نتنياهو بعد سقوط أسطورة الأمن: حين صار “السيد أمن” أصل المشكلة
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
كتب - زياد فرحان المجالي
لم يعد بنيامين نتنياهو يقف في الوعي الإسرائيلي بوصفه الرجل الذي يعرف كيف يحمي الدولة، بل بوصفه السياسي الذي راكم الأزمات حتى صارت صورته جزءًا من الأزمة نفسها. فبعد السابع من أكتوبر، ومع اتساع ضغط أهالي الأسرى، واحتدام الخلاف داخل المؤسسة الأمنية والسياسية، لم يعد السؤال الإسرائيلي يدور حول قدرة نتنياهو على إدارة الحرب فقط، بل حول مسؤوليته عن المأزق الذي دخلته إسرائيل ولم تعرف كيف تخرج منه.
الرجل الذي بنى مجده على شعار "الأمن أولًا” يجد نفسه اليوم محاصرًا بسؤال أكبر من كل خطبه: ماذا بقي من أسطورة الأمن بعد انهيار الحدود، وبعد حرب طويلة لم تمنح إسرائيل نصرًا حاسمًا، ولا طمأنينة داخلية، ولا أفقًا سياسيًا واضحًا؟
المشكلة في نتنياهو لم تعد مرتبطة بقرار واحد، ولا بإخفاق عسكري منفصل، بل بنمط حكم كامل. لقد حوّل السياسة الإسرائيلية إلى معركة بقاء شخصية، وخلط بين أمن الدولة وأمن حكومته، وبين مصلحة إسرائيل ومصلحته في تأجيل المحاسبة. لذلك تبدو كل خطوة عسكرية أو سياسية مرتبطة بحساب مزدوج: كيف تخدم إسرائيل، وكيف تنقذ نتنياهو؟
في الداخل، لم يعد الانقسام الإسرائيلي مجرد خلاف بين يمين ويسار، بل صار شرخًا عميقًا داخل المجتمع، والمؤسسة العسكرية، وأهالي الأسرى، والنخب الأمنية. هناك من يرى أن نتنياهو أطال الحرب لأنه لا يملك شجاعة إنهائها، وهناك من يعتقد أنه يخشى اليوم التالي أكثر مما يخشى استمرار النزف. فوقف الحرب يفتح أبواب التحقيق، واستمرارها يؤجل لحظة الحساب.
حتى المؤسسة الأمنية التي كانت تشكل مظلة قوته بدأت تتحول إلى مرآة عجزه. الجيش دفع ثمنًا ميدانيًا وسياسيًا، والمخابرات فقدت صورتها الأسطورية، والمجتمع الإسرائيلي اكتشف أن القوة الهائلة لا تكفي لصناعة الأمن إذا غابت الرؤية السياسية. هنا تحديدًا تتصدع صورة نتنياهو: هو لا يُحاسَب فقط على ما حدث، بل على أنه لم يعد يملك تصورًا واضحًا لما بعده.
أما خارجيًا، فقد تراجعت قدرة إسرائيل على تسويق نفسها كما كانت تفعل سابقًا. الدعم الغربي لا يزال قائمًا، لكنه لم يعد مجانيًا سياسيًا ولا أخلاقيًا. صورة إسرائيل في العالم اهتزت، والاحتجاجات اتسعت، واللغة الدولية تغيرت. لم تعد إسرائيل تقدم نفسها ضحية مطلقة كما في السابق، بل تواجه أسئلة قاسية عن الاحتلال، والدمار، والقانون الدولي، وحدود القوة.
في هذه اللحظة، يبدو نتنياهو كمن يحاول النجاة من سقوط الهالة أكثر مما يحاول صناعة نصر. كلما رفع سقف الخطاب، زاد الشك في قدرته على الحسم. وكلما تحدث عن الأمن، عاد السؤال المؤلم: أين كان هذا الأمن حين انهارت الثقة، وحين اختُطف الإسرائيليون، وحين دخلت الدولة أطول أزمة نفسية وسياسية منذ عقود؟
لقد نجح نتنياهو طويلًا في إقناع قطاعات واسعة من الإسرائيليين بأنه الرجل الوحيد القادر على إدارة الخطر. لكنه اليوم يواجه انقلاب المعادلة: الخطر لم يعد خارج الحدود فقط، بل داخل بنية القرار ذاتها. لم يعد السؤال: هل يستطيع نتنياهو حماية إسرائيل؟ بل صار: هل تستطيع إسرائيل الخروج من مأزق نتنياهو؟
بهذا المعنى، ليست أزمة نتنياهو أزمة زعيم شاخ سياسيًا فحسب، بل أزمة مشروع كامل قام على وهم أن القوة وحدها تصنع الأمن، وأن الاحتلال يمكن أن يُدار إلى الأبد، وأن تأجيل الحلول يغني عن دفع أثمانها. جاءت الحرب لتكشف أن كل ما جرى تأجيله عاد دفعة واحدة: القضية الفلسطينية، الانقسام الإسرائيلي، حدود الردع، وعجز السياسة حين تتحول إلى أداة نجاة شخصية.
قد يبقى نتنياهو في الحكم فترة أطول، وقد يناور كما فعل دائمًا، لكن شيئًا جوهريًا انكسر. فالهالة التي أحاطت به لم تعد كما كانت، والثقة التي منحته لقب "السيد أمن” تحولت إلى لائحة اتهام سياسية وأخلاقية. وفي السياسة، لا يسقط الزعيم يوم يغادر مكتبه فقط، بل يوم يبدأ الناس في النظر إليه لا بوصفه حلًا، بل بوصفه أصل المشكلة.





