وفد سوري رفيع في تركيا.. “هندسة” جديدة للعلاقات الاقتصادية
أكد الدكتور عبد الرحمن محمد، أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة، أن الزيارة المرتقبة لوفد اقتصادي سوري رفيع المستوى إلى تركيا برئاسة وزير الاقتصاد والصناعة وحاكم مصرف سورية المركزي، تمثل محطة فارقة في مسار العلاقات الاقتصادية الثنائية بعد سنوات من القطيعة والتعقيدات الجيوسياسية.
ولفت إلى أن هذه الزيارة تأتي في سياق إقليمي متغير يسعى فيه الطرفان إلى إعادة هندسة علاقاتهما الاقتصادية انطلاقاً من المصالح المشتركة، خصوصاً مع تشكل اللجنة الاقتصادية والتجارية السورية – التركية المشتركة (JETCO) كإطار مؤسسي لحوكمة للتعاون.
وأشار إلى أن المشاركة الواسعة التي تضم صندوق التنمية وممثلين عن القطاعين العام والخاص تعكس فهماً متقدماً لأهمية التكامل بين أدوات السياسة الاقتصادية والنقدية والتنموية.

دلالات اقتصادية كبرى
يرى أستاذ الاقتصاد أن إحياء آلية JETCO بعد غياب طويل يحمل دلالات جوهرية تتجاوز الإطار التنسيقي الإداري إلى تأسيس منصة لإعادة هيكلة التدفقات التجارية والاستثمارية بين البلدين، فتركيا، كواحدة من أكبر اقتصادات المنطقة بناتج محلي يتجاوز 900 مليار دولار، تمثل سوقاً استهلاكية وتصنيعية ضخمة، في حين تمتلك سورية موقعاً جغرافياً إستراتيجياً قد يشكل ممراً لوجستياً نحو أسواق المشرق العربي والخليج.
ومن منظور الاقتصاد الكلي، أكد أنه يمكن لهذا التنسيق أن يسهم في معالجة اختلالات الميزان التجاري السوري، حيث بلغت الصادرات التركية إلى سورية قبل الثورة نحو 1.8 مليار دولار سنوياً مقابل صادرات سورية متواضعة.
كما أن التنسيق النقدي عبر مشاركة حاكم المركزي يفتح الباب أمام مناقشة آليات تسوية المدفوعات وإعادة هيكلة الديون المتداولة بين المصارف المركزية، وهو ما قد يخفف الضغط على احتياطيات النقد الأجنبي السوري.
ويرى محمد أنه من منظور نظرية التكامل الاقتصادي الإقليمي، فإن إعادة تفعيل اللجان المشتركة هي الخطوة الأولى في سلم التكامل، لكن نجاحها مرهون بترجمة الإعلانات السياسية إلى جداول زمنية محددة وإجراءات تنفيذية ملموسة.
تحديات إعادة الإعمار والتمويل
ولفت محمد إلى أنه في ظل إعادة الإعمار السوري، تبرز تركيا كشريك استثماري محتمل في قطاعات البنية التحتية والإسكان والطاقة، إذ تمتلك الشركات تركية خبرة تمتد لعقود في السوق السورية.
لكن التحدي الأكبر برأي محمد يتمثل في كيفية توفير التمويل اللازم لهذه المشاريع في ظل العقوبات الدولية المفروضة على سورية، التي تخلق بيئة قانونية معقدة للشركات التركية التي تتعامل مع النظام السوري.
وأكد أنه هنا يأتي دور مصرف سورية المركزي في اقتراح آليات تمويل بديلة، كالمقاصة الثنائية أو استخدام العملات المحلية في التبادل التجاري، أو إنشاء صندوق استثمار مشترك برأسمال من القطاع الخاص التركي والدول الحليفة.
وقال: كما أن مشاركة صندوق التنمية السوري تعكس نية لتوجيه الاستثمارات نحو مشاريع تنموية ذات جدوى اقتصادية، وهو ما يتطلب دراسات جدوى دقيقة وخريطة استثمارية واضحة الأولويات.
ويرى أن نموذج “المثلث الذهبي للاستثمار” في غياب أي ركن يضعف تدفق الاستثمارات، لذا فإن الأولوية يجب أن تكون لاتفاقيات محددة صغيرة ومتوسطة الحجم وقابلة للتنفيذ بدلاً من المشاريع العملاقة التي تتصادم مع العقوبات.
وأكد أنه في ظل انعكاساتها على العلاقات الاقتصادية الدولية لا يمكن قراءة هذه الزيارة بمعزل عن الحراك الإقليمي الأوسع لإعادة دمج سورية اقتصادياً في محيطها العربي والدولي. فالتقارب السوري التركي يأتي متزامناً مع خطوات عربية كإعادة فتح السفارات وتطبيع العلاقات مع دول خليجية، ومع تلميحات غربية حول مراجعة سياسات العقوبات مقابل تقدم سياسي.
وقال: من هذا المنطلق، تشكل الزيارة اختباراً لقدرة دمشق على المناورة بين محاور إقليمية متعددة، كما أنها ترسل إشارة للمستثمرين الأتراك بأن هناك إطاراً مؤسسياً لحماية مصالحهم، لكن أي تعاون اقتصادي واسع مع تركيا قد يخلق تبعية تجارية في حال لم تُرافقه إستراتيجية سورية لتنويع الشركاء وبناء قدرات محلية تنافسية، خاصة في قطاعي الزراعة والصناعة الخفيفة.
ويرى محمد ا٥ن الخيار الأمثل هو توجيه التعاون نحو مشاريع مشتركة ذات قيمة مضافة بدلاً من أن تكون سورية مستورداً صافياً فقط.
دور المركزي واستقرار السوق النقدي
وأكد أستاذ المصارف أن مشاركة حاكم مصرف سورية المركزي في هذا الوفد تحمل أبعاداً نقدية ومصرفية بالغة الأهمية، فالتدفقات التجارية والاستثمارية المتوقعة تحتاج إلى آليات مصرفية لتسوية المدفوعات، وفي ظل القيود المفروضة على التعامل بالدولار، قد يضطر الطرفان إلى تفعيل مذكرة تفاهم للتعامل بالليرة التركية والليرة السورية عبر نظام مقاصة ثنائي، ما يخفف الطلب على الدولار ويدعم استقرار سعر الصرف.
كما أن التنسيق بين المصرفين المركزيين يمكن أن يشمل تبادل الخبرات في مجال مكافحة غسل الأموال، وهو ما يهم الجانب التركي في سياق متطلبات مجموعة العمل المالي (FATF).
وأضاف : لكن التحدي الأكبر يتمثل في الفارق الكبير بين أسعار الصرف الرسمية والموازية في سورية، مما يخلق فرصاً للمضاربة ويصعّب تسعير الصفقات التجارية. ويرى محمد أنه لايمكن لأي آلية مقاصة ثنائية أن تنجح من دون وجود درجة معقولة من الاستقرار النقدي الداخلي، لذا فإن الخطوة الأكثر إلحاحاً قبل تفعيل أي ترتيبات مع تركيا هي تنفيذ إصلاحات نقدية داخلية كتوحيد أسعار الصرف وزيادة الشفافية في تدخلات المصرف المركزي لخلق بيئة مواتية للتسويات الثنائية.
وأوصى محمد لضمان نجاح التعاون الاقتصادي أن تشكل الزيارة السورية الرفيعة إلى تركيا خطوة في الاتجاه الصحيح من حيث إعادة بناء الأطر المؤسسية للتعاون الاقتصادي الثنائي، إلا أن النتائج الفعلية ستظل رهينة بثلاثة متغيرات حاسمة: أولاً، مدى قدرة الطرفين على ترجمة مخرجات JETCO إلى عقود واتفاقيات تنفيذية بجداول زمنية محددة بدلاً من البيانات العامة، ثانياً، تطور بيئة العقوبات الدولية وتأثيرها على الشركات التركية الراغبة بالاستثمار، ثالثاً، الاستقرار النقدي الداخلي في سورية.
ونصح محمد بأن تركز المرحلة الأولى من التعاون على قطاعات أقل حساسية للعقوبات كالطاقة المتجددة والزراعة والصناعات الغذائية والدوائية، مع إنشاء وحدة متابعة قانونية مشتركة لتحليل مخاطر الامتثال للعقوبات. كما اقترح تفعيل دور القطاع الخاص السوري المغترب في تركيا كجسر تمويل واستثمار، فهم الأكثر دراية ببيئة الأعمال في كلا البلدين والأقل تأثراً بالحساسيات السياسية.
وختم بالقول: إن نجاح هذه الزيارة لن يقاس بحجم الاتفاقيات الموقعة، بل بمدى استدامة آليات المتابعة والتطوير وقدرة الجانبين على تحويل التعاون الاقتصادي من أداة سياسية ظرفية إلى شراكة هيكلية دائمة.





