رحل أحمد قعبور… ولم يرحل صوته
رحل صاحب الثلاثية الخالدة: “يا نبض الضفة”، “أناديكم”، و“ويا رايح صوب بلادي”، رحل أحمد قعبور… ولم يرحل صوته.
برحيله، لا نفقد فناناً فحسب، بل نفقد أحد الأصوات الثقافية التي أسهمت في صياغة الوعي الوطني العربي، وفي إعادة تعريف وظي
فلها تعقيداً وقسوة. لم تكن أغانيه انعكاساً عاطفياً للألم فحسب، بل كانت خطاباً ثقافياً وسياسياً واعياً، يسهم في تعبئة الوجدان الجمعي، ويعيد إنتاج الرواية الوطنية في مواجهة محاولات الطمس والتشويه. لقد غنّى لفلسطين لا كرمزٍ مجرد، بل كقضية تحرر وطني، وكجزء من معركة أوسع ضد منظومات الاستغلال والهيمنة.
في تجربته، تلاقت الكلمة الملتزمة مع اللحن البسيط لتشكّلا معاً نموذجاً لما يمكن أن يكون عليه “الفن المقاوم”: فنٌّ ينحاز للإنسان، يعبّر عن معاناته، ويحفّزه على الفعل، دون أن يقع في فخ الشعاراتية الفارغة. لذلك لم تكن أعماله ترفاً ثقافياً، بل كانت جزءاً من البنية المعنوية للصمود، تسند الناس في لحظات الانكسار، وتمنحهم القدرة على الاستمرار.
لم يكن قعبور محايداً، ولم يدّعِ الحياد يوماً. اختار موقعه بوضوح إلى جانب الفقراء والمقهورين، وإلى جانب الشعب الفلسطيني في نضاله من أجل الحرية والاستقلال. وفي زمنٍ تراجعت فيه مكانة الثقافة الملتزمة أمام سطوة السوق ومنطق الاستهلاك، ظل وفياً لدوره، مدركاً أن المعركة على الوعي لا تقل أهمية عن المعركة على الأرض.
رحيله اليوم يفتح سؤالاً كبيراً حول موقع الثقافة في مشروع التحرر الوطني: كيف يمكن استعادة الدور التنويري للفن؟ وكيف يمكن بناء خطاب ثقافي مقاوم، قادر على مواجهة الرواية المعادية، وعلى حماية الذاكرة الجمعية من التآكل؟ إن استحضار تجربة قعبور ليس مجرد وفاء لذكراه، بل هو استدعاء لضرورة إعادة الاعتبار للثقافة كجبهة أساسية من جبهات
في صوته معنى للانتماء… أصدق مشاعر العزاء والمواساة.
أما أنت يا أحمد قعبور، فلك ما يليق بك:
ذاكرةٌ تقاوم النسيان،
وأغنيةٌ تنحاز للحرية،
ومجدٌ يليق بمن جعل من الفن فعلاً من أفعال الكفاح والمقاومة. 27- 3-2026




