في حكومة عزيز أخنوش، يبدو أن توزيع الاختصاصات لم يعد دائماً مطابقاً لما تقوله النصوص والمهام الوزارية، ففي الوقت الذي يفترض أن يتولى وزير الخارجية تدبير الخطاب الدبلوماسي للمملكة، وأن يكون الناطق الرسمي باسم الحكومة في واجهة التواصل الحكومي، وجد وزير العدل عبد اللطيف وهبي نفسه يتقدم إلى الصفوف الأمامية ليتحدث في قنوات عربية ودولية عن ملفات تتصل مباشرة بالسياسة الخارجية للمغرب.
هذا التجرؤ على مجال ليس من اختصاصه لم يعد مجرد ظهور إعلامي عابر، بل تحول إلى مشهد يبعث على الاستغراب، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بملفات حساسة ترتبط بعلاقات المغرب الخارجية وصورته الدولية.
وهبي، الذي يحمل حقيبة العدل، يبدو أنه وجد في المنابر الإعلامية الدولية مجالاً أوسع من وزارته، في وقت يعرف فيه قطاع العدالة سلسلة من التوترات والاحتقانات مع عدد من المهن والهيئات المرتبطة بالمنظومة القضائية، فبدل أن ينشغل بإطفاء الحرائق التي تراكمت في القطاع الذي أوكل إليه، أصبح حاضراً في ملفات سياسية ودبلوماسية لا تدخل ضمن اختصاصه المباشر.
وليس خافياً أن ولاية وهبي على رأس وزارة العدل ارتبطت بخلافات حادة مع المحامين، وباحتجاجات وتوترات مست قطاعات ومهن مرتبطة بالعدالة، فضلاً عن الجدل الواسع الذي رافق عدداً من مشاريع الإصلاح والتدابير التي اتخذتها الوزارة، ومع ذلك، يبدو أن الوزير وجد وقتاً وطاقة للانتقال من مشاكل المحاكم ومهن العدالة إلى القنوات الدولية للحديث عن قضايا الدولة الكبرى.
هذا الحضور الإعلامي يأتي في وقت اختفى فيه تقريباً الصوت الحكومي المفترض أن يضطلع بالتواصل الرسمي، فمصطفى بايتاس، الناطق الرسمي باسم الحكومة، لم يعد يظهر بالفاعلية التي تقتضيها طبيعة المرحلة، بل يعتبره المغاربة من المختفين، وكأن الحكومة تركت المجال مفتوحاً أمام الوزراء ليتحدث كل واحد منهم بالطريقة التي تناسبه.
أما ناصر بوريطة، وزير الخارجية، فقد اختار الصمت في وقت كان يفترض أن تكون فيه وزارة الخارجية في صدارة المشهد، وبينما يتقدم وزير العدل إلى واجهة النقاشات الدولية، يلتزم صاحب الاختصاص الدبلوماسي بالصمت وهو يعيش الأعراس والحفالات الخاصة، في مشهد يزيد الانطباع بأن الحكومة تعاني خللاً في تدبير خطابها الخارجي.
والأكثر قسوة أن بوريطة، الذي يفترض أن يكون رجل الدبلوماسية الأول في الحكومة، يبدو منشغلاً بملاهيه وحساباته الخاصة بعيداً عن الواجهة الإعلامية التي تحتاجها الملفات الخارجية، وفي المقابل، يترك المجال لوزير آخر كي يخوض في ملفات لا تحتاج إلى الحماسة والاستعراض، بل إلى الخبرة والاتزان والدقة.
السياسة الخارجية ليست منصة للارتجال، ولا مجالاً لإثبات الحضور الشخصي، إنها من أكثر المجالات ارتباطاً بصورة الدولة ومصالحها الاستراتيجية، ولذلك فإن كل كلمة محسوبة، وكل تصريح يمكن أن تكون له انعكاسات تتجاوز حدود القناة التي قيل فيها.
وفي الملفات المغربية الإسبانية تحديداً، تصبح الحساسية أكبر بكثير، فالعلاقات بين الرباط ومدريد قطعت خلال السنوات الأخيرة أشواطاً مهمة، واستغرقت وقتاً وجهداً دبلوماسياً كبيراً حتى وصلت إلى مستوى متقدم من التعاون، لذلك فإن أي تصريح غير محسوب أو خطاب متشنج يمكن أن يربك هذه العلاقة ويمنح خصومها مادة مجانية لاستغلالها.
وما يزيد الأمر سوءاً أن وهبي لا يملك، بحكم منصبه، الأدوات الدبلوماسية التي تسمح له بإدارة هذا النوع من الملفات، فوزير العدل مسؤول عن العدالة، وليس عن الخارجية، ومهما كانت قدرته على الكلام أو رغبته في الحضور الإعلامي، فإن ذلك لا يحوله تلقائياً إلى متحدث باسم المملكة في القضايا السيادية.
الأمر لا يتعلق هنا بتقييد حق وزير في التعبير، وإنما باحترام منطق الدولة ومبدأ الاختصاص، فحين تتحدث المملكة في ملف خارجي حساس، ينبغي أن يكون الخطاب منسجماً مع المؤسسات المخولة بذلك، لا أن يتحول إلى اجتهادات فردية تفتح الباب أمام التأويلات.
أما طريقة وهبي في الحديث، فقد زادت المشهد سوءاً.. فالخطاب الدولي يحتاج إلى هدوء ووضوح وحجج دقيقة، وليس إلى الانفعال وسرعة الكلام والعبارات التي يمكن اقتطاعها وتوظيفها خارج سياقها.
والمؤسف أن كل ذلك يحدث في حكومة يفترض أنها وصلت إلى مرحلة من النضج المؤسساتي تجعل مثل هذه الاختلالات أمراً غير مقبول.
لقد أصبح المشهد أقرب إلى حكومة بلا بوصلة إعلامية واضحة.. وزير خارجية صامت، ناطق رسمي غائب، ورئيس حكومة منشغل بإعادة ترتيب حضوره السياسي مع اقتراب الانتخابات، بينما يتقدم وزير العدل ليملأ الفراغ ويتحدث في ملفات تتجاوز حقيبته.
لقد آن الأوان لأن تفهم حكومة أخنوش أن الدولة لا تُدار بمنطق “من ظهر أولاً أمام الكاميرا”، فلكل ملف رجاله ومؤسساته، ولكل حقيبة اختصاصاتها، ولكل تصريح كلفته.
وزير العدل مكانه الطبيعي هو وزارة العدل، ومهمته الأولى إصلاح ما يعانيه قطاع العدالة من اختلالات وتوترات، لا منافسة وزير الخارجية على الظهور في القنوات الدولية.
ووزير الخارجية مطالب بأن يكون حاضراً عندما يتعلق الأمر بالسياسة الخارجية، لا أن يترك الساحة لغيره بينما ينشغل بملاهيه الخاصة.
والناطق الرسمي باسم الحكومة يفترض أن يكون صوتها الواضح، لا اسماً يظهر ويختفي بحسب الظروف.
أما الحكومة برمتها، فعليها أن تدرك أن صورة المغرب ليست مجالاً للمزايدات الشخصية ولا للاستعراض الإعلامي، فالمملكة تحتاج في علاقاتها الدولية إلى دبلوماسية رصينة، ورسائل منضبطة، ومسؤولين يعرفون حدود اختصاصاتهم.
إن تجرؤ وزير العدل على السياسة الخارجية، في مقابل سكوت وزير الخارجية واختفاء الناطق الرسمي باسم الحكومة، ليس مجرد تفصيل عابر في المشهد الحكومي، بل صورة مكثفة لخلل أعمق في طريقة تدبير التواصل السياسي.





