهيرا للآثاريين وهو يزيح بأداة اللغة طبقات النص، بحثا عن المتواري، معنى ورمزا، وتأويلا وكشفا، محلقا آنا في ذراها وهابطا آنا إلى قاعها، حيث تراب الحكايات الأولى. وفي واحد من التعليلات التي تسعفنا في تبيان طبيعة التحول الجلجامشي أو تردده بين الواقعي والأسطوري، يقول الغانمي بعد أن يذكر العديد من المصادر القديمة التي يرد فيها اسم جلجامش، كما في الكتابات المنسوبة إلى الملك "أور ـ نمو"، مؤسس سلالة أور الثالثة، إن الأساطير صارت تتجمع، بمرور الوقت حول اسم كلكامش، "حتى طمست حقيقته التاريخية، وحلت محلها الشخصية الرمزية التي رسمتها الحكايات والأساطير".

وفي هذا الصدد يشير الغانمي إلى كتاب "كنوز الظلام" للمؤرخ الدانماركي الأميركي ثوركيد جاكوبسن الذي تتبع فيه، تاريخيا، نمو الأساطير حول اسم جلجامش حتى استحالت صورته من شخصية تاريخية حقيقية إلى "شخصية بطل أسطوري في الأدب الشفوي، ومن ثم في الأدب المكتوب".
استنطاق عبقرية الملحمة
يشير الكاتب بداية إلى أنه نهج نهجا مغايرا في قراءة الملحمة، انطلق فيه من الملامح الخاصة بها، لا مما تشترك به مع بقية الملاحم. وقد توزع هذا النهج على فصول الكتاب الستة وبالوحدات الفرعية لكل فصل، حتى بلغت مجتمعة أكثر من ستين وحدة، بما في ذلك الخاتمة، مغطية أكثر من 300 صفحة، زاول الكاتب خلالها كل ضروب المعالجة المختلفة للملحمة، تنقيبا وبحثا واستنطاقا، فتبدى كتابه حينا تاريخيا، وحينا لغويا وحينا آخر ترجميا، وسوى ذلك مما يقع تحت عنوان البحث في مقاربات اجتهادية تتأول دلالات الملحمة وتسعى لفك ألغازها، في إيغال يحسب قارئه معه أن كتابا مثل هذا الذي بين يديه لا بد منه للإلمام بعوالم الملحمة ومدياتها الرمزية، حتى وإن بدا الكاتب مغاليا في شروده البحثي، بمعنى الابتعاد والاستغراق أحيانا في التفاصيل.

وقريبا من ذلك، بدا لافتا قول الكاتب في المقدمة إن هدفه "استدخال الملحمة البابلية في ذائقتنا الأدبية الحديثة ومحاولة جعلها جزءا من الذاكرة الثقافية الحية". وكأن لا جهود عراقية أو عربية سابقة في هذا الصدد. وفي الحقيقة إن القول والعمل يجب أن ينصرفا لإدخال الملحمة في الوجدان الشعبي، عراقيا، في الدرجة الأساس، وهذا يقع عبئه، بدءا، على المناهج الدراسية منذ المرحلة المتوسطة.
وغني عن القول إن عملا كونيا مثل ملحمة جلجامش يبقى مشروعا مفتوحا لكل قراءة جديدة، خاصة تلك التي تتسقط رموزها وخلفياتها الاجتماعية والثقافية وحتى التشريعية. وهنا ينبغي التذكير بما نوه به الكاتب إلى أن ملحمة جلجامش عمل لم ينته نشره بعد، وأنه لا يزال قيد الإنجاز والتحقيق والترجمة. وهو ما يعيد إلى الذهن الحديث عن استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لردم الفجوات النصية بين ألواح الملحمة المتفرقة، سواء كانت في بغداد أو لندن وسواهما من أمكنة، عبر مسحها خوارزميا ومعالجتها رياضيا، ضمن مشروع "فراغمنتاريوم". وقد أضيفت بالفعل سطور جديدة إلى الملحمة، كما كشفت التقنية عن فصول لم تقرأ من قبل، كرحلة جلجامش وأنكيدو إلى مدينة نيبور، العاصمة الدينية للسومريين، في محاولة لاسترضاء الإله "إنليل" بعد قتلهما الوحش "خمبابا".










