تُشِيرُ أَبْحَاثُ الدُّكْتُور كريستوفر كير، الَّذِي أَمْضَى أَكْثَرَ مِنْ 25 عَامَاً فِي دِرَاسَةِ ظَاهِرَةِ "أَحْلَامِ وَرُؤَى نِهَايَةِ الْحَيَاةِ" (ELDVs)، إِلَى أَنَّ مَا يَرَاهُ الْإِنْسَانُ فِي الْأَسَابِيعِ وَالْأَيَّامِ الْأَخِيرَةِ قَبْلَ الْمَوْتِ لَيْسَ مُجَرَّدَ هَذَيَانٍ عَابِرٍ، بَلْ هِيَ تَجَارِبُ مَنْمَطَةٌ، مَعْنِيَّةٌ، وَمُنَظَّمَةٌ لِلْغَايَةِ تَهْدِفُ نَفْسِيَّاً وَبِيُولُوجِيَّاً إِلَى مَنْحِ الْمُحْتَضِرِ شُعُورَاً عَمِيقَاً بِالسَّلَامِ وَالطُّمَأْنِينَةِ.
وِفْقَاً لِلْعِلْمِ وَتَجَارِبِ مَلَايِينِ الْمَرْضَى، تَتَلَخَّصُ رُؤَى الْإِنْسَانِ قَبْلَ الْمَوْتِ فِي مَحَاورَ رَئِيسِيَّةٍ:
1. لِقَاءُ الْأَحِبَّةِ وَالرَّاحِلِينَ
الظَّاهِرَةُ الْأَكْثَرُ شُيُوعَاً هِيَ رُؤْيَةُ أَشْخَاصٍ مَاتُوا سَابِقَاً (آبَاء، أَجْدَاد، أَصْدِقَاء، أَوْ حَتَّى حَيَوَانَاتٍ أَلِيفَةٍ كَانُوا يُحِبُّونَهَا).
- طَبِيعَةُ الرُّؤْيَةِ: لَا يَرَى الْمُحْتَضِرُ هَؤُلَاءِ كَأَشْبَاحٍ مُخِيفَةٍ، بَلْ يَرَاهُمْ بِهَيْئَتِهِمْ الطَّبِيعِيَّةِ، وَيَتَحَدَّثُ مَعَهُمْ، وَيَشْعُرُ بِأَنَّهُمْ جَاءُوا لِأَخْذِهِ أَوْ طَمْأَنَتِهِ.
- قِصَّةُ "مَارِي وَدَانِي": تَجْسِيدٌ صَارِخٌ لِهَذَا النَّمَطِ؛ حَيْثُ اسْتَحْضَرَ دِمَاغُ مَارِي طِفْلَهَا الْأَوَّلَ الَّذِي وُلِدَ مَيِّتَاً "دَانِي"، وَالَّذِي دَفَنَتْ ذِكْرَاهُ فِي أَعْمَاقِهَا لِعُقُودٍ مِنَ الزَّمَنِ، لِيَكُونَ هُوَ مُسْتَقْبِلَهَا الْأَوَّلَ عِنْدَ بَوَّابَةِ الرَّحِيلِ، مِمَّا مَنَحَهَا رَاحَةً نَفْسِيَّةً هَائِلَةً.
2. الِاسْتِعْدَادُ لِرِحْلَةٍ أَوْ سَفَرٍ
يَرَى الْكَثِيرُ مِنَ الْمُحْتَضِرِينَ أَنْفُسَهُمْ فِي الْأَحْلَامِ أَوْ الْيَقَظَةِ وَهُمْ يَقُومُونَ بِـ:
حَزْمِ حَقَائِبِهِمْ.
شِرَاءِ تَذَاكِرِ قِطَارَاتٍ أَوْ طَائِرَاتٍ.
الِاسْتِعْدَادِ لِخُرُوجٍ طَوِيلٍ دُونَ عَوْدَةٍ.
تُسَاعِدُ هَذِهِ الرُّؤْيَةُ الِاسْتِعَارِيَّةُ الدِّمَاغَ عَلَى تَقَبُّلِ فِكْرَةِ الِانْتِقَالِ مِنَ الْحَيَاةِ إِلَى الْمَوْتِ بِشَكْلٍ تَدْرِيجِيٍّ مَرِنٍ.
3. تَسْوِيَةُ الصِّرَاعَاتِ وَالذِّكْرَيَاتِ الْقَدِيمَةِ
فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ، خُصُوصَاً لَدَى مَنْ عَانَوْا مِنْ صَدَمَاتٍ (مِثْلَ مُحَارِبِي الْقُدَامَى)، قَدْ تَعُودُ ذِكْرَيَاتُ الْحَرْبِ أَوِ الْأَلَمِ لِلظُّهُورِ.
لَكِنَّ الْأَبْحَاثَ تُشِيرُ إِلَى أَنَّ الدِّمَاغَ يُعِيدُ طَرْحَهَا فِي الْأَيَّامِ الْأَخِيرَةِ بِشَكْلٍ يَسْمَحُ لِلْمَرِيضِ بِـتَقَبُّلِهَا، وَمُسَامَحَةِ النَّفْسِ، وَالْوُصُولِ إِلَى التَّصَالُحِ الدَّاخِلِيِّ.
4. مَشَاهِدُ طَبِيعِيَّةٌ مَهْدِئَةٌ
يُبْلِغُ مَرْضَى آخَرُونَ عَنْ رُؤْيَةِ مَسَاحَاتٍ خَضْرَاءَ شَاسِعَةٍ، أَوْ حَدَائِقَ مَلِيئَةٍ بِالْأَزْهَارِ، أَوْ أَنْوَارٍ دَافِئَةٍ مَبْعَثٍ لِلْطُّمَأْنِينَةِ، لَيْسَ فِيهَا أَيُّ صَخَبٍ أَوْ إِزْعَاجٍ.
الْفَرْقُ بَيْنَ الرُّؤَى الْإِيجَابِيَّةِ وَالْهَذَيَانِ الطِّبِّيِّ (Delirium)
يُمَيِّزُ عُلَمَاءُ الْأَعْصَابِ بِدِقَّةٍ بَيْنَ مَا يَرَاهُ الْمُحْتَضِرُ طَبِيعِيَّاً وَبَيْنَ الْهَلْوَسَاتِ النَّاتِجَةِ عَنِ الْأَدْوِيَةِ أَوْ فَشَلِ الْأَعْضَاءِ:
- أَحْلَامُ وَرُؤَى نِهَايَةِ الْحَيَاةِ (ELDVs): تَكُونُ مَهْدِئَةً، مُرِيحَةً، وَتَجْلِبُ السَّلَامَ النَّفْسِيَّ.
وَهِيَ رُؤَى مَنْطِقِيَّةٌ وَمُرْتَبِطَةٌ بِأَشْخَاصٍ حَقِيقِيِّينَ مَعْرُوفِينَ لَدَى الْمَرِيضِ، حَيْثُ يَكُونُ خِلَالَهَا وَاعِيَاً تَمَامَاً بِأَنَّهُ يَرَى رُؤْيَا خَاصَّةً بِهِ. - الْهَذَيَانُ وَالْهَلْوَسَاتُ الطِّبِّيَّةُ: تَكُونُ مُرْعِبَةً وَمُشَوِّشَةً، وَتُسَبِّبُ الْقَلَقَ وَالذُّعْرَ لِلْمَرِيضِ.
كَمَا أَنَّهَا تَكُونُ عَشْوَائِيَّةً، مُفَكَّكَةً، وَتَفْتَقِرُ إِلَى السِّيَاقِ الشَّخْصِيِّ، حَيْثُ يَكُونُ الْمَرِيضُ مُنْفَصِلَاً عَنِ الْوَاقِعِ وَمُشَتَّتَاً بِالْكَامِلِ.



