«وكذلكَ يجتبيك ربُّك»
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
محمد ناصر العطوان عزيزي القارئ، أسال الله لك العافية... لقد أفسدت ثقافتنا الاستهلاكية المعاصرة فهمنا لأعمق المصطلحات الروحية والقرآنية... نحن اليوم مبرمجون على أن «الاصطفاء» يُترجم فوراً إلى حياة مخملية خالية من المنغصات؛ سيارة فارهة، رصيد بنكي متضخم، وتصفيق مستمر من الجمهور... اعتقادنا الساذج أن الخالق سبحانه وتعالى إذا أحب عبداً، فُرِشتْ له الأرض بالورود! لكن، لو وضعنا هذا الفهم السطحي جانباً، وتأملنا أروع القصص القرآني في سورة يوسف، وتحديداً عند تلك اللحظة المفصلية التي يقص فيها يوسف رؤياه على أبيه يعقوب، سنُصاب بصدمة وعي حقيقية. يقول يعقوب لابنه، مبشراً ومؤكداً: ﴿وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾. «الاجتباء» يا سادة يعني الاصطفاء والاختيار والانتقاء بعناية فائقة... وليس بناءً على فهمنا القاصر به... ماذا حدث في اليوم التالي؟ بدأت أسوأ سلسلة من الكوارث يمكن أن يتعرّض لها إنسان! خيانة من أقرب الناس (إخوته)، إلقاء في بئر مظلمة وموحشة، ثم الاختطاف والبيع في سوق النخاسة بثمن بخس، ثم العبودية في قصر غريب، لتنتهي هذه الرحلة المأسوية بالسجن لسنوات طوال! هل «الاجتباء»؟ يعني أن يمر صاحبه بطريق مليء بالابتلاءات؟ لكي نجيب عن هذا السؤال علينا أن نغوص في تجلي المعنى الفلسفي لحقيقة الاجتباء... فالقدر لا يختارك لكي يدلك، بل يختارك لكي «يصنعك» ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي﴾. الابتلاء ليس عقاباً للمجتبى، بل هو «منهج تدريبي» مكثف وقاسٍ لكسر كل ما هو زائف فيه. عزيزي القارئ... في البئر، تعلّم يوسف أن لا سندَ له إلا الله بعد أن خذلته رابطة الدم... وفي قصر العزيز، واجه فتنة الشهوة والمال ليتعلم متانة العفة وصرامة المبدأ... أما في السجن المظلم، فخضع لاختبار الصبر المطلق وفهم معادن الرجال. لذلك لم يكن الابتلاء هنا نقيضاً للاجتباء، بل كان «الوجه الآخر» له. كل مصيبة تكون بمثابة ضربة مِطرقة تنحت تمثال الروح، ليكون الإنسان جاهزاً لحمل الأمانة. ونحن نتحدث هنا بعيداً عن مقامات الأنبياء، هذا القانون الإلهي يسري على البشر العاديين أمثالنا وبأشكال متعددة، فاجتباء العزلة، حين تفقد فجأة دائرة أصدقائك، وتجد نفسك وحيداً، وتظن أنك منبوذ. في الحقيقة، الله سبحانه وتعالى يجتبيك لتفرغ قلبك من ضجيج البشر المرجفين، ويهيئك لاستقبال وعي جديد لا ينمو إلا في الهدوء... كذلك اجتباء الفقد والخسارة، فعندما تُسلب منك وظيفة مرموقة، أو مشروع تجاري بنيت عليه أحلامك، أو تُغلق في وجهك أبواب الرزق السهلة. هذا ليس سخطاً، بل هو دفع قسري لك لاكتشاف مساحات عبقرية في ذاتك لم تكن لتكتشفها لو بقيت قابعاً في منطقة «الراحة الخادعة». الاجتباء في حياتنا هو أن تنتزع من سطوع «المألوف والتفاهة»، إلى ظلام «الابتلاء»، لكي تعيد اكتشاف نورك الداخلي. عزيزي القارئ، لعلك تسأل الآن... متى ينتهي هذا التدريب الشاق؟ ينتهي عندما تنضج الروح تماماً، وتصبح عصيّة على الكسر أو الغرور. حينها فقط، وبعد سنوات من الإبتلاء والوصول إلى حالة الاستيئاس تتشابك خيوط القدر العبقرية. تتغيّر الأحوال... يخرج يوسف من السجن، لا ليطالب بتعويض مالي عن سنوات الحبس، ولا لينتقم من إخوته، بل ليقف أمام الملك ويقول بثقة الذي صقلته التجارب ﴿اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾. هذا هو «التمكين»... التمكين ليس أن يأتيك النجاح على طبق من ذهب وأنت فارغ وهش، فلو حدث ذلك لأفسدت وتجبرت... التمكين الحقيقي هو أن تقف على قمة النجاح، وتنظر إلى خزائن الأرض تحت قدميك، وتتذكّر برودة البئر، وذل العبودية وظلمة السجن، وخيانة الأقربين، فتعلم يقيناً أنك لم تصل بذكائك ولا بشطارتك، بل بعناية من اجتباك ورعاك وجعلك ترى البراهين... وابتلاك ليصنعك. يا عزيزي، إذا رأيت الأبواب تُغلق في وجهك، والضربات تتوالى على رأسك وأنت تسعى في طريق الحق والخير، فلا تجزع، ولا تظن أن الله قد نسيك... ربما تكون الآن في قاع «البئر» معنوياً، لكن تذكر دائماً... أن البئر كانت أولى خطوات الاجتباء نحو عرش مصر. وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر... وكل ما لا يُراد به وجه الله... يضمحل.



