وهم التصنيف وحقيقة التباين بين جامعاتنا
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
في رحلة البحث عن المعرفة وتطوير المؤسسات الأكاديمية، تبرز "تصنيفات الجامعات" التي تصدرها وزارة التعليم العالي والبحث العلمي كحدث سنوي يترقبه رؤساء الجامعات. ولكن، خلف بريق الأرقام والترتيبات، تتبادر إلى الذهن تساؤلات جوهرية تفرض نفسها على الساحة الأكاديمية: هل تؤدي هذه التصنيفات غرضها الحقيقي في الارتقاء بمستوى التعليم، أم أنها تحولت إلى مجرد أداة للاستعراض الإعلامي، يبهج بها الأوائل في القائمة ويغرق في ظلها الباقون؟ إن الإشكالية تبدأ من المبدأ ذاته، فالجامعات الحكومية في العراق، بحكم طبيعة نظامها، تدار مركزيًا من قبل الوزارة نفسها، فهي فروع لجامعة واحدة اسمها وزارة التعليم العالي. تضع الوزارة المناهج، وتحدد السياسات، وتُعين الكوادر، وتوزع الميزانيات من قبل الدولة. فكيف لنا أن نبرر وجود هذه الفروقات الشاسعة في التصنيف بين جامعة وأخرى؟ إذا كانت جميع هذه المؤسسات "تنهل من معين مركزي واحد"، فلماذا نجد هذا التباين الذي يوحي بأن بعضها في مصاف الجامعات العالمية، بينما يقبع بعضها الآخر في ذيل القائمة؟ لذا، أقترح أن نستبدل تصنيف الجامعات بـ"تصنيف رؤساء الجامعات"، فالتصنيف الحالي يعاقب المؤسسة ويصمها بالقصور، بينما التقييم الحقيقي يجب أن يوجه لمن يملك سلطة التغيير. إن رئيس الجامعة هو المحرك الذي يمكنه تجاوز سطوة المركزية، وهو الذي يحدد بوصلة الابتكار والتميز في بيئة مؤسسته. إن تقييم أداء القيادات الأكاديمية بناءً على مخرجاتها، وقدرتها على الإنجاز وسط التحديات، سيكون أصدق في التعبير عن التسلسل الفعلي للتقدم، وأكثر إنصافًا في تحديد من يستحق الصدارة ومن يحتاج إلى المساءلة. فالمؤسسات لا ترتقي بقرارات ورقية، بل برؤى قيادية تجعل من التميز خيارًا لا صدفة. هنا، يتحول التساؤل إلى نقد حاد للمنظومة. فهل هذه التصنيفات تعبر فعلًا عن "جودة" أكاديمية ملموسة، أم أنها تعكس قدرة إدارية على تجميع البيانات وتعبئة الاستمارات المطلوبة؟ إن وضع جامعات في مؤخرة التصنيف، وتسميتها علنًا، قد يحمل رسالة سلبية غير مقصودة، حيث يتم تلقين الطلبة والمجتمع بأن هذه الجامعات "أقل جودة"، مما يخلق نفورًا أكاديميًا واجتماعيًا منها، ويضع خريجيها في موقع الدفاع عن شهاداتهم، بينما هم في الحقيقة خريجو مؤسسات وطنية تتبع الهيكل الإداري والتعليمي ذاته. إن الخطر الحقيقي يكمن في تحول التصنيف من "أداة للتقويم والإصلاح" إلى "مقياس للمفاضلة التنافسية" التي لا تعترف بخصوصية كل جامعة وظروفها. إن التساؤل الملح هو: هل تقدم الوزارة الدعم اللازم للجامعات التي تذيلت القائمة لتلحق بركب الصدارة، أم أنها تكتفي بموقعها كـ"حكم" يعلن النتائج دون أن يتدخل لعلاج الخلل؟ إذا كانت هذه التصنيفات لا تؤدي إلى تحسين حقيقي في المختبرات، أو تطوير طرائق التدريس، أو تقليص الفجوة في مخرجات التعليم، فإنها تظل مجرد تمرين رقمي يخدم "الصورة الذهنية" للوزارة، أكثر مما يخدم الطالب أو سوق العمل. فبدلًا من أن نسأل: "من هو الأول ومن هو الأخير؟"، ربما كان الأجدر أن نسأل: "لماذا لم نصل جميعًا إلى معايير الجودة الشاملة في آن واحد؟". التعليم العالي ليس سباقًا للخيل حيث يفوز من يسبق، بل هو بناء وطن، فإذا كانت الجامعات في مؤخرة الترتيب لا تحظى باهتمام إضافي، فإننا بذلك نحكم على أجيال كاملة بالبقاء في الصفوف الخلفية، دون ذنب اقترفوه، سوى أنهم التحقوا بمؤسسات تركتها الوزارة تواجه مصيرها في "قاع التصنيف" دون خطة إنقاذ حقيقية. سؤال للتأمل: في ظل المركزية التي تدار بها الجامعات العراقية، هل ترى أن المسؤولية عن تدني مستوى بعض الجامعات تقع على عاتق إدارات تلك الجامعات، أم هي انعكاس طبيعي لسياسات الوزارة في التخطيط والتوزيع؟





