رمزي الغزوي : في مديح التشاؤل
المصدر: أخبارنا | Source: أخبارنا![]()
إذا كانَ من الصُّعوبة أن يتواجد الواحد منّا في مكانين اثنين، جالساً على مقعدين بعيدين في وقت واحد، فالصعوبة الكبرى ستكون في أن تلتحم أنت وضدك في قميص واحد، وربطة عنق واحدة. أو أن تكون فرحانا وحزنانا في آن، أو أن تبدو سعيداً وتعيساً معاً، هادئاً ومتوتراً، شارداً ومنتبها، مقبلاً ومدبراً.لكنَّ من حسنات هذا الزمان القميء، أنَّ الواحد منا صار قادراً على أن يكون متفائلاً ومتشائماً في ذات اللحظة، وعند الفكرة ونقيضها، وفوق المسار المعقوف وتحته. صار الواحد منا مدموجاً دمجاً لغوياً، أو منحوتاً نحتاً بنيوياً في كلمة واحدة تتقبلها الأسماعُ وتستسيغها: متشائل. أي متشائم متفائل. فمرحى للمتشائلين الجُدد، وهم كثر يملؤون الآفاق حتى ولو لم يفصحوا عن هويتهم، مرحى لهم إذ يعطون فرصة للتفاؤل أن يمتد ويسود نفوسهم. مع أنني لا ألوم المتشائمين الكبار، حين يعتقدون أن القمر إن سقط على الأرض؛ فلن يقع إلا على يوافيخهم، لأن رؤوسهم ما بزغت يوماً من بين ركام الخيبات. ولن ألوم من يخاف حبلاً مجروراً على صفحات التراب، فالثعبان الذي لذغه ذات مرة ما زال يصول ويجول في تلافيف نفسه ليل نهار. ولن أهزأ بمن ينفخ في اللبن الرائب البارد؛ لأن حليباً ساخناً ألهب أسلة لسانه، وحرق سقف حلقه ذات شره. ولن نلوم أيضاً من ما زالوا يقولون إن قلوبنا من الحامض «لاوية»؛ من فرط ما مرَّ عليهم من تجارب تتالت متشابهة جعلتهم يدركون أن مزيداً من خضِّ الماء لن يفصح عن زبد يطيش فوقه. ولن نحفل كثيراً ببعض المتفائلين الذين يتمتّعون بذاكرة سمكية، لا تحفظ شيئاً من التجارب المرة المريرة، وتنسي ماذا كان عشاء أمس. وهؤلاء لربما يصفقون للفلاح بقدر تصفيقهم للفشل وبذات الحماسة، وقد نجد لهم مبرراً، أن الأيام في نظرهم ولّادةٌ، وأن البطن بستان قد تهل الحسنات من حيث جاءت السيئات. في المقابل فإن من المتشائمين من يصدحون بما قاله العالم الفيزيائي الشهير آينشتاين: إنّ من من الجنون أن تجري تجربة بذات الأداوت وذات الطريقة، وتتوقّع نتائج مختلفة في كل مرة.لكن في المحصلة وهذا المهم، فليس أجمل من التشاؤل في هذا الوقت المضروب بالخلاط اليأس والضجر والقنوط على شرط أن نبقى قابلين للجنوح نحو التفاؤل المطلوب إن عمدت الدولة على تغذيته بماء الثقة؛ كي يملأ نفوسنا ويخنق ضده.
ملاحظة تحريرية | Editorial Note: نُشر هذا المقال في الأصل بواسطة أخبارنا. خبر (Khabr) هي منصة إعلامية أردنية مرخّصة تعمل بالذكاء الاصطناعي. نضيف قيمة تحريرية من خلال: تحليل ذكي للأخبار، ملخصات تلقائية، رواية صوتية بالذكاء الاصطناعي، ترجمة متعددة اللغات، وتدقيق الحقائق. هدفنا جعل الأخبار أكثر وضوحاً وسهولةً للقارئ العربي.
This article was originally published by أخبارنا. Khabr is a licensed Jordanian AI-powered news platform (Registration #82086). We add editorial value through: AI-powered news analysis, automated summaries, AI audio narration, multi-language translation (Arabic, English, French, Turkish), and AI fact-checking. Our mission is to make news more accessible and understandable for Arabic-speaking audiences worldwide.





