بعض الاتفاقيات تولد لتسد ثغرة، وأخرى تولد لأن أصحابها اكتشفوا أن الثغرة أكبر من أن تسدها علاقة تضامنية. وربما كان اتفاق مكة من النوع الثاني. فالسعودية وتركيا وباكستان لم تضع ثلاث رايات فوق ورقة واحدة فحسب؛ بقدر ما وضعت أمام المنطقة كلها سؤالا كان مؤجلا: ماذا نفعل إذا تغيرت قواعد الحماية، وتبدلت خرائط القوة. وصار على أهل البيت أن يتعلموا شيئا من فنون الحراسة؟ الاتفاق، في جوهره، دفاع مشترك: الاعتداء على دولة من الدول الثلاث يعد اعتداء عليها جميعا، مع تعزيز التعاون العسكري والأمني. غير أن دلالته الأبعد تنبع من اجتماع ثلاث كتل مختلفة من عناصر القوة: المال والطاقة والثقل الروحي السعودي، والصناعة والتكنولوجيا والخبرة العسكرية التركية، والخبرة البشرية والقدرة الردعية الباكستانية. إنها خلطة تستحق أن تتوقف عندها خرائط المنطقة طويلا. ولا يصح أن نقفز من التوقيع إلى إعلان ولادة حلف إقليمي مكتمل. فما بين الورقة والقدرة مسافة طويلة؛ تحتاج إلى قيادة وآليات تنسيق واستخبارات وتدريبات ومشاريع دفاعية مشتركة. كما أن غياب التواصل الجغرافي المباشر بين الدول الثلاث يضع أمام المشروع امتحانا حقيقيا. لذلك يظل الاتفاق، في هذه المرحلة، نواة قابلة للنمو أكثر منه بناء مكتملا. الأهم أن السعودية لا تبدو وكأنها تقطع حبلها مع واشنطن. الاتفاق بالطبع لا يلغي الشراكات القائمة ولا يقدم نفسه موجها ضد طرف محدد. المسألة أقرب إلى فتح نافذة أخرى في بيت الأمن؛ فإذا كانت هناك مظلة أميركية، فمن الحكمة أن يكون للبيت أيضا سقف من صنع أهله. وتزداد دلالة الاتفاق حين نضعه بجوار الترتيبات البحرية الجديدة لحماية التجارة والطاقة والممرات الحيوية في البحر الأحمر وباب المندب. فالأمن لم يعد طائرة مقاتلة تقف في قاعدة، وإنما شبكة مصالح وممرات ومعلومات وقدرات تستطيع أن تعمل معا حين تضيق الأزقة. لهذا فإن اتفاق مكة لا ينبغي له أن يقرأ باعتباره اتفاقا عسكريا بين عواصم ثلاث فقط. إنه، قبل ذلك، علامة على تبدل في المزاج الاستراتيجي للمنطقة: من انتظار الضمانة إلى صناعة جزء منها، ومن الارتهان لخيار واحد إلى توزيع المخاطر، ومن سؤال «من سيحمينا؟» إلى سؤال أكثر نضجا: «ماذا نستطيع أن نفعل بأنفسنا حيال ذلك؟». هنا يبدأ الاختبار الحقيقي. فالتحالفات لا تكبر بكثرة الأعلام، ولا تصبح قوية بكثرة البيانات وفصاحتها. قوتها تبدأ يوم تعرف الدول ماذا ستفعل عندما ينقطع الضوء، ويعلو صوت المدافع، وتصبح القرارات أصعب من توقيع الاتفاقات. ربما لهذا جاء اتفاق مكة في مكان له من الرمزية ما يكفي: في مدينة يتجه إليها المسلمون جميعا، وقع ثلاثة على أن أمنهم لا ينبغي أن يكون دعاء ينتظر الإجابة. عليه أن يكون قدرة أيضا. ــ الدستور


