رابِحو الخسارة

تعاظم الخلافات في العالم بشأن مدى احترام المبادئ العامة والقوانين الأساسية التي بنيت عليها فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية ثم حقبة الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، وما يطوف في مدارهما من دول ناشئة أو قائمة، هو بحد ذاته مؤشر ودليل واضح عن كون تلك الحقبة قد ولت وانتهت عمليا بتوقيع نهاية الحرب الباردة وانهيار جدار برلين سنة 1989، غير أن تبعات ذلك، صارت بحجم تدحرج كرة الثلج على منحدر، كلما زادت المسافة الزمنية، كلما زاد التراكم الثلجي زادت سرعة التدحرج نحو نهاية غير محسومة، لكنها بالتأكيد ستكون أكثر عمقا.
لم يعد العالم اليوم يخاف من المستقبل فحسب، بل يخشى حتى من تطور الحاضر، ويفضل أحيانا النظر إلى الخلف في شكل حنين إلى الماضي.
كثير من الدول قد تزول في المستقبل المنظور، إن لم يكن جغرافيًّا، فعلى الأقل قوة ومكانة، وقد تتراجع أخرى إلى مراتب أقل، ضمن السلّم القيمي في سوق الاقتصاد العالمي لما بعد الحرب العالمية الثانية.
الملاحظة الكبرى، أن الغرب وأوروبا بالأساس، باعتبارها مركز الحاضرة الرأسمالية المعاصرة، كانت هي مصدر حربين عالميتين، لم يشهد لهما العالم مثيلا، إلا ما عرفه التاريخ القديم والمتوسط من حروب بين الإمبراطوريات الكبرى أو حروب الاستعمار من حروب الفارسية البابلية الإغريقية الرومانية ثم اليابانية الصينية، التي يمكن اعتبارها حروبا عالمية، كونها كانت تمس وتشمل تقريبا نصف الكرة الأرضية آنذاك. لهذا، ليس من المستغرب أن يكون هذا الغرب الجديد، سببا في إنهاء وجوده بنفسه أو في أحسن الأحوال، إضعاف الذات بسبب تغوُّل المنافسة على الربح: ربح النفوذ أو الإبقاء عليه والتوسُّع والهيمنة والمغالبة على النحو الذي عرفاه خلال عهود ما قبل الرأسمالية حتى: حروب الاستنزاف والتدمير وتسوية المدن بالأرض، حتى إن عبارة: “بُنيت حضارة على أنقاض حضارة”، في الأدبيات التاريخية العربية، كانت تشير إلى هذه الصيغة في التدمير الشامل وبناء مدن بأكملها على أنقاض مدن أحرِقت ونُهبت وسُوِّيت مبانيها بالأرض، علامة نصر وظفر وغلبة انتقام الناقم.
بعد الحرب العالمية الثانية، كدنا نقول إن العصر الجديد، قد استخلص تجربة من الماضي ومن حروب أتت على الأخضر واليابس وعلى الناس والحيوان والطبيعة، خاصة بعد تجريب أول قنبلتين ذريتين أسقطتا على مدينتي هيروشيما وناغازاكي، فسُوِّيتا بالأرض وانتهت اليابان كإمبراطورية شرقية منافِسة، بقيت تحتل الصين لحقب.
الحرب النووية الأولى ما كان أحدٌ يتخيل أنها قد تحدث، وعندما حدثت، لا أحد كان يتوقع بعدها أن تحدث تجربة أخرى بحجم تلك الفظاعة.
أما اليوم، وبعدما حدث وما يحدث من تهديدات ووعيد وإصرار بعض القوى على نزع السلاح النووي وحتى غير النووي أحيانا عن بعض القوى التي تراها مناوئة ومعادية وحتى منافسة، بات المطلب النووي يراود الكثير من هذه الدول والقوى الإقليمية، باعتباره أداة ردع: ردع، لا أحد يضمن عدم استعماله عند الحاجة دفاعا عن الوجود.
هو ذا لبُّ كل الصراعات الحالية، لاسيما في الشرق الأوسط، وإذا علمنا السبب، لا نختلف عن العجب: فدولة الكيان التي تنتهج ما يسمى سياسة “الغموض النووي”، مع أن الكل يعرف أنها تملك العشرات من الرؤوس النووية، تعمل على البقاء كيانا نوويا رادعا بالمنطقة، وترفض أن تكون أي قوة أو دولة إقليمية تنافسها في ذلك.
الصراع من أجل البقاء، صار للأسف صراعا تدميريا ضد الآخر، حتى إننا ندفع باتجاه مغامرات الفائز فيها سيكون هو الخاسر.
شاهد المحتوى كاملا على الشروق أونلاين
The post رابِحو الخسارة appeared first on الشروق أونلاين.



