ترى القاصة والروائية العراقية رغد السهيل أن لكل مجال أدبي تقاليده الخاصة في الكتابة. ولكن الأهم هو إبداع عمل قادر على فرض نفسه، تاركا أثرا من الصعب أن يمحى.
والسهيل التي عالجت في أعمالها عددا من القضايا الإنسانية حاصلة على دكتوراه في تخصص علم الأحياء الدقيقة، أصدرت خلال مسيرتها عددا من المجموعات القصصية من بينها "بانت سعاد" و"سايكو بغداد"، أما في المجال الروائي فقد أصدرت "أحببت حمارا" و"منازل ح 17" و"محنة كورو"، الرواية التي حصلت على جائزة الإبداع العراقي من وزارة الثقافة لعام 2023. هنا حوار "المجلة" معها.
تحتل عوالم المرأة وقضاياها حيزا كبيرا في كتاباتك، هل يمكن بالفعل الحديث عن هموم وقضايا تخص المرأة وأخرى تخص الرجل في عالم يتشارك فيه الجميع الهموم والأزمات؟
لا أعتقد هناك قضايا تخص المرأة وأخرى تخص الرجل، القضية هي مجتمع متكامل يتحمل مسؤوليته الطرفان، وأي مشكلة تواجه أي طرف سوف تنعكس نتائجها على الآخر، الهموم واحدة في جذورها لكنها متفرعة في تأثيراتها، ويجب علينا كنساء التعاون ومشاركة الرجال في حل جميع القضايا سواء الاجتماعية أو حتى السياسية وكل ما يخص المجتمع عموما، وهذا ما تدعو له الفلسفة النسوية التي أؤمن بها، ولن يكون هذا إن لم يصغ أحدنا الى الآخر ويتفهم احتياجاته ومعاناته.
جوهر المشكلة هي في عدم الاصغاء أو تفهم الآخر لأسباب ربما تتعلق أصلا بغياب الصوت النسوي الجريء الذي يضع الإصبع على موضع الجرح بسبب الخوف أو ضعف الثقة بالنفس أو انعدام الوسيلة، وربما لأن الآخر نفسه لا يريد أن يسمع. هنا لا بد من رفع الصوت ليسمع ونقول له نحن معا وقضايانا مشتركة. أعتقد أن مشاكل النساء هي انعكاس لمشاكل أخرى يواجهها الرجال بشكل مختلف، فالمجتمعات لا يمكن ان تتقدم ما لم يعمل الطرفان معا على قدم المساواة لبنائه.
القصة والرواية
منذ مجموعتك القصصية الأولى، "ضحكة الخاتون"، في 2011، كيف تطورت نظرتك الى فن القصة القصيرة؟
بالتأكيد مع الممارسة استوعبت كيف تكون القصة أكثر تكثيفا فتعتمد الإيجاز والتقنية. وهذه مسألة مهمة للغاية في هذا النوع من السرد، كما أن المضمون يحدد الشكل العام للقصة، وأعتقد أنني تعلمت كشف الثغرات في القصة التي أكتبها ومواقع الضعف لأعمل على معالجتها بصورة أدق، فالكاتب هو الناقد الأول لعمله. دائما يدور السؤال في ذهني قبل كتابة أي قصة: ما الهدف منها وما الذي أريد قوله؟ وعليه، أحدد المسار الملائم لها.
الهموم واحدة لكنها متفرعة في تأثيراتها، ويجب علينا كنساء التعاون ومشاركة الرجال في حل جميع القضايا
أحيانا خلال الكتابة أجدني أنقاد لمسارات لم أخطط لها أساسا، وهنا إما أن أحذفها وأجعلها مشروعا لقصة أخرى أو أبقيها إن كانت تخدم القضية الجوهرية في القصة. ومع ممارستي لهذا الفن، أعتقد أن كتابة القصة صارت أسهل عليّ من السابق رغم أني أعيد الكتابة عادة أكثر من مرة حتى أقتنع بالشكل الأخير. ربما للقراءة المتواصلة دور هنا. عموما أرى أن القصة أشبه بنبتة صغيرة أو وردة يجب أن تحمل كل الجمال الخارجي وتنثر عطرها الخفي في الوقت نفسه. والأمر يختلف تماما مع الرواية.
إصداراتك القصصية أكثر من الروائية، هل تشعرين أن القصة القصيرة أقدر على التعبير عما تريدين قوله؟
القضية ليست بهذه الصورة تحديدا، إنما أنا أساسا بدأت مشروعي بالسرد القصصي، وأجد متعة كبيرة في كتابة القصة، ذلك أنها تمنحني الشعور بالبهجة والفرح بالانجاز، فالقصة فيها نوع من الجمال الفني الظاهر والمباشر في مساحة محددة وفكرة مكثفة للغاية، كأنك ترين لوحة جميلة تكشف عن لحظة حياتية معينة، بينما الرواية عبارة عن لوحات تكشف الحياة كاملة، وأعتقد أننا في عصرنا هذا، حيث الوقت يضيق والحياة تأخذنا بمشاغلها وهمومها، نحتاج إلى جرعة مركزة مكثفة سريعة من السرد تضيء لنا الدرب. الرواية الجادة هي عمل ضخم وكبير يتطلب الكثير من الصبر، فهو في طبيعته متفرع، وعلى الروائي العمل على تفكيك جميع تفرعاته، ليوضح لنا كيف ترتبط كلها بجذر واحد، وطبيعي أن تكون المعاناة في كتابتها أكبر، حيث تعيش الشخصيات مع الروائي زمنا طويلا وقد يتأثر بها وربما تترك أثرها عليه حتى بعد الانتهاء من العمل.

لم أكتب الرواية إلا حين شعرت أن الموضوع يتطلب هذا، فأول رواية لي كانت "أحببت حمارا"، حينها كنت أفكر هل من الممكن أن أجمع غالبية المشاكل التي تعاني منها المرأة العراقية خصوصا والعربية عموما في عمل واحد. الفكرة أساسها بدت صعبة لأن الرواية قد تطرح مشكلة واحدة أو اثنتين، لكني بدأت بالتجربة ووجدت أن العمل هو الذي يسير بنفسه، وحين كتبت رواية "منازل ح 17" كانت الشخصية تعيش في خيالي وهي قرة العين القزوينية، وفكرت كيف يمكن استغلالها لطرح الآراء المتناقضة عن قضايا المرأة في الفقه الإسلامي. وبالطبع هذا مشروع رواية لا يصلح لقصة. أما "محنة كورو" فكتبتها لغاية توثيق مرحلة وباء كوفيد19 في العراق، وجعلت السارد هو الفيروس نفسه في محاولة لنقل وجهة نظر غير مآلوفة عن علاقة الانسان مع بيئته ومن هو المخرب الحقيقي.
الناس لا تحب الأعمال التي تذكّرها بمعاناتها الوجودية مع الحياة
نحن في حاجة الى رؤية جديدة للعالم تكون شاملة، تربط مشكلات العصر المصيرية بعضها ببعض، فليس الوباء وحده ما يهدد مصير البشر بل هناك قضايا مثل التلوث البيئي والتغير المناخي التي لا يعيرها أحد أدنى أهتمام، وقضايا أخرى لا مجال لذكرها وكلها صنيعة الانسان وقد أشرت الى بعضها في تلك الرواية.
هل انخرطت في كتابة الرواية انطلاقا من رواجها اليوم في العالم العربي، أم شعرت بحاجة أصيلة إلى خوض غمارها؟
لم أكتب الرواية إلا لأن الموضوع يتطلب هذا، أما قضية الرواج في العالم العربي فلا أؤمن بها بتاتا. هذه فكرة تجارية للاستهلاك وعادة يكون هذا مؤقتا. العمل الجيد في النهاية مهما كان شكله ونوعه سيفرض وجوده وهو الباقي. لذا كل جهدي ينصب على إنجاز النوع لا العدد ،وستجدين في كل منجز لي جديدا، ويستهويني التفكير خارج الصندوق كما يقال سواء بالموضوع أو الشكل حتى لو سرت عكس التيار. أجد متعة حقيقية في خوض غمار التجريب سواء في القصة أو الرواية، وأنا واثقة من أن الزمن قادر على تصفية الغث من السمين، المهم أن يستمتع الكاتب في عمله ويخلص له.

أزمة كوفيد 19
استفدت من تخصصك في علم الأحياء لكتابة روايتك "محنة كورو" التي تتمحور حول أزمة كوفيد 19، لكن الملاحظ أن الناس لا يحبون المنتجات الأدبية أو الفنية المرتبطة بتلك الفترة، ما السبب في رأيك؟
تذكرينني بقول أحد الأصدقاء لي: أخاف ان أقرأ روايتك "محنة كورو"، فما زلت أرتعب من هذا الفيروس. وهو قد عانى كثيرا من الإصابة به، وتسبب له ببعض المضاعفات الصحية التي يشكو منها حتى الآن، لذا أعتقد أن الناس لا تحب الأعمال التي تذكّرها بمعاناتها الوجودية مع الحياة والتهديد بالموت. لكن في تلك الفترة أثناء الوباء، كان الجميع يفتش عن رواية "الطاعون" لكامو كأنهم أرادوا الاستفادة من تلك التجربة لمعرفة كيفية مواجهة الوباء، وصاروا يفتشون عن تواريخ الأوبئة. لكن عموما الإنسان لا يحب ما يذكّره بمصيره الحتمي حيث الموت والمرض والشيخوخة. هذه قضايا يؤمن بها الجميع ولا يتوقع أحد أنها ستحصل لنا، هذه طبيعة البشر.
في مجموعتك الأخيرة، "سمفونية المدن المرئية"، اخترت أماكن عدة من العالم مسرحا لأحداث القصص، ما الذي تريدين إيصاله من خلال تنوع الأماكن وجعلها تشارك غيرها البطولة؟
في هذه المجموعة حاولت تجربة كتابة أدب الرحلات على شكل القصة، نحن نعرف أن هذا النوع من الأدب عادة يكون من طريق السرد المباشر عن الأماكن وأهلها، وهذا قد ننساه بعد قراءته بفترة وجيزة، لكن كتابتها على شكل قصة قد تترك أثرا في ذهن القارئ ولن ينسى المعلومة ما دام هناك حدث مشوق في مكان ما في العالم له وضعه الجغرافي والاجتماعي والتاريخي والأسطوري. قد تجعل القصة المعلومة ثابتة في ذهن القارئ، هي تجربة مختلفة وجديدة علي، لهذا كتبت هذه المجموعة بشكل مختلف.. شخصيا أحب التجريب كثيرا في كل كتاباتي، استمتع بطرق العوالم الجديدة وصناعة الجمال، الأمر هو تحد مع نفسي.
العراق ونهاية النفق
عبرت أكثر من مرة عن مدى انهماكك بقضايا بلدك العراق، هل ترين ضوءا في نهاية النفق؟
هذا السؤال الصعب الذي لا أعرف إجابته حقا. أجد هناك ضوء للقمر ينير سماء بغداد وينعكس فوق دجلة الجواهري، لكني لا أعرف ماذا في النفق؟ بغداد على مدى التاريخ تتعرض الى كوارث وكبوات وتعود لتنهض كالعنقاء.
الكتابة صارت مهددة بالاستسهال البالغ والزيف وضعف الخلفية الثقافية والرؤية
يقال إن أبا جعفر المنصور حين بناها رص القطن على خريطتها ثم سكب النفط فوقه وأحرقها وقال الآن ابنوا بغداد، يبدو أن هذا قدرها. مع هذا، فثورة تشرين وما رأيته فيها يمنحني بصيصا من الأمل، فلا يزال لدينا الشباب الواعي الذي يضع الانتماء الى الوطن في الدرجة الأولى، وما أصعب العيش لولا فسحة الأمل.
هل ترين أن الكتابة السردية اليوم قادرة على الوصول إلى الشباب، أم أن الأدب عموما صار عاجزا عن مخاطبة الواقع الراهن؟
نحن في عصر الذكاء الاصطناعي، المعلومات متاحة على الشبكة العنكبوتية، في حين كنا في السابق نتعب كثيرا لنحصل على المعلومات، كل شيء يتغير حتى الكتابة نفسها صارت مهددة بالاستسهال البالغ والزيف وضعف الخلفية الثقافية والرؤية. وأرى الشباب منهمكا بقضايا تخص التكنولوجيا وتعلم هذه التقنيات، وهذا أمر جيد للغاية. فمخاطبة الواقع صار من حلالها، ومواكبة العصر الذي نحن فيه أمر مطلوب، لكن في الجانب الآخر الكتابة هي الفنون التي سيظل لها محبوها وروادها، فمع كل التغيرات التي حصلت في الحياة على مدى التاريخ لا أعتقد أن هناك فنا قد انقرض، كلها لا تزال حية وتتنفس وتتقدم، ربما التقنيات هي التي تتغير لتنسجم مع عصرها، وهذه طبيعة الحياة فهي لا تتوقف عن التغير.








