رسالة إلى غوتيريش
سعادة السيد أنطونيو غوتيريش
الأمين العام للأمم المتحدة،
نيويورك، NY 10017 الولايات المتحدة الأميركية
22 مارس 2026
رسالة مفتوحة إلى سعادة الأمين العام للأمم المتحدة السيد أنطونيو غوتيريش المحترم،
• رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة: تحركوا الآن قبل فوات الأوان... إغلاق هرمز… بداية أزمة قد تغيّر العالم.
حضرة الأمين العام ،
أكتب إليكم لأعرب عن شكري لجهودكم الرامية إلى التوصل إلى وقف لإطلاق النار في النزاع الحالي بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، ولأثني على دعواتكم لحماية المدنيين، ولأحثكم بأشد العبارات على توسيع هذه الجهود وتكثيفها باستخدام جميع الأدوات المتاحة لديكم.
الناس يموتون بالفعل في دول لا علاقة لها تُذكر بالنزاع، كما أن التداعيات الاجتماعية والاقتصادية المدمرة تنتشر في جميع أنحاء العالم، ولا يمكن للأوضاع إلا أن تزداد سوءًا إذا استمرت الاتجاهات الحالية.
كان من الحتمي أن تؤدي أي أعمال عدائية مطوّلة بالقرب من مضيق هرمز إلى ارتفاع أسعار الطاقة، ولو بشكل موقت، بسبب زيادة تكاليف التأمين نتيجة ارتفاع مخاطر إصابة ناقلات النفط العملاقة بصواريخ طائشة. لكن هذا ليس ما حدث مع هذه الحرب. فبعد ثلاثة أسابيع فقط من اندلاع القتال، أصبح المضيق مغلقًا فعليًا أمام الملاحة، وتواجه الأسواق العالمية للنفط والغاز أسوأ اضطراب في الإمدادات في التاريخ. ما أدى الى ارتفاع الأسعار بشكل حاد، ومن المرجح أن يستغرق الأمر شهورًا أو حتى سنوات قبل أن تعود إلى مستوياتها السابقة.
إن التصعيد السريع للوضع لم يكن نتيجة للصدفة؛ بل جاء نتيجة تهديد إيران باستهداف الملاحة في المضيق بشكل مباشر، وقد تعرّضت عدة سفن بالفعل لنيران متعمدة من قبل قواتها. وهذه المخاطر لا تقبل معظم شركات الشحن تعريض طواقمها وسفنها لها تحت أي ظرف، لا سيما عندما تكون الحمولة مواد شديدة الحساسية مثل النفط أو الغاز الطبيعي المسال.
نتبجة لذلك، أصبح المضيق مغلقًا، ما يعني أن نحو خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم لم تعد تصل إلى الأسواق، وهو ما يؤدي إلى تآكل ركيزتين أساسيتين من ركائز الاستقرار الاقتصادي العالمي، وهما النقل العادي التكلفة والكهرباء ذات التكلفة العادية. وإضافة إلى ذلك، فإن نسبًا كبيرة من التجارة العالمية من سلع أساسية أخرى- بما في ذلك الأسمدة، والألمنيوم، والهيليوم، والبوليمرات، ومختلف المواد الكيميائية الأولية - تتأثر أيضًا. ومن المعروف إن هذه مواد أساسية لعدد لا يُحصى من الصناعات حول العالم، وللوظائف التي توفرها، بدءًا من الزراعة والبناء والصناعات الدوائية وتصنيع الأغذية، وصولًا إلى الملابس والأحذية والصناعات الثقيلة وأحدث التقنيات الرقمية.
كان من الممكن التغلب على هذه العقبات، لو لم يستمر هذا الاضطراب لفترة طويلة. وبالفعل، ساهمت عمليات الإفراج المبكرة عن الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية من قبل الولايات المتحدة (172 مليون برميل) وأعضاء وكالة الطاقة الدولية (400 مليون برميل) في تهدئة الأسواق في البداية. غير أن هذا التأثير بدأ يتلاشى عندما أدركت الأسواق أن هذه الكميات لا تعادل سوى نحو شهر واحد من حركة المرور المعتادة عبر مضيق هرمز. ثم لجأت الولايات المتحدة إلى خيارين إضافيين تمثلا في تخفيف موقت للعقوبات على النفط الروسي، والسماح بطرح نحو 140 مليون برميل من النفط الإيراني المخزن عائمًا، ما ساهم في تقليص فجوة الإمدادات والحد من الضغوط التصاعدية على الأسعار.
ومع الأسف، فقد تجاوزنا هذه المرحلة أيضًا. فبعد أن استهدفت إسرائيل بنى تحتية إيرانية مرتبطة بحقل غاز جنوب فارس (وهو جزء من أكبر حقل غاز في العالم ويُشترك فيه مع قطر)، لم يقتصر رد إيران على مهاجمة أكبر مصفاة في إسرائيل، بل امتد ليشمل استهداف منشآت إنتاج وتصدير الطاقة في عدد من جيرانها العرب. وقد تعرضت مصافٍ ومنشآت للغاز الطبيعي المسال وغيرها من الأصول للتدمير أو الأضرار في جميع الدول الست الأعضاء في مجلس التعاون لدول الخليج العربي، وهي البحرين والكويت وعُمان وقطر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة.
أود التأكيد هنا أن جميع دول مجلس التعاون همي أيضًا أعضاء كاملة في الأمم المتحدة، وأن عددًا منها يُعد من أبرز مقدمي المساعدات الإنسانية والتنموية في العالم، سواء عبر هيئات الأمم المتحدة أو من خلال وكالاتها التنموية.
إن فقدان هذه القدرات الإنتاجية يمثل تدهورًا متسارعًا وخطيرًا للوضع؛ فحتى لو أُعيد فتح مضيق هرمز غدًا، فلن يكون بالإمكان تعويض كامل كميات النفط والغاز وغيرها من المنتجات التي خرجت من السوق. فالتأخير وحده مكلف ومُربك، لكن تدمير القدرة الإنتاجية يمثل تحولًا جذريًا، لأن الكثير منها لا يمكن استبداله في وقت قريب.
وفي بعض الحالات، قد تستغرق الإصلاحات أسابيع أو أشهرًا، لكن في حالات أخرى تكون التأثيرات طويلة الأمد. فعلى سبيل المثال، أفادت شركة قطر للطاقة بأن الأضرار التي لحقت بمنشآت رأس لفان أدت إلى توقف 17 % من القدرة الوطنية لإنتاج الغاز الطبيعي المسال، وأن إصلاحها قد يستغرق عامين إلى ثلاثة أعوام. ونظرًا لأن قطر هي أكبر مصدر عالمي للغاز الطبيعي، فإن فترة طويلة من ارتفاع أسعار الغاز أصبحت أمرًا لا مفر منه. وبالطبع، هناك دول عدة تعمل على تطوير قدرات جديدة في هذا المجال، مثل قطر نفسها والولايات المتحدة وأستراليا وكندا، غير أن هذه المشاريع لن تُسهم في معالجة الأزمة الحالية، وحتى عند دخولها الخدمة، سيكون جزء كبير من إنتاجها قد تم التعاقد عليه مسبقًا.
حضرة الأمين العام،
على الرغم من جسامة هذه التحديات، فإنها تبدو ضئيلة مقارنة بما قد يواجه مليارات البشر إذا استمرت الاتجاهات الحالية.
ففي المقام الأول، ينبغي النظر إلى دول مجلس التعاون نفسها. فهي لم تطلب هذه الحرب، وقد بذلت عدة دول منها جهودًا دبلوماسية كبيرة لمنعها، ومع ذلك تتكبد أضرارًا مادية واقتصادية جسيمة، فضلًا عن الخسائر في الأرواح وسبل العيش. وبينما ينصب التركيز على ما لم يعد يخرج من الخليج، فإن هذه الدول تواجه أيضًا مشكلة في ما لم تعد تستطيع استيراده، بما في ذلك معظم احتياجاتها من الغذاء والسلع الأساسية، وكذلك معظم السيارات والحواسيب وأجهزة التلفاز والآلات الصناعية. بإمكانها بالطبع إيجاد طرق بديلة للإمداد، لكن ذلك سيؤدي إلى ارتفاع كبير في التكاليف، وهو عبء سيكون أشد وطأة على ملايين العمال الوافدين المقيمين في هذه الدول.
أظهرت هذه الدول حتى الآن قدرًا كبيرًا من ضبط النفس بعدم الرد على الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة الإيرانية، إلا أن الاجتماع الأخير لوزراء الخارجية العرب في الرياض أشار إلى أن لهذا الصبر حدودًا. ولا يمكن توقع استمرار هذه الدول في تحمل هذا القدر من الدمار دون رد، وإذا حدث ذلك، فمن المرجح أن تتفاقم أزمة الإمدادات العالمية.
كما أؤكد هنا أن الغالبية العظمى من دول العالم هي أيضًا أعضاء في الأمم المتحدة، وأن العديد منها يسهم بسخاء في دعمها ودعم الدول النامية. بل إن حتى الدول الأقل دخلًا قدمت تضحيات كبيرة في سبيل السلم والأمن الدوليين، من خلال إرسال قواتها للمشاركة في مهام حفظ السلام في أكثر مناطق العالم خطورة.
إن مصالح جميع الدول الأعضاء الـ 193 في الأمم المتحدة على المحك في هذه الحرب، ومعظمها يتطلع إلى الأمم المتحدة طلبًا للمساعدة والتوجيه والقيادة.
حضرة الأمين العام،
تُعد الأمم المتحدة أهم مؤسسة في العالم اليوم، وربما بشكل خاص بسبب ما تتعرض له من انتقادات ومحاولات تقويض. فقد أُنشئت أساسًا لمنع الحروب متى أمكن، وللتخفيف من معاناة البشر عندما يتعذر ذلك. واليوم، تواجه قدرتها على أداء هذين الدورين اختبارًا صعبًا، خاصة في ظل تجاهل بعض الحكومات قواعد النظام الدولي.
ومثل غيري من الداعمين لقيام نظام قائم على القواعد، أدرك أن واقع سياسات القوى الكبرى قد يجعل من الصعب على الأمم المتحدة فرض حلول تتوافق تمامًا مع القانون الدولي ومفهوم الأمن الجماعي. لكن هذا ليس وقت الاستسلام، لا سيما وأن آثار هذه الحرب ستطول عددًا هائلًا من البشر حول العالم.
ولا تزال لدى الأمم المتحدة خيارات، نظرًا لمسؤولياتها في إدارة التفاعلات اليومية بين الدول الأعضاء، بما في ذلك عبر وكالاتها المتخصصة والاتفاقيات المتعلقة بالقانون البحري، مثل المنظمة البحرية الدولية، واتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969، واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982.
هذه الهيئات تنظم التفاعلات الدولية حتى في أوقات الحرب، من المعروف أن دور الأمم المتحدة يصبح أكثر أهمية بعد اندلاع النزاعات، خاصة عندما تمتد آثارها بشكل واسع.
إن حماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة واجب عالمي لا يقبل التهاون، وبينما تقع أضرار على المدنيين أحيانًا بشكل غير مقصود، فإن بعض الأفعال تستهدفهم عمدًا. وتظل الأمم المتحدة المنصة الأهم لحل النزاعات، وهي ملزمة بالسعي لتحقيق السلم والأمن.
والأهم من ذلك، يجب عدم التوقف عن تذكير أطراف النزاع بالتزاماتهم بموجب ميثاق الأمم المتحدة، لا سيما عند الإخلال بها. كما يجب إدانة أي تدخل غير قانوني في حرية الملاحة المدنية، خصوصًا في المضائق الدولية، وتحويل الطاقة إلى أداة ضغط على العالم.
إن الدبلوماسية تتم على مستويات متعددة، من التصريحات العلنية إلى القنوات الخلفية، وفي ظل الظروف الحالية، لا بد من استخدام كل الوسائل الممكنة لإقناع الأطراف بوقف التصعيد.
وأخيرًا، فإن اللحظة التي يرفض فيها المتحاربون الحوار هي تحديدًا اللحظة التي تبرز فيها أهمية دور الأمم المتحدة وسلطتها الأخلاقية. وليس من المقبول ترك النزاع يتفاقم بينما مصير مليارات البشر على المحك.
رودي بارودي - نداء الوطن
The post رسالة إلى غوتيريش appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.

