... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
18378 مقال 495 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 3306 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 0 ثانية

«روحٌ مُلطخة بالدماء»: هيغل وهايتي والتاريخ «الكوني»

حبر
2026/02/08 - 12:49 501 مشاهدة

«إن الصراع من أجل الاعتراف، صراع حياة أو موت»
– هيغل، «موسوعة العلوم الفلسفية» الجزء الثالث

في كتابه الأكثر شهرةً وتأثيرًا «فنومينولوجيا الرّوح»، يطرح الفيلسوف الألماني الأشهر هيغل ما سماه بجدلية «السيد والعبد»، بوصفها أمثولةً لرحلة الوعي نحو إدراك الذات. تتخذ هذه النظرية شكل سردية صراع بالأساس، كائنان واعيان يواجهان بعضهما البعض لأول مرة. وبمجرد لقائهما تبرز مشكلة الاعتراف، لأنهما يشتركان في الرغبة نفسها في الاعتراف؛ ولا يمكن أن يحدث هذا إلا في نهاية صراع الوعي. يبدو منسوب التجريد في هذه الجدلية مخاتلًا، فقد شاع طويلًا في تاريخ الفلسفة أنها تعبر عن موقفٍ هيغلي ثوري، متأثر بأحداث الزمان الذي عاش فيه الفيلسوف الحداثي، ولا سيما الثورة الفرنسية، كقطيعة حاسمة مع الماضي.

وفي مواجهة هذا الشيوع، يضع كتاب الفيلسوفة الأمريكية سوزان بوك مورس «هيغل وهايتي والتاريخ الكوني» إطارًا مختلفًا لفهم كيف كان هيغل ومن ورائه الفكر الأوروبي الحديث ينظر لبقية العالم. كتاب سجالي ولد بالصدفة على دفعتين. في الوقت الذي كانت فيه مورس تعمل على مشروع آخر يخص صعود الهيمنة النيوليبرالية وهيمنة الأيديولوجية الاقتصادية على مستوى العالم بعد انتهاء الحرب الباردة، قادها هذا البحث إلى قراءة نصوص هيغل المبكرة (1803-1806)، والتي قدمت سجلًا لافتًا لتأثر هيغل بقراءته لكتاب آدم سميث «ثروة الأمم» في عام 1803، فقد أُعجب هيغل بالآثار التحويلية لتقسيم العمل. لكن ما استوقف الكاتبة في هذه النصوص هو جدلية السيد والعبد ومفهوم «الاعتراف المتبادل». وجدت مورس أن الصراع الثوري للعبيد في سان دومينغ (التي أصبحت هايتي) قد وفر «النقطة المحورية النظرية» التي نقلت تحليل هيغل من الاقتصاد الاستعماري الآخذ في التوسع إلى مستوى التاريخ العالمي. حيث أدركت أن الحل النظري الذي قدمه هيغل وهو «تحقق الحرية كهدف للتاريخ الكوني»، كان يتحقق عمليًا في هايتي في تلك اللحظة بالذات.

دفعها ذلك لكتابة مقالةٍ طويلة بعنوان «هيغل وهايتي» نشرت صيف العام 2000، للإجابة عن سؤال لماذا ظل هذا الاتصال التاريخي بين الجدل الهيغلي والثورة الهايتية مُهملًا ومطموسًا لمدة قرنين من الزمن؟ تحولت مقالة مورس إلى حدثٍ فكري كونها عززت تيار إزاحة المركزية عن إرث الحداثة الغربية، لكن دعوة مورس لإنقاذ البعد الكوني للحداثة، بدلًا من الدعوة إلى تعدد الحداثات البديلة، فُهم على إنه إحياء لمشروع التاريخ الكوني من رماد الميتافيزيقا الحديثة، وقد بدا بمثابة تواطؤ مع الإمبريالية الغربية، أو بشكل أكثر دقة الإمبريالية الأمريكية، التي قد يعتبرها البعض شكلًا أكثر تجذرًا ومكرًا، لذلك كتبت مورس مقالةً ثانيةً بعنوان «التاريخ الكوني»، لتطوير رؤيتها لفكرة البعد الكوني للحداثة.

«مينيرفا» ليست مجرد بومة

تطرح مورس في القسم الأول من الكتاب المفارقة الصارخة التي ميزت عصر التنوير الأوروبي. في وقتٍ كانت فيه أوروبا تموج بأفكار التنوير والحرية، كانت جيوشها تمارس العبودية الاستعمارية التي ظلت تتزايد كميًا ونوعيًا بشكل موازٍ لتطور أفكار الحداثة والحرية. في بريطانيا ظل جون لوك، الذي كان مساهمًا في شركة رويال أفريكان المتخصصة في تجارة العبيد، يعتبر العبودية شرًا من الناحية النظرية، لكنه رأى أن استعباد الزنوج كان مبررًا لأن العبيد كانوا يُعامَلون كـ«ملكية خاصة» وكانت الحرية الممنوحة للبريطانيين تكفل لهم حماية حق الملكية. أما في فرنسا فقد كتب جان جاك روسو «يولد الإنسان حرًا وهو في كل مكان مقيد بالسلاسل»، لكنه قمع وعيه تجاه الملايين من العبيد الحقيقيين الذين كانوا مملوكين للأوروبيين وتجاهل تمامًا «قانون السود» الذي شرّع المعاملة الوحشية والتعذيب للعبيد. لكنها تركز النظر في إرث هيغل بوصفه الفيلسوف الأكثر تأثيرًا في عصره وحتى اليوم في صوغ الفكر الغربي بشكلٍ عام.

عندما كان هيغل شابًا اندلعت الثورة الهايتية عام 1791، والتي بدأت كانتفاضة قادها أفارقة مُستعبدون ضد الحكم الاستعماري الفرنسي وتحولت إلى ثورة ظافرةٍ، انتهت باستقلال الجزيرة وإلغاء العبودية، وشكّلت لحظة تاريخية فارقةً كونها أكبر انتفاضة للعبيد منذ ثورة سبارتاكوس الفاشلة ضد الجمهورية الرومانية قبل نحو 1900 عام. وكانت الاختبار العملي لمُثُل التنوير، حيث أخذ نصف مليون عبد على عاتقهم مهمة تحقيق «الحرية». 

من خلال البحث في أوراق هيغل ومذكراته تُثبت مورس أنه كان مطلعًا دقيقًا على أحداث ثورة هايتي، من خلال مجلة «مينيرفا» التي ظلت طيلة سنوات الثورة تغطي الصراع في الجزيرة البعيدة. مشيرةً إلى أن عبارة هيغل الشهيرة «إن بومة مينيرفا لا تفرد جناحيها إلا مع حلول الغسق»، التي ضمنها محاضراته حول «فلسفة التاريخ»، ربما كانت إشارة واعية إلى مجلة «مينيرفا» نفسها. ومن خلال هذا السياق التاريخي، نجد أساسًا ماديًا واضحًا لجدلية السيد والعبد، التي كُتبت في 1805-1806، والتي ينتهي فيها هيغل إلى أن الحرية لا يمكن أن تُمنح للعبيد من الأعلى، بل يجب أن يكتسبوها بأنفسهم من خلال «اختبار الموت». هذا التحرير الذاتي هو ما يمثل اللحظة التي «أصبح فيها العقلاني، أي الحرية، واقعيًا». وقد قدمت ثورة هايتي الدليل المادي على أن «الاعتراف المتبادل بين الأنداد» هو أساس تحقيق الحرية في التاريخ العالمي.

لكن هيغل الشاب، الذي تأثر بالثورة الفرنسية والثورة الهايتية، لن يظل على نفس الوتيرة من الثورة. في فكره الأكثر نضجًا، عبر عن مركزية أوروبية شديدةٍ في كتبه المتأخرة. ففي محاضراته حول «فلسفة التاريخ» تراجع هيغل عن رؤيته الكونية الراديكالية، من خلال السقوط في تبرير العنصرية، مشيرًا إلى أن إفريقيا جنوب الصحراء بلا تاريخ، وأن العبودية وإن كانت «ظلمًا في حد ذاتها» إلا أن العبيد كانوا «أفضل حالًا في المستعمرات مما كانوا عليه قبل ذلك»، وأن العبودية ضرورية لـ«إنضاج» الإنسان للحرية. وهذا التراجع أحد أسس فكر هيغل حول وضع أوروبا كطليعة للتاريخ، ومتوافق مع الأيديولوجيات العنصرية والثقافية الأوروبية السائدة آنذاك.

لكن لماذا تم تجاهل موضوع العلاقة بين هيغل وهايتي لفترة طويلة؟ ترى مورس أن استيلاء الماركسية على التفسير الاجتماعي للديالكتيك، وقراءة الصراع كاستعارة للصراع الطبقي، هو العامل الأساسي في هذا التجاهل. 

كان الماركسيون (البيض) هم الأقل احتمالًا لاعتبار العبودية الحقيقية مهمة لأنهم اعتبروها، ضمن فهمهم المرحلي للتاريخ، مؤسسة سابقة للعصر الحديث. هذا التفسير لا يكون معقولًا إلا بافتراض أن هيغل يروي قصة أوروبية منغلقة على نفسها، رغم أن العمل بالسخرة والقنانة لم يختفِ بعد في أوروبا عام 1806، لذلك يبدو هذا التجاهل لا تاريخيًا. وحتى لاحقًا في القرن العشرين كان لهذا التفسير الهيغلي-الماركسي دعاة أقوياء، منهم جورج لوكاش وهربرت ماركوز وألكسندر كوجيف، الذي قدم قراءة بارعة لنص «ظواهرية الروح» من منظور ماركسي. في الوقت نفسه عارض الماركسيون التقليديون أطروحة إريك ويليامز جامايكي المولد، في كتابه «الرأسمالية والعبودية» (1944)، التي دعمها لاحقًا المؤرخ الماركسي المولود في ترينيداد، سي. إل. آر. جيمس في كتابه «اليعاقبة السود» (1963)، والتي رأت أن عبودية المزارع كانت مؤسسة حداثية ورأسمالية جوهرية للاستغلال، لأنها تعارض المفهوم المرحلي التقليدي للماركسية، والذي بحسب مورس، ينطوي على بعدٍ من العنصرية الضمنية. 

ورغم أن الماركسية ساهمت في إلقاء الضوء على جانب آخر مهم في فكر هيغل، كان مهملًا قبل القرن العشرين، وهو حقيقة أن هيغل قرأ كتاب آدم سميث ثروة الأمم في عام 1803، مما قاده إلى فهم المجتمع المدني، باعتباره اقتصادًا حديثًا، أو «نظام الحاجة» كما سماه، إلا أنها فشلت في ملاحظة أن سميث نفسه أدرج مناقشة اقتصادية للعبودية الحديثة في الكتاب نفسه.

تحرير الخيال التاريخي

في القسم الثاني من الكتاب تحاول مورس إنقاذ فكرة «القصد الكوني للحداثة» أو مشروع التاريخ الكوني، من رماد الميتافيزيقا الحديثة، عبر تطوير منهجية جديدة تتجاوز حدود المركزية الأوروبية، وذلك بالنظر إلى التجارب التاريخية التي طالما تم إقصاؤها أو تهميشها. بدايةً تكشف الكاتبة عن التناقض الأخلاقي في الغرب فيما يتعلق بالعبودية من خلال ثلاث أحجياتٍ مصورة. الأولى «العبد المُشوّه»، وهي رسم من طبعة 1787 لرواية فولتير كانديد، يصور عبدًا مُشوّهًا (بترت يده ورجله) في مستعمرة سورينام الهولندية. يشرح العبد لبطل الرواية أن هذا هو الثمن الذي يدفعه الأوروبيون لأكل السكر في أوروبا. تثير هذه الصورة «الذنب السياسي» لدى الأوروبيين، مما يخلق تنافرًا بين الواقع القاسي والصواب الأخلاقي المعلن. ترى مورس أن استبعاد هذه الصورة من طبعة 1803 كان بسبب تأثير ثورة العبيد الهايتية، التي جعلت صور العبيد عنيفين وخطيرين نفسيًا على البيض الأوروبيين. والثانية «رؤية سبينوزا»، وهي رؤية الفيلسوف سبينوزا عام 1664 لـ«برازيلي أسود مصاب بالجرب». تشير هذه الرؤية إلى تجاهل الفلاسفة الليبراليين، مثل سبينوزا الذي رفض فردانية هوبز للفئات المستعبدة والمهمشة. والثالثة «آدم سميث والسكر»، التي ترصد ولع سميث المفرط باستهلاك قطع السكر في تناقض مع إدانته للعبودية كعائق أمام التقدم. هذه المفارقة ترمز إلى الانفصال بين خطاب التنوير والواقع الاقتصادي الاستعماري الذي كان يدعم رخاء أوروبا. 

وبالضد من المرحلية الماركسية التقليدية، تؤكد مورس أن العبودية الاستعمارية لم تكن ظاهرة ما قبل حداثية فحسب، بل أيضاً شكلًا رأسماليًا مكثفًا. فقد كان نظام المزارع نظامًا صناعيًا أوليًا، يهدف إلى استخراج أقصى قيمة ممكنة من العمالة الإفريقية لتلبية الطلب الأوروبي على منتجات الإدمان (كالسكر والقهوة). وكان ظهور المصانع في أوروبا مدفوعًا بشكل قوي بالمواد الخام المستوردة من المستعمرات واستخدمت أشكالًا من الاستغلال، مثل عمل الأطفال والسخرة، التي كانت تقارب قسوة العبودية. وللتعامل مع هذا التناقض، كان على أوروبا أن تنشئ حواجز مفاهيمية وقانونية صارمة تفصل بين العمل «الحر» في أوروبا والعمل العبودي في المستعمرات، مما أدى إلى تعزيز النظريات العنصرية. حيث أصبحت عبودية الزنوج هي الاستثناء الوحيد للقاعدة القانونية التي تقضي بأن لا عبيد في فرنسا أو في إنكلترا، وذلك لضمان حماية حقوق الملكية لملاك العبيد.

ولإعادة صياغة التاريخ الكوني بطريقة غير أوروبية مركزية، تقترح مورس منهجية جديدة لها قدرة على رؤية الروابط العابرة للحدود التي تتجاوز الفئات المعتادة للعرق والأمة والطبقة يكون هدفها تحرير الخيال التاريخي، فالكونية الحقيقية لا تنبع من الافتراض بأن «الكل متشابه»، بل من إدراك أن «الحدود المفاهيمية»، التي تفصل بين الأمم والثقافات هي في الواقع «مسامية ومتحولة». لذلك تؤكد على فكرة تجاوز التفسيرات الحصرية للتاريخ. من ذلك ما تشير إليه من أصول مسلمة لبعض قادة ثورة هايتي، وكيف تم تجاهل ذلك في السرد التاريخي السائد. أو التعارض بين مديح العنف في الثورة الانتقامية الهايتية، كجزء من منطق الحرية، مع أنه المنطق نفسه الذي يحكم الانتقام في صراعات معاصرة لا تجد سوى التنديد والتشويه. 

لكن الأساسي بالنسبة لمورس، فهو ضرورة عدم الوقوع في فخّ تحويل التاريخ إلى «قصة خلاص»، أو صراع بين أبطال وأشرار، فلا توجد أي أمة أو طبقة أو حضارة أو دين لها القدرة أو الحق في احتكار الإنسانية أو تجسيد الفكرة الكونية للحرية كـ«امتلاك حصري»، ذلك أن الكونية لا يمكن أن تظهر في الأنظمة الفكرية الكلية، مثل التركيب الهيغلي، بل في لحظات التمزق التاريخي عندما تتجاوز الأفعال البشرية الحدود الثقافية. كما فعلت النساء الهايتيات، اللاتي كن يعملن في الحقول، وطالبن بالمساواة في الأجر مقابل العمل المتساوي، في وقتٍ لم يكن هذا المطلب سوى حلمٍ يعيد في أوروبا «مهد التنوير»، وكأن الإنسانية الكونية لا يمكن رؤيتها إلا على «أطراف الثقافة».

مشاركة:
\n

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤