من جديد يواجه السودان معركة التقسيم، بعد خسارته المعركة الأولى، بانفصال جنوب السودان، اليوم أقاليم الغرب والجنوب الغربي يطرقان على بوابة الخروج بشدة، تجاهل مصير سودانَين أو أكثر مع توفر القرائن نتائجه وخيمة، النزاع على السيادة والشرعية وتمثيل السودانيين من أبرز ملامح الحرب الحالية، وخاصة أن خارطة السيطرة على الأرض تتبدل كل صباح، وفعليا يسيطر "الدعم السريع" على إقليم دارفور عدا مناطق محدودة في الحدود مع دولة تشاد، ويسيطر مع حليفه الحركة الشعبية على أجزاء واسعة من إقليم كردفان شمالا وجنوبا، بينما يبسط الجيش سيطرته على الولايات الشرقية والشمالية ووسط السودان.
وهذا يؤشر بوضوح إلى أن سيادة الجيش أو الحكومة في المركز على أرض السودان منقوصة، وعليه لا ولاية أو سيطرة على المواطنين في تلك المناطق، ثم تطورت الأحداث بطريقة دراماتيكية، وبدلا من جيشين متحاربين على الأرض تحول الصراع إلى نزاع بين حكومتين، واحدة في الخرطوم والأخرى في نيالا في أقصى غرب السودان.
دخلت البلاد في حالة انقسام إداري لا يمكن إنكاره، الأمر الذي عمق المخاوف من انقسام السودان من جديد إلى دولتين وفي الواقع تعدى الأمر حد المخاوف عندما باتت جهات تطرح تقسيم السودان جهرا كأحد حلول الأزمة القائمة.
استغلال التاريخ
"قوات الدعم السريع" بمكونها العسكري وشقها المدني استثمروا في تاريخ التهميش الاقتصادي والسياسي الذي عاشته المناطق التي يسيطرون عليها، ومن سخرية الأقدار أن هذه القوات تأسست في الأصل- أي "الدعم السريع"- لقمع وإخماد الحركات التي تمردت على حكومة الرئيس المخلوع عمر البشير بسبب التهميش، وتحولَ انتزاع الحقوق السياسية والاقتصادية مكونا أساسيا من خطاب الحرب، وعن طريق هذا الخطاب استطاع أن يحشد كثيرين عسكريين ومدنيين وزعماء قبائل.
بدلا من جيشين متحاربين تحول الصراع إلى نزاع بين حكومتين، واحدة في الخرطوم والأخرى في نيالا في أقصى غرب السودان، حتى باتت جهات تطرح تقسيم السودان جهرا كأحد حلول الأزمة القائمة
حدثان رئيسان عمقا من خطاب انتزاع الحقوق السياسية والاقتصادية، وهما تحالف "الدعم السريع"، و"الحركة الشعبية- جناح القائد عبد العزيز الحلو"، وهي حركة مسلحة تقاتل لأجل رفع التهميش عن الشعوب في جبال النوبة، ولها ما يزيد على العقدين في هذا الطريق، والتحالف مع "الحركة الشعبية" وفّرا لـ"الدعم السريع" خطابا مطلبيا له جذور تاريخية لا يستطيع تبنيه منفردا لجهة أنه من رحم الجيش وصنيعة النظام القديم، ولم يهتم يوما بقضية الهامش، بل وكان البيدق الذي تقمع به الحركات المطلبية.
والحدث الثاني تأسيس سلطة حاكمة في مناطق "الدعم السريع"، والتي تعرف بحكومة "تأسيس"، وهي حكومة ذات مؤسسات وهياكل ووزارات موازية للحكومة في المركز، بغض النظر عن مدى توفيقها في إدارة شؤون المواطنين في مناطقها.
وحكومة "تأسيس" مثلت مظهر انفصال إداري شديد الوضوح، أو من زاوية أخرى تعد تأسيس لبنة الانفصال الأولى، حال تطاولت الحرب أكثر مع الوضع في الاعتبار أن تطاولها سيناريو متوقع بقوة وفقا لمجريات الأحداث.

نهاية مرحلة "السائس والحصان"
قيادات في حكومة "تأسيس" وناشطون داعمون لـ"الدعم السريع" و"الحركة الشعبية" طرحنا عليهم سؤالا محوريا إن كانوا يؤيدون تقسيم السودان أو بقاءه سوداناً واحدا في حدود جغرافيته الحالية، قالوا جميعا إنهم مؤيدون لوحدة السودان ولكن هذا التأييد مشروط، وأول هذه الشروط أن لا يَحكم البلادَ بعد الحرب بالطريقة القديمة مركزٌ مسيطرٌ تُجبى إليه ثمرات البلاد، في مقابل أقاليم مهمشة ترفل في الفقر والعوز بلا تنمية، وأن لا تتحكم في مصير البلاد فئةٌ ونخبة محدودة من جهات محددة، تتوارث السلطة والمال، فيما الآخرون تُبَّع يحصلون على الفتات.
أحد الذين تحدثوا إلينا ولم يأذن بذكر اسمه قال: "يجب أن تنتهي سياسة السائس والحصان" حتى ندعم وحدة السودان، وفي حال لم تكن للنخب المتحكمة رغبة في تغيير أساليب الحكم، يفضل كثير من أبناء دارفور ومناطق جبال النوبة أن يحكموا أنفسهم بأنفسهم بدلا عن المركز المتسلط منذ ما يقارب مئة عام بحسب ما ذكروا، وطرحت أفكار عديدة لأسلوب الحكم الجديد، ومن بينها اللامركزية وفق ولايات تحكم نفسها وتستفيد من مواردها، قبل أن يبتلعها مركز السلطة في الخرطوم، كما ظل يحدث طوال عمر السودان.
لا خلاف أن حرب 15 أبريل/نيسان 2023 التي اندلعت بين الجيش السوداني و"قوات الدعم السريع" خلقت واقعا جديدا لا فكاك منه، وكما أشار محدِّثي أنه من المستحيل أن تعود الأوضاع كما كانت عليه، وإن كان ثمن رفض العودة لنموذج الحكم القديم ثمنه الانفصال وتقسيم البلاد، وهذا الواقع ناتج عن طبيعة الحرب نفسها، إذ تعد حرب 15 أبريل الأكثر اتساعا في تاريخ الحروب السودانية، فضلا عن أنها اندلعت من المركز لا من الهامش كسابقاتها، والأهم من ذلك تعد بندقية "قوات الدعم السريع" أقوى وأطول بندقية خرجت على سلطة الجيش منذ تأسيس الدولة السودانية.
أين القوى السياسية من شبح التقسيم؟
جرف تيار الاستقطاب قوى سياسية وازنة للاصطفاف مع الحرب، وأجبرها على الوقوف مع الجيش أو "قوات الدعم السريع"، وفي حالات عديدة احتار سياسيون وناشطون في المجتمع المدني بين دعم الجيش ومن خلفه الإسلاميون، أو "الدعم السريع" وحكومة "تأسيس"، وهؤلاء السياسيون عبر تبني خطاب الحرب هم أقرب إلى تعميق فكرة تقسيم السودان منه إلى العمل لتجنيب السودان نذر انفصال جديد، وخاصة إن فشل الحلفاء العسكريون في تحقيق النصر الساحق الذي يبشرون به داعميهم من السياسيين.
أما المجموعات التي رفضت الحرب وتعرف بجماعة "لا للحرب"، وأبرزها "التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة" (صمود)، وتحالفات سياسية أخرى، تأثيرها على مشهد الحرب لا يزال محدودا.

مثّلت حكومة "تأسيس" مظهر انفصال إداري بل تعد لبنة الانفصال الأولى إن طالت الحرب، وقد أكّد داعموها أن تأييدهم لوحدة السودان مشروط بأن لا يحكم بعد الحرب مركزٌ تجبى إليه ثمرات البلاد، وأقاليم مهمشة
وعلى الرغم من توجه المجموعات السياسية الرافضة للحرب مع وحدة السودان، فإنها ستعجز عن تجنيب السودان الانقسام، ومن المهم الإشارة إلى الانقسام الذي وقع بين القوى السياسية الرافضة للحرب عندما كانت تعرف بمجموعة "تقدم" في يناير/كانون الثاني 2025 وعرف بِـفَكِّ الارتباط، ونجم عن هذا الانشقاق تكوين حكومة "تأسيس"، وإلى حد كبير ساهم الانشقاق في اصطفاف جهوي، إذ ذهبت غالب المجموعات الدارفورية إلى جانب "الدعم السريع" وحكومة "تأسيس"، بينما كونت المجموعات الأخرى تحالف "صمود".
ومن بين المبررات التي قالتها جماعة "تأسيس"، حتى ينحازوا لـ"الدعم السريع"، ويشكلوا حكومة تحت سلطته، أن المواطن في دارفور وأجزاء واسعة من كردفان حُرِمَ من قبل حكومة الجيش من حقوقه الأساسية في الحصول على الأوراق الثبوتية والتعليم، وتم تصنيفه حاضنا لـ"الدعم السريع" واستُهدِفَ بالطائرات والمسيّرات، دون المواطن في مناطق يسيطر عليها الجيش في الوسط والشمال.
انقسام القوى السياسية على هذا النحو يسهم مباشرة في في زيادة الاحتقان السياسي والاجتماعي المفضي للانفصال ومؤشر ينذر بأن الانقسام أمر غير مستبعد.
حوار المصالحة ومخاوف الانقسام
الفريق أول عبد الفتاح البرهان قائد الجيش، في خطابه بمناسبة أعياد الجيش في منتصف أغسطس/آب 2026، أطلق مبادرة للمصالحة والحوار السوداني-السوداني، والملاحظة الأولى على دعوة البرهان أن مبادرة البرهان للصلح لم تشمل الأعداء الذين يحاربهم في الميدان، ولا ذراعهم السياسية "تأسيس"، وأكثر من ذلك وصفهم بالمتمردين ووعد بالقضاء عليهم، وبمعنى آخر تنحصر مبادرة البرهان على الذين يقاتلون إلى جانبه ويؤيدون فكرة بقائه في السلطة السياسية مع حفاظه على القيادة العسكرية إلى جانب القوى السياسية الرافضة للحرب.

وحال تكتلت المجموعات التي دعاها قائد الجيش للحوار وجلست على طاولته، أُقصي عنها مجموعات من دارفور وكردفان، بحجة مساندة "الدعم السريع"، فهذا تكريس صارخ للانقسام، من باب ردة الفعل وإشعال نظرية الإقصاء الجهوي والمجتمعي مقرونة مع خطاب التهميش التاريخي، والفعل الذي لا يفعله الجيش مباشرة ويجد مباركة منه الخطاب التعبوي للحرب، الذي يستخدم عبارات ومفاهيم عنصرية وجهوية ضد مكونات قريبة من "الدعم السريع"، مما يسوق للعنصرية والجهوية المضادة، ويسمح بتمرير خطاب الانفصال وتقرير المصير.
وهذا ما حدث فعليا في حرب جنوب السودان. وفي لحظة التصويت رجح المواطن الانفصال عن الشمال أو عن مركز السلطة في الخرطوم، وإن شئت الدقة فإن "قوات الدعم السريع" تقوم بالفعل ذاته، إن لم يكن أشد، وهو كذلك يصنع عنصرية وجهوية مضادة تمهد الطريق لانقسام البلاد.
تحفيز التقسيم الجيوسياسي
التدخلات الدولية والإقليمية في حرب السودان يصعب إنكارها، ومصالح الدول المنخرطة في شأن السودان تنطلق بشكل أساسي من الجغرافيا السياسية لبلد يجاور ثماني دول في حدود طبيعية مفتوحة، وتمتد شواطئها البحرية على البحر الأحمر، إلى أكثر من ألف كيلومتر.
مخاوف من سيناريو انفصال جنوب السودان، فخطاب الجيش التعبوي يستخدم عبارات عنصرية وجهوية قد تسمح بتمرير خطاب الانفصال وتقرير المصير، فيما "الدعم السريع" تقوم بالفعل ذاته، ما يصنع جهوية مضادة، ويمهد لانقسام السودان
ومن المعلوم أن أهمية البحر الأحمر ارتفعت كممر مائي بعد أزمة مضيق هرمز الحالية، فمثلا دولة مصر في الشمال تهتم بقدر كبير بتأمين حدودها الجنوبية مع السودان، ودول حدود غرب السودان لها مصالح وقبائل متداخلة مع ولايات دارفور، بينما تهتم الدول المشاطئة للبحر الأحمر بتأمين الملاحة في الممر المائي الهام. بمعنى آخر لا تهتم هذه الدول بغير مصالحها، بغض النظر انقسم السودان أم بقى دولة واحدة مضطربة، وفي الوقت ذاته تنظر دول في الإقليم وفي العالم بقلق إن انقسم السودان وتأثيرات ذلك على الأمن والسلم العالميين، وأن يتحول إلى بؤرة هشاشة أمنية جاذبة للإرهاب والنزاعات الإقليمية.
هل يمكن تدارك الانقسام؟
تقسيم الدول نتاج شرعي للصراعات المسلحة، وقد حدث هذا في مناطق عدة في العالم، وما جرى في السودان منذ 15 أبريل صراع عنيف لم يقتصر عنفه على ميدان القتال بل تمدد بين المكونات القبلية والاجتماعية وفي الإعلام، وتقسيم السودان وانفصال أجزاء جديدة منه يرتبط ارتباطا وثيقا باستمرار الحرب، لذا لا يمكن تجنب نذر الانفصال إلا بإيقاف الحرب، والشروع في معالجة إفرازاتها وفي مقدمتها خطاب التحشيد والتعبئة المتضمنة عنصرية وجهوية.
والأهم من ذلك المصالح التي أوجدتها الحرب لكثير من ضباطٍ في الميدان وسياسيين ورجال أعمال حول الجيوش، ينظرون جميعا إلى تعاظم مكاسبهم من التقسيم، وخاصة في غرب السودان الغني بالثروات المعدنية والحيوانية والزراعية، ومن الممكن أن تتمدد المصالح والنفوذ إلى دول أخرى على الحدود.

وخلاصة القول إن الوصول إلى حلول وتفاهمات مفضية إلى سلام عاجل يمنع تقسيم السودان، والذي يزداد قربا في كل يوم تستمر فيه الحرب وخطابها.
والسلام هنا شرطُه التوافق، وتحقيق مصالح الجميع، لا فرضه بالقوة، أو سلام يكون فيه طرف منتصر على الآخر، لأن عودة الحرب في هذه الحالة متوقعة جدا بعد أن يسترد المهزوم قواه وقدرته على العودة للقتال، وإن حدث ذلك سيفضي إلى الانقسام لا محالة، وهو السيناريو الذي حدث في جنوب السودان بعد أن توقف القتال عشر سنوات، فبعد اتفاق أديس أبابا عام 1972، عادت الحرب في عام 1983، أي بعد عشر سنوات تقريبا، وفعليا كانت حربا نهايتها الانفصال.
وإن كان كذلك، فلا يمكن للسودان أن يتجنب التقسيم إلا بوقف الحرب، والوصول إلى تفاهمات مرضية للسودانيين تعالج الجراح التاريخية، وتمضي في طريق المصالحة للشعوب السودانية والجماعات المختلفة.






