ورش مدونة الأسرة.. هل تخرجه الحكومة قبل نهاية ولاية البرلمان؟
قبيل أشهر من نهاية الولاية التشريعية الحالية، يعود ورش إصلاح مدونة الأسرة إلى واجهة النقاش العمومي في المغرب، وسط تساؤلات متزايدة حول ما إذا كانت الحكومة ستتمكن من إخراج هذا الإصلاح قبل الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، أم أن تعقيدات التوافقات السياسية والمؤسساتية ستدفع نحو تأجيله.
تصريحات الفاعلين السياسيين والحقوقيين تكشف عن تباين واضح في التقدير، ليس فقط بشأن توقيت إخراج المدونة، بل أيضاً حول مضمونها ومنهجية اعتمادها، وهو ما يعكس حساسية هذا الورش الذي يتقاطع فيه الديني بالحقوقي والسياسي بالمجتمعي.
في هذا السياق، يؤكد عبد الله بووانو، رئيس المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، أن مسار إصلاح مدونة الأسرة يظل، في نهاية المطاف، مرتبطاً بالمؤسسة الملكية، مبرزاً أن الملك لم يحدد سقفاً زمنياً لإخراجها، وأن “الموضوع بيد الملك، هو من يعرف ماذا يجب أن يصحح فيها وماذا يجب عدم تصحيحه”.
ويضيف في تصريح مقتضب لجريدة “مدار21” الإلكترونية، أن الأحزاب السياسية، رغم تقديمها لوجهات نظرها، تدرك أن القرار النهائي يعود إلى أمير المؤمنين، في إشارة إلى الطبيعة الخاصة لهذا الورش الذي يتجاوز الحسابات السياسية الضيقة.
هذا المعطى يطرح، وفق متتبعين، إشكالية الزمن السياسي مقابل الزمن المؤسساتي، حيث تبدو الحكومة، من جهة، مطالبة بتفعيل التزاماتها الإصلاحية، ومن جهة أخرى، محكومة بإيقاع مؤسسة إمارة المؤمنين التي تؤطر القضايا ذات الصلة بالمرجعية الدينية.
في المقابل، تقدم نزهة الصقلي، وزيرة التضامن والأسرة والتنمية الاجتماعية السابقة، قراءة مغايرة تركز على السياق السياسي المحيط بالورش، معتبرة أن ما يُروج حالياً هو وجود توجه نحو عدم تمرير المدونة في “جو من التطاحن الانتخابي”، مؤكدة أن حقوق النساء لا ينبغي أن تخضع للصراع الحزبي، بل يجب أن تؤطر بروح التوافق بالنظر إلى رهاناتها العميقة المرتبطة بحقوق الإنسان وحقوق الطفل والمساواة والتنمية.
وتشير الصقلي في تصريح لجريدة “مدار21” الإلكترونية، إلى أن المعطيات المتداولة تفيد بإمكانية تأجيل الملف إلى ما بعد الانتخابات، غير أنها تستدرك بالقول إن نقاشاً دار خلال ندوة نظمتها وزارة العدل أشار إلى احتمال تمرير المدونة قبل الاستحقاقات المقبلة، ما يعكس حالة من عدم اليقين بخصوص السيناريو النهائي.
غير أن جوهر التخوف، حسب المتحدثة، لا يرتبط فقط بالتوقيت، بل أيضاً بكيفية تمرير النص، إذ تحذر من أن اعتماد مسطرة “عادية” قد يحول المدونة إلى موضوع صراع سياسي، في حين أن أي “هندسة” بديلة للملف لا تزال غير واضحة المعالم إلى حدود الساعة.
وفي تقييمها لمآل الإصلاح، تذهب الصقلي إلى حد التشكيك في جدوى تمرير المدونة إذا ظلت في حدود ما تم التوصل إليه بعد استشارة المجلس العلمي الأعلى، معتبرة أن ذلك “سيشكل تراجعاً”، بل وتصرح بشكل صريح: “إذا كان سيتم تمرير المدونة بالحد الذي وقفنا فيه… فبلاش”.
وتفصل الوزيرة السابقة في انتقاداتها لمخرجات المجلس العلمي الأعلى، معتبرة أنها “لا تحل المشاكل”، مستحضرة عدداً من القضايا المثيرة للجدل، من بينها رفض اللجوء إلى الخبرة الجينية (ADN) لإثبات نسب الأطفال خارج الزواج، واعتبار تحميل الأب البيولوجي المسؤولية الجنائية دون الاعتراف بالطفل حلاً غير كافٍ، إضافة إلى إشكاليات عقد الخطوبة وإمكانية الاكتفاء به بدل عقد الزواج.
كما تعبر عن رفضها لمقترح الطلاق التوافقي خارج إشراف القضاء، معتبرة أنه يشكل تراجعاً عن مكتسبات سابقة كانت تهدف إلى ضمان حقوق النساء، خاصة في حالات الهشاشة أو العنف، حيث قد تجد المرأة نفسها مضطرة للتنازل عن حقوقها تحت الضغط.
ورغم هذا النقد، تؤكد الصقلي تشبثها بما تعتبره “الرؤية التقدمية” التي عبر عنها محمد السادس منذ توليه العرش، مشيرة إلى أن المنهجية التي اعتمدت طيلة أربع سنوات من الاشتغال على إصلاح المدونة كانت توحي بإمكانية تحقيق إصلاحات متقدمة، خصوصاً في ضوء التوجيهات الملكية الداعية إلى ملاءمة النص مع الدستور، ولا سيما الفصل 19 المتعلق بالمساواة، ومع الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب، من بينها اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة واتفاقية حقوق الطفل.
وتلفت المتحدثة إلى أن التوصية الصادرة عن الديوان الملكي، والتي دعت المجلس العلمي الأعلى إلى إحداث هيئة لتعميق فهم تحولات المجتمع واقتراح حلول متجددة، تعزز الأمل في تجاوز الصيغ الحالية التي وصفتها بغير الكافية، معتبرة أن بعض الأجوبة الصادرة عن المجلس لا تنسجم مع الرؤية الملكية نفسها.
وبين من يربط إخراج المدونة بإرادة المؤسسة الملكية وتقديرها للتوقيت المناسب، ومن يدعو إلى تأجيلها تفادياً لتسييسها أو يرفض تمريرها بصيغتها الحالية، يبدو أن ورش مدونة الأسرة يقف عند مفترق طرق حاسم، حيث يتداخل سؤال الزمن بسؤال المضمون، وتتقاطع رهانات الاستقرار المؤسساتي مع مطالب التحديث الحقوقي.
وفي انتظار الحسم، يبقى السيناريو الأكثر ترجيحاً، وفق المؤشرات الحالية، هو استمرار حالة الترقب، إلى أن تتبلور “هندسة” سياسية ومؤسساتية قادرة على تمرير إصلاح يحظى بالحد الأدنى من التوافق، دون أن يفقد طموحه في تحقيق نقلة نوعية في مسار حقوق النساء والأطفال داخل المجتمع المغربي.
ظهرت المقالة ورش مدونة الأسرة.. هل تخرجه الحكومة قبل نهاية ولاية البرلمان؟ أولاً على مدار21.




