رمزي الغزاوي : أرواح مستترة
في هذا العالم الذي يزداد ضجيجه كل يوم، صار الإنسان يتقن فنا غريبا اسمه إخفاء نفسه. لم يعد مطلوبا منه أن يكون سعيدا فعلا، وإنما أن يبدو سعيدا فقط. أن يمشي بين الناس بوجه مرتب، وصوت متماسك، وخطوات لا تفضحه. أما قلبه فذلك شأن داخلي مؤجل، يشبه غرفة مغلقة في بيت قديم لا يجرؤ أحد على فتحها خوفا من الغبار والذكريات والاختناق. لهذا امتلأت الطرقات بأرواح متعبة ترتدي وجوها لامعة. ترى الرجل يضحك في مجلس مزدحم بينما الحزن ينهش صدره بصمت. وترى المرأة توزع الطمأنينة على من حولها كأنها شجرة وارفة، رغم أنها بالكاد تجد ظلا يحميها من تعبها الشخصي. حتى الأطفال صاروا يتعلمون مبكرا كيف يخفون انكساراتهم الصغيرة كي لا يقال عنهم هشون أكثر مما ينبغي. أخطر ما في الوجع أنه لا يقتلنا دفعة واحدة، بل يعلمنا التعايش معه. في البداية نقاومه بالبكاء والكلام والشكوى، ثم نكتشف أن العالم لا يصغي كثيرا لمن يتألم. بعضهم ينظر إلى أحزان الآخرين كما ينظر إلى نشرات الأخبار، يتابعها قليلا ثم يكمل يومه بلا أثر يذكر. وبعضهم يمنح المواساة بطريقة تشبه أداء الواجب، ببرود يجعل الجرح أكثر وحدة وقسوة. لهذا يتراجع الإنسان إلى داخله شيئا فشيئا. يتعلم كيف يختصر تعبه بجملة قصيرة، وكيف يبتسم حين يكون منهكا، وكيف يخفي ارتجافة صوته خلف ضحكة عابرة. ومع الوقت يتحول الصمت إلى مهارة يومية، ويغدو الكتمان نوعا من الكرامة الشخصية. ليس خوفا من الناس دائما، وإنما خوف من أن يتحول الوجع إلى مادة للفضول أو الشفقة العابرة. والمؤلم أن أكثر الذين يبدون أقوياء هم أكثر الناس حاجة للربت على أرواحهم. ذلك الصلب الذي يمنح الجميع نصائح الصبر قد يعود آخر الليل مثقلا بوحدته. وتلك التي تبدو قادرة على حمل العالم فوق كتفيها قد تنهار من كلمة جارحة لا يسمعها أحد. البشر لا يكشفون هشاشتهم بسهولة، لأن الحياة عاقبتهم كثيرا كلما فعلوا. ومع هذا كله تبقى الروح البشرية مدهشة بعنادها. فحتى أكثر القلوب تعبا تظل تبحث عن دفء صغير يعيد إليها يقينها بالحياة. نظرة صادقة، كلمة حانية، أو حضور لا يفتش في الجرح بل يخفف ثقله فقط. ولهذا يواصل الناس ارتداء وجوههم كل صباح، ويواصلون السير بما تبقى فيهم من نور، مهما حاول العالم أن يطفئه. ــ الدستور


