رواتب الشهداء والجرحى والأسرى… ملف الكرامة المؤجل على طاولة المؤتمر الحركي الثامن
في القضايا الوطنية الكبرى، لا تُقاس الأمور بالأرقام، بل بميزان الكرامة والوفاء. وحين نتحدث عن رواتب الشهداء والجرحى والأسرى المقطوعة منذ أشهر طويلة، فإننا لا نناقش بندًا ماليًا في موازنة، بل نفتح ملفًا يمس جوهر العلاقة بين الوطن ومن قدّموا أعمارهم فداءً له.
هذه القضية لم تعد تحتمل التأجيل أو الترحيل، بل أصبحت اختبارًا حقيقيًا لصدق الانتماء، ولمدى التزام القيادة بمسؤولياتها الأخلاقية والوطنية تجاه هذه الفئات التي دفعت الثمن الأغلى.
ثمانية أشهر مضت، وعائلات الشهداء تعيش على حافة القلق، لا لضعف صبرها، بل لثقل الواقع. ثمانية أشهر والجرحى يواجهون أوجاعهم بأجسادٍ أنهكها الألم، وبظروفٍ معيشية لا ترحم. ثمانية أشهر، وأسر الأسرى تكابد الغياب القاسي، مضافًا إليه ضيق الحال وانقطاع موردٍ كان يمثل الحد الأدنى من الأمان.
علماً أن شهداء وجرحى غزة منذ بداية الحرب لم يتقاضوا رواتب تُذكر، ومن تقاضى منهم لم يحصل إلا على شهرٍ أو شهرين فقط، قبل أن يتوقف كل شيء بشكل كامل.
كل واحدٍ من هؤلاء… ليس رقمًا في كشف حساب.
كل واحدٍ منهم رواية وطن، وعنوان تضحية، وقصة بيتٍ كان عامرًا فصار مثقلًا بالانتظار.
الشهيد لم يترك خلفه فراغًا عاطفيًا فقط، بل ترك مسؤولية وطنية في أعناق الجميع.
والجريح لم يختر أن يكون أسير جسده، بل اختار أن يكون شاهدًا على مرحلة من النضال.
أما الأسير، فقصته لم تتوقف عند القضبان، بل تمتد إلى عائلته التي تعيش تفاصيل غيابه كل يوم.
فكيف يُعقل أن تُترك هذه الفئات في مواجهة مصيرها، وكأن تضحياتها أصبحت ملفًا مؤجلًا؟
إن استمرار قطع هذه الرواتب لا يمكن فصله عن خللٍ واضح في ترتيب الأولويات، أو تعقيدات إدارية وسياسية يجب أن لا تكون مبررًا لاستمرار المعاناة. لأن هذه القضية تحديدًا، ليست قابلة للتأجيل أو المناورة.
إن الحفاظ على حقوق الشهداء والجرحى والأسرى هو جزء أصيل من الثوابت الوطنية، وأي مساس به ينعكس سلبًا على ثقة الناس، وعلى صلابة الجبهة الداخلية، وعلى صورة المشروع الوطني ككل.
كما أن هذه الأزمة تُنذر بتداعيات اجتماعية خطيرة، حيث تتسع دائرة الاحتياج، ويتعمّق الشعور بالظلم، وتُطرح أسئلة موجعة حول معنى التضحية إن لم تقابلها رعاية حقيقية ومستدامة.
المؤتمر الحركي الثامن: فرصة لا يجب أن تُهدر
ومع اقتراب انعقاد المؤتمر الحركي العام الثامن، فإن هذه القضية يجب أن تكون على رأس جدول الأعمال، لا كعنوان جانبي، بل كملف مركزي يتطلب نقاشًا جادًا ومسؤولًا.
إننا نطالب بأن يتم فتح هذا الملف بشكل شفاف، ومراجعته مراجعة شاملة، والخروج بقرارات واضحة وملزمة تعيد الحقوق لأصحابها دون تأخير.
المؤتمر ليس مجرد محطة تنظيمية، بل فرصة لإعادة تصويب البوصلة، وترميم العلاقة مع القاعدة التنظيمية والجماهير، وإثبات أن الحركة ما زالت وفية لتاريخها ونضالات أبنائها.
في ختام سطور مقالي لابد من المطالبة:
من هنا، نوجّه نداءً صادقًا ومسؤولًا إلى القيادة:
إنهاء هذا الملف لم يعد خيارًا، بل ضرورة وطنية عاجلة.
إعادة صرف الرواتب المقطوعة بأثرٍ رجعي حق لا يقبل النقاش.
وإقرار آليات واضحة تضمن عدم تكرار هذه الأزمة واجب لا يحتمل التأجيل.
ضعوا هذا الملف على طاولة المؤتمر الحركي الثامن،
واخرجوا منه بقرار يُعيد الكرامة قبل المال،
ويُثبت أن من قدّموا دماءهم وأعمارهم… لن يُتركوا وحدهم في مواجهة الحياة.
لأن الأوطان التي تنسى تضحيات أبنائها…
تفقد جزءًا من روحها.





