ركود رغم الوفرة: أسواق المواشي في الرقة بلا مشترين
تابع المقالة ركود رغم الوفرة: أسواق المواشي في الرقة بلا مشترين على الحل نت.
تختنق أسواق المواشي في محافظة الرقة وسط ركود حاد، يعكس خللاً متراكماً في إدارة هذا القطاع الحيوي. فرغم وفرة المعروض من الأغنام والماعز، تتراجع حركة البيع بشكل واضح، في مؤشر على تراجع القدرة الشرائية وتعطل دورة السوق. الأزمة لا تقف عند حدود العرض والطلب، بل تمتد إلى ارتفاع التكاليف بشكل غير مسبوق، خاصة في ما يتعلق بالأعلاف والنقل.
وفي الوقت الذي يُفترض أن يستفيد فيه المستهلك من انخفاض أسعار المواشي، تظهر السوق مفارقة واضحة مع استمرار ارتفاع أسعار اللحوم. هذا التناقض يكشف اختلالاً في منظومة التسعير والتوزيع، حيث تتحمّل الحلقة الأضعف، أي المربون، العبء الأكبر من الخسائر. ومع استمرار هذه الظروف، يتجه قطاع الثروة الحيوانية في الرقة نحو مسار تراجعي قد يؤدي إلى تقليص أعداد القطعان أو خروج مربين من السوق بشكل نهائي.
الركود يخنق السوق
تبدو أسواق المواشي في الرقة مزدحمة من حيث العرض، لكنها شبه متوقفة من حيث الطلب، في مشهد يعكس اختلالاً واضحاً في توازن السوق. فالساحات تمتلئ بأعداد كبيرة من الأغنام والماعز، ويتنقل فيها الباعة والمترددون، لكن دون أن تتحول هذه الحركة إلى صفقات بيع فعلية. هذا الركود لا يرتبط بندرة المعروض، بل على العكس، إذ إن وفرة القطعان لم تعد عاملاً مشجعاً على الشراء، بل تحولت إلى ضغط إضافي على الأسعار.
خلال الشهرين الماضيين، شهدت أسعار المواشي تراجعاً ملحوظاً، إلا أن هذا الانخفاض لم ينعكس على تنشيط الطلب كما هو متوقع في الظروف الطبيعية. ويعود ذلك إلى ضعف السيولة لدى السكان وتراجع قدرتهم على الإنفاق، ما جعل حتى الأسعار المنخفضة نسبياً غير كافية لتحريك السوق. وفي المقابل، تستمر أسعار لحوم الأغنام في الارتفاع، إذ قفزت من نحو 90 ألفاً إلى 160 ألف ليرة سورية، وهو ما يعمّق الفجوة بين سعر المنتج الحي وسعره النهائي، ويكشف خللاً في حلقات الوساطة والتوزيع، حيث لا تنعكس وفرة العرض أو انخفاض الأسعار عند المربين على المستهلك النهائي.

هذا الواقع يضع المربين أمام وضع معقد، إذ يجدون أنفسهم مضطرين لجلب مواشيهم إلى السوق رغم معرفتهم المسبقة بضعف فرص البيع، فقط لتأمين جزء من احتياجاتهم اليومية. وفي حالات كثيرة، تنتهي هذه المحاولات بإعادة القطعان إلى أماكن تربيتها دون تحقيق أي عائد، مع تحمّل تكاليف إضافية تزيد من حجم الخسائر.
تكاليف متزايدة .. “البيع بخسارة”
الضغط الأكبر على المربين لا يأتي فقط من ضعف الطلب، بل من الارتفاع الحاد في تكاليف الإنتاج، وعلى رأسها الأعلاف والنقل.
فقد تجاوز سعر القمح العلفي 5 آلاف ليرة سورية للكيلوغرام الواحد، بينما تخطى سعر التبن 3 آلاف ليرة، وهي مستويات غير مسبوقة جعلت من تربية المواشي عبئاً مالياً متزايداً.
هذا الارتفاع في أسعار الأعلاف يأتي في وقت تراجعت فيه قدرة المراعي الطبيعية على تأمين جزء من احتياجات القطعان، نتيجة سنوات الجفاف التي أثّرت على الغطاء النباتي. وبالتالي، أصبح الاعتماد على الأعلاف شبه كامل، ما زاد من حساسية القطاع تجاه تقلبات أسعارها.

إلى جانب ذلك، تشكّل تكاليف النقل عبئاً إضافياً لا يمكن تجاهله، إذ يضطر المربون لدفع مبالغ كبيرة لنقل مواشيهم إلى الأسواق، وقد تصل كلفة نقل الرأس الواحد إلى عشرات آلاف الليرات، أو ما يعادل نحو 100 دولار في بعض الحالات عند نقل أعداد كبيرة. وهذه التكاليف لا تُسترد في كثير من الأحيان، خاصة عندما يفشل المربي في بيع مواشيه، ما يدفعه لاحقاً إلى القبول بأسعار منخفضة فقط لتغطية جزء من النفقات المتراكمة.
أمام هذا الواقع، بدأ بعض المربين باتخاذ إجراءات تقشفية قاسية، مثل تقليص أعداد القطعان، أو الاستغناء عن أنواع أكثر كلفة في التربية كالأبقار، مع الإبقاء على الحد الأدنى الذي يوفّر دخلاً يومياً عبر منتجات مثل الحليب ومشتقاته.
قرارات تفاقم الأزمة
لا يمكن فصل الأزمة الحالية عن مجموعة من السياسات والإجراءات التي ساهمت في تعميق الاختلال داخل السوق. فإغلاق طريق الحسكة لفترة زمنية، وما تبعه من صعوبات في حركة النقل، انعكس سلباً على تدفق المواشي والمواد العلفية، وزاد من كلفة التشغيل على المربين والتجار على حد سواء.
كما أن قرارات منع تصدير إناث المواشي إلى خارج سوريا حدّت من أحد المنافذ الرئيسية لتصريف الفائض، ما أدى إلى زيادة العرض داخل السوق المحلية دون وجود طلب موازٍ. وترافقت هذه الإجراءات مع فرض ضرائب بين المناطق، ما أضاف أعباء مالية إضافية على عمليات النقل والتجارة.
أما في ما يتعلق بالأعلاف، فقد أدت الضرائب المفروضة على المواد المستوردة، إلى جانب القيود على إدخال التبن، إلى رفع أسعار هذه المواد بشكل مباشر. ورغم أن هذه السياسات تُبرَّر أحياناً بدعم الإنتاج المحلي، إلا أن نتائجها الفعلية تظهر عبئاً إضافياً على المربين، الذين يجدون أنفسهم مضطرين لشراء الأعلاف بأسعار مرتفعة دون وجود بدائل حقيقية. ودون دعم حكومي يجعل الفرق بالسعر محتملاً.
تراجع الأسعار والقدرة الشرائية
تراجعت أسعار المواشي في الرقة بشكل حاد، لتتراوح بين 150 و200 دولار للرأس الواحد، بعد أن كانت تصل إلى نحو 400 دولار في فترات سابقة. هذا الانخفاض لا يعكس تحسناً في السوق، بل يشير إلى حالة اضطرار لدى المربين لبيع مواشيهم بأسعار متدنية لتأمين السيولة.
هذا الانخفاض في الاسعار لم ينعكس ايجابا على الاستهلاك. يتقاطع الركود في سوق المواشي مع تدهور الوضع المعيشي للسكان، حيث لم تعد اللحوم ضمن أولويات الإنفاق لدى شريحة واسعة من الأهالي. هذا التراجع في القدرة الشرائية أدى إلى انخفاض الطلب حتى على المنتجات التي شهدت انخفاضاً نسبياً في أسعارها مقارنة بسنوات سابقة.

كما أن سنوات الجفاف التي مرت على المحافظة لم تؤثر فقط على المراعي، بل أيضاً على الإنتاج الزراعي، ما انعكس سلباً على دخل السكان بشكل عام، وأضعف قدرتهم على شراء اللحوم. وبالتالي، فإن الأزمة الحالية لا يمكن فصلها عن السياق الاقتصادي الأوسع الذي تعيشه المنطقة.
في ظل هذا الوضع، باتت عمليات بيع إناث المواشي شبه متوقفة، خاصة الأغنام، وهو ما يهدد على المدى المتوسط استدامة الثروة الحيوانية، إذ يعتمد تجديد القطعان على الحفاظ على هذه الإناث. ويجد المربون أنفسهم مضطرين للانتظار حتى تنمو الخراف الصغيرة لبيعها، في محاولة لسداد الديون المتراكمة، في ظل غياب السيولة النقدية.
سوق مهدد بالانهيار
أدت الأزمة إلى تغيير واضح في طبيعة العلاقة بين المربين وتجار الأعلاف، حيث تراجعت الثقة التي كانت تسمح بإجراء عمليات البيع بالدَّين. فالتجار، الذين كانوا يعتمدون سابقاً على تحصيل مستحقاتهم بعد بيع المواشي، باتوا أكثر حذراً بسبب تعثر السداد، ما دفعهم إلى التشدد في شروط البيع.
هذا التحول خلق توتراً متزايداً بين الطرفين، خاصة مع حاجة المربين المستمرة للأعلاف، وعدم قدرتهم في الوقت ذاته على الدفع الفوري. وفي بعض الحالات، أدى ذلك إلى خلافات مباشرة، ما يعكس حجم الضغط الذي يعيشه القطاع بأكمله. كما اضطر عدداً من المربين إلى خفض كميات الأعلاف التي يشترونها إلى النصف، وهو ما قد يؤثر سلباً على صحة المواشي وجودة إنتاجها، ويزيد من احتمالات الخسارة على المدى الطويل.
وفي ظل استمرار ارتفاع تكاليف الأعلاف والنقل، يصبح هذا النشاط أقل جدوى من الناحية الاقتصادية، ما يدفع بعض المربين إلى التفكير في تقليص نشاطهم أو الخروج من السوق بشكل كامل. ومع اقتراب المواسم التي يعتمدون عليها لتعويض جزء من خسائرهم، تبدو الآفاق غير واضحة، في ظل غياب مؤشرات على تحسن قريب.
الأزمة تطال القطاع ككل.. ولا حلول
لا تقتصر تداعيات الركود على المربين، بل تمتد إلى تجار الأعلاف الذين يشكلون جزءاً أساسياً من دورة هذا القطاع. فانخفاض القدرة الشرائية لدى المربين انعكس مباشرة على حجم المبيعات، حيث تراجعت الكميات المشتراة بشكل ملحوظ، وفي بعض الحالات إلى النصف. كما أن تعثر السداد أجبر التجار على تعديل أنماط تعاملهم، ما أثر على حركة السوق بشكل عام، وأضعف دورة السوق التي تعتمد على هذه العمليات. ويشير ذلك إلى أن الأزمة لم تعد محصورة في طرف واحد، بل أصبحت تطال كامل المنظومة الاقتصادية المرتبطة بالثروة الحيوانية.
تُعزى أسباب ارتفاع أسعار الأعلاف، وفق التفسيرات الرسمية، إلى الظروف المناخية غير المستقرة وتراجع الغطاء النباتي في المراعي. كما تُبرر الضرائب المفروضة على الأعلاف المستوردة بمحاولة دعم المنتج المحلي، باعتبار أن الأعلاف المستوردة أقل تكلفة، في تنصلٍ صريح من تحمل أي مسؤولية. يقابله إصرار على وجود تنسيق لتأمين الأدوية البيطرية اللازمة، والعمل على توفير الأعلاف عبر المنظمات، إضافة إلى إجراء إحصاء للثروة الحيوانية تمهيداً لتقديم دعم بأسعار منافسة.
إلا أن هذه الإجراءات، حتى الآن، لا تبدو كافية لاحتواء الأزمة، في ظل اتساع الفجوة بين تكاليف الإنتاج وأسعار البيع، واستمرار الضغوط على المربين دون حلول ملموسة على الأرض.
- ركود رغم الوفرة: أسواق المواشي في الرقة بلا مشترين
- وفاة سوري داخل مديرية النقل بحلب تثير جدلا واسعا في سوريا
- الناتو بلا أميركا.. أنقرة تدعو لـ “إعادة ضبط” علاقة الحلف بواشنطن
- الاتحاد الأوروبي يدعو لتشكيل تحالف دولي للأمن البحري
- العراق يوسع عملياته لتأمين الشريط الحدودي مع سوريا
تابع المقالة ركود رغم الوفرة: أسواق المواشي في الرقة بلا مشترين على الحل نت.





