سحب الدخان تلك لم تكن لتحجب "الحقائق الأساسية" لهذا الصراع المرير والمستفحل خصوصاً بين الجانبين الإيراني والأميركي، وتطلق السؤال ذاته عما إذا كان تجنب الحرب الدائرة اليوم قد بات مستحيلاً. المشهد المأساوي الراهن للحرب الضروس الدائرة الآن لا يبرر تماماً حدوثها ولا يجيب في الوقت نفسه عن السؤال الأهم السالف طرحه.
شرارة هذا الصراع كانت في الأساس قد جاءت من فكرةٍ تفتق عنها ذهن قائد "الثورة الإسلامية" في إيران، الخميني، وهي أن إسرائيل كيانٌ "يجب أن يكون مصيره الزوال" وأن الولايات المتحدة هي "الشيطان الأكبر"، وتولدت في مقابل هذه الفكرة فكرة أخرى مقابلة لدى تل أبيب وواشنطن وهي أنه دون إسقاط حكم "الولي الفقيه" لا يمكن ضمان مستقبل إسرائيل ولا المصالح الاستراتيجية لواشنطن في منطقة الشرق الأوسط، ففي هذا المناخ من "الأوهام" لدى الجانبين تولدت محركات للخلاف وقادت إلى صعوبات في الاتفاق وانتهت إلى توترات معقدة أفضت في النهاية إلى ما نشهده اليوم.

ينشغل كثيرون اليوم بما هو مرحليٌ وآنيٌ عما هو تاريخيٌ لجذور هذا الصراع أو مستقبلي من تطورات محتملة له، ويحول هذا الالتباس دون فهمٍ أعمق وأدق لتفاعلاته التي يتم اختزالها في قضية واحدة أو مشكلتين أو ثلاث من قبيل الخلاف النووي والتهديد الصاروخي ووكلاء طهران في بعض بلدان الإقليم.
محركات الخلاف وديناميكيات العداء
واقع الأمر أن المخاوف من قرب امتلاك إيران سلاحاً نووياً ثم الخشية من تطوير صواريخها الباليستية لتصل بقنابل أسلحة الدمار الشامل النووية إلى أوروبا والولايات المتحدة، بحسب المزاعم الإسرائيلية، لم تكن أكثر من ذرائع لتبرير الذهاب إلى الحرب، مثلما حدث ذلك عندما اخترعت واشنطن فزاعة امتلاك العراق لهذه الأسلحة وخشيتها من أن تصبح في متناول تنظيم "القاعدة". أي إن الحرب تحتاج كالعادة ما يبرر اندلاعها أيا كانت كلفتها المادية والأخلاقية والإنسانية، كما يعمل على إيجاد غطاءٍ لدوافعها الأساسية.
رغم التأكيدات المتكررة لإيران على سلمية مشروعها النووي وأنه مخصصٌ لأغراض مدنية فإن ظلالاً من الشك وعدم اليقين ظلت تحيط بمصداقية تصريحاتها وتتهمها بعدم الشفافية والتلاعب في الكشف عن تفاصيل هذا المشروع، فالوكالة الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة اعتبرت في أحدث تقريرٍ سريٍ لها أن إيران تماطل في السماح للوكالة بتفتيش جميع مواقعها النووية، ويشير التقرير إلى أصفهان بوصفها موقع اهتمام "بسبب منشأة تخصيبٍ جديدة ويورانيوم قريب من درجة الاستخدام في صنع القنبلة كان مخزنا هناك".
أنحت الوكالة باللائمة على إيران لعدم تقديم تقارير بشأن حالة منشآتها النووية التي تعرضت لهجمات بخصوص "المواد النووية المرتبطة بها، كما لم تسمح لمفتشيها بالوصول إلى تلك المواقع".








