سماح بيبرس
عمان- يتجه مشروع نظام التفتيش القضائي للمحاكم النظامية والدوائر التابعة لها لسنة 2026، الذي نُشر مؤخرا على موقع ديوان التشريع والرأي، إلى إعادة تنظيم آليات التفتيش وتقييم أعمال القضاة، عبر توسيع معايير التقييم لتشمل جودة الأحكام وسلامة النتائج وإدارة العملية القضائية والمهارات القانونية والمسلكية، إلى جانب توسيع نطاق الرقابة على أعمال المحاكم والنيابة العامة ودوائر التنفيذ.
وفي وقت يهدف فيه النظام إلى تعزيز المساءلة ورفع كفاءة العمل القضائي، تبرز مسألة تحقيق التوازن بين الرقابة على الأداء والحفاظ على استقلال القاضي باعتبارها أحد أهم الجوانب المرتبطة بتطبيق النظام، لا سيما أن التفتيش يتصل بتقييم عمل القاضي وسلوكه المهني، دون أن يمتد للتأثير في قناعته القضائية أو الأحكام التي يصدرها.
وتطرح المعايير الجديدة للتقييم أسئلة حول الكيفية التي ستطبق بها عمليا، ومدى وضوح المؤشرات المستخدمة في قياس بعضها، إلى جانب الحاجة لضمان عدالة تقارير التفتيش، بحيث يكون التقييم أداة لتحسين الأداء وكشف مواطن الضعف، وليس مجرد وسيلة لرصد الأخطاء.
وكان مجلس الوزراء وافق على الأسباب الموجبة لمشروع نظام التفتيش القضائي للمحاكم النظامية والدوائر التابعة لها لسنة 2026، وأحاله إلى ديوان التشريع والرأي للسير في إجراءات إصداره حسب الأصول.
وبحسب الأسباب، فإن المشروع يأتي لغايات إعادة تنظيم جهاز التفتيش القضائي والمهام المتعلقة به، بما ينعكس على تعزيز فاعلية الإجراءات القضائية وسرعتها وجودتها، وتعزيز الشفافية والعدالة في أداء المهام، كما يشترط أن يكون القاضي المفتش أقدم في الدرجة من القاضي الخاضع للتقييم.
وبموجب المشروع، ستتم إعادة تحديد وتطوير أدوات قياس التقييم والمعايير الفنية والمسلكية والمهارية، بما يضمن جودة أعمال التقييم وحوكمتها والالتزام بمدونة السلوك القضائي، إلى جانب تعزيز بناء القدرات والتدريب المتخصص، بما يرفع الكفاءة والإنجاز ويعزز عدالة وشفافية التقييم.
وينظم المشروع آلية تقديم الشكاوى ومتابعتها ومعالجتها، ويتوسع في صلاحيات المفتش الرقابية ونطاق التفتيش ليشمل أعمال المحاكم والمكاتب الفنية ودوائر النيابة العامة ودوائر التنفيذ.
ووفق المادة (3)، يتألف جهاز التفتيش من المفتش الأول من شاغلي الدرجة العليا، ومجموعة من المفتشين لا تقل درجة أي منهم عن الثانية، فيما يتكون الجهاز الإداري من الموظفين الإداريين في الأمانة العامة للمجلس والمحدد مركز عملهم في جهاز التفتيش بقرار من الرئيس.
وحددت المادة (4) مهام الجهاز بتقييم أعمال القضاة الذين تشملهم أحكام النظام، والتحقيق في الشكاوى المحالة من الرئيس، والتفتيش على أعمال المحاكم النظامية والمكاتب الفنية ودوائر النيابة العامة ودوائر التنفيذ وإعداد التقارير بشأنها، فضلا عن إعداد المطالعات بناء على طلب الرئيس.
تفعيل مبدأ المساءلة
من جهته، وصف القاضي ومستشار ديوان الرأي والتشريع السابق د. محمود العبابنة، مشروع النظام بأنه جاء بشكل عام وافيا ومحكما، ويعكس حرص السلطة القضائية على تفعيل مبدأ المساءلة، وتحصين استقلالية الجهاز القضائي.
وأكد أن النظام يعمل على ضمان حسن سير العمل القضائي، إلى جانب المحافظة على استقلال القاضي وعدم التأثير في قناعته وأحكامه، مشددا على أن استقلالية العمل القضائي لا تعني غياب الرقابة والمساءلة.
وبحسبه، فإن التفتيش يساعد على ضمان حسن سير مرفق القضاء، عبر التحقق من انتظام العمل داخل المحاكم، ومدى الالتزام بالإجراءات القانونية والإدارية، وعدم وجود تأخير غير مبرر في نظر الدعاوى أو إصدار القرارات.
ولا يرى العبابنة أن وظيفة التفتيش الحديثة يجب أن تقتصر على البحث عن الأخطاء والمخالفات، بل تمتد إلى تحديد مواطن الضعف واقتراح الحلول المناسبة، سواء عبر إعادة تنظيم العمل، أو تحسين إدارة الملفات، أو تطوير استخدام الوسائل الإلكترونية، أو تدريب العاملين.
وبذلك، فإن وظيفة جهاز التفتيش، وفق هذا التصور، لا تنحصر في مساءلة القاضي عند وقوع مخالفة، وإنما يمكن أن تتحول تقاريره إلى أداة لتحديد المشكلات التي تواجه مرفق القضاء ومعالجتها ورفع كفاءة العمل القضائي والإداري.
كيف سيقيّم القاضي؟
ومن أبرز ما يحمله المشروع إعادة تحديد المعايير التي يجري على أساسها تقييم أعمال القاضي، إذ توسعت المادة (8) في العناصر التي تدخل في عملية التقييم، بحيث لا يقتصر قياس الأداء على سرعة الإنجاز أو عدد القضايا التي تم الفصل فيها.
وتضع المادة في مقدمة هذه المعايير المعرفة القانونية وحسن تطبيق القانون، ومدى استيفاء القرارات والأحكام لأسبابها وعللها، وجودتها وسلامة النتائج التي تم التوصل إليها.
وتشمل إدارة العملية القضائية، من حيث استكمال إجراءات التقاضي وإدارة الجلسات ومدد التأجيل وأسبابه، وتطوير القدرات والمهارات القانونية، ومهارات الاتصال والتواصل في بيئة العمل، إضافة إلى مهارات الإدارة القضائية بالنسبة للقضاة الذين يشغلون مناصب قيادية، والالتزام بمدونة قواعد السلوك القضائي.
وتنص المادة ذاتها على مراعاة هذه المعايير عند إعداد نماذج التقييم وفق التعليمات التي تصدر لهذه الغاية.
وتشير طبيعة هذه المعايير إلى أن المشروع يتجه نحو تقييم أكثر شمولا لأداء القاضي، يجمع بين جودة العمل القانوني وسلامة الأحكام وبين قدرته على إدارة الدعوى والجلسات، فضلا عن الجوانب المهنية والمسلكية.
غير أن بعض هذه المعايير يثير، بحسب العبابنة، الحاجة إلى مزيد من التوضيح عند التطبيق، وتحديدا معيار "مهارات الاتصال والتواصل في بيئة العمل"، مشيرا إلى أن النظام بيّن في المادة (8) المعايير المعتمدة في تقييم أعمال القاضي، إلا أنه تساءل عن المقصود بمهارات الاتصال والتواصل في بيئة العمل، ومع من سيكون هذا التواصل، معتبرا أن هذا الجانب يحتاج إلى توضيح.
وتكتسب هذه المسألة أهميتها من أن المعايير ستكون أساسا لإعداد نماذج تقييم القضاة، وبالتالي فإن وضوحها وتحديد مؤشراتها سيؤثران مباشرة في عدالة التقرير الذي يصدر في نهاية عملية التفتيش.
وأشار إلى أن من أكثر ما كان يتم الشكوى منه في الأنظمة القديمة التقارير التي قد لا تخلو، ولو بنسبة ضئيلة، من عدم العدالة، ولذلك يشدد على ضرورة الحرص على عدالة التقارير التي يتم عبرها تقييم القضاة.
ويرى كذلك أن التقرير يجب ألا ينعكس على الطلبات الأساسية والمشروعة للقاضي، مثل طلب النقل أو الإجازة.
وفي المقابل، أشار إلى أن المشروع وضع ضمانة للقاضي الذي يشعر بالظلم من نتيجة التقييم، إذ أتاح له المجال للتقدم باعتراض على التقرير، وفق ما جاء في المادة (10) من النظام.
ومن بين المعايير التي أوردتها المادة (8)، يبرز النص على جودة القرارات والأحكام وسلامة النتائج التي تم التوصل إليها، وهو جانب يتقاطع مع ملاحظة أخرى يطرحها العبابنة بشأن الطريقة التي ينبغي عبرها قياس جودة العمل القضائي.
فبالنسبة إليه، لا يكفي النظر إلى سرعة الفصل في الدعاوى أو عدد القضايا التي ينجزها القاضي بمعزل عن سلامة القرارات الصادرة عنه.
ويرى العبابنة أنه يجب أن تكون هناك إحصائيات حول سلامة القرارات الصادرة عن القضاة، متسائلا عن الفائدة من الفصل السريع وبأعداد كبيرة عندما يتم فسخ هذه القرارات من المحاكم الأعلى درجة.
وتضع هذه الملاحظة مسألة جودة الأحكام إلى جانب سرعة الإنجاز عند تقييم الأداء؛ فاختصار مدد التقاضي يبقى هدفا أساسيا في تطوير القضاء، لكن ذلك لا ينفصل عن سلامة القرار القضائي وأسبابه وعلله والنتيجة التي انتهى إليها.
ومن هنا، فإن تطبيق معايير المادة (8) يمكن أن يشكل أحد العناصر المهمة في تحديد مدى نجاح النظام الجديد، ولا سيما في كيفية الموازنة بين المؤشرات الكمية، مثل مدد التأجيل واستكمال إجراءات الدعوى، وبين المؤشرات النوعية المتعلقة بالمعرفة القانونية وجودة الأحكام وسلامة النتائج.
التفتيش لا يتعلق بالقاضي وحده
من جهة أخرى، يلفت العبابنة إلى أن حسن سير مرفق القضاء لا يتوقف على أداء القاضي وحده، إذ إن البيئة الإدارية واللوجستية للمحاكم يمكن أن تؤثر أيضا في سرعة الإنجاز وجودة العمل.
ويرى أن حسن سير العمل القضائي يتطلب إحاطة وزير العدل بتقارير التفتيش على المحاكم ودوائر التنفيذ، لأن الدعم اللوجستي والجهاز الإداري في المحاكم ما يزالان يتبعان لوزارة العدل.
وأشار إلى أن هذا الجانب قد يؤثر على حسن سير العدالة سلبا أو إيجابا، ضاربا مثالا بنقص الموظفين الإداريين في بعض المحاكم وما يمكن أن يتركه ذلك من أثر على جودة العمل القضائي.
ويرى أنه كان من الصواب إعلام وزير العدل بنتائج التفتيش على المحاكم بشكل عام، بما يسمح بمعالجة أوجه القصور المرتبطة بالجوانب الإدارية واللوجستية.
وتكتسب هذه المسألة أهمية مع توسع نطاق عمل جهاز التفتيش نفسه، إذ إن المادة (4) لا تحصر مهامه في تقييم القضاة، وإنما تمنحه صلاحية التفتيش على أعمال المحاكم النظامية والمكاتب الفنية ودوائر النيابة العامة ودوائر التنفيذ وإعداد التقارير بشأنها.
الشكاوى الكيدية
ويشكل تنظيم الشكاوى المقدمة بحق القضاة جانبا آخر من المشروع، يرى العبابنة أن النظام أحسن في المادة (11) عندما منح الرئيس صلاحية تقرير حفظ الشكاوى الكيدية بحق القضاة.
ويربط العبابنة ذلك بما يصفه بتزايد الشكاوى في بيئة شعبية يكثر فيها الحديث عن الوساطة والمحسوبية في أجهزة الدولة، مؤكدا في المقابل أن الجهاز القضائي الأردني حقق سمعة دولية في النزاهة والشفافية، وهي سمعة يرى أنها تساعد على جذب الاستثمار واستقرار الثقة بين المواطن والدولة.
كما يتوقف عند المادة (14)، التي أعطت للمفتش الأول، بعد انتهاء أعمال التحقيق، صلاحية التوصية بإصدار تنسيب إلى المجلس بحفظ الأوراق في الحالات التي حددتها المادة، ومن بينها عدم صحة الحقائق المنسوبة، أو أن القاضي لم يرتكب مخالفة تستحق ملاحقته تأديبيا.
إلا أن العبابنة يرى أنه كان من الأفضل أن يتضمن النص كذلك ملاحقة مقدم الشكوى الكيدية عندما تستند إلى سوء النية، معتبرا أن التشويش على القضاء جريمة يجب أن يحاسب مرتكبها إذا ثبتت كيدية الشكوى وسوء النية فيها.
وبذلك، يضع المشروع أمام التطبيق معادلة أخرى تتعلق بالحفاظ على حق تقديم الشكوى ومساءلة القاضي عند وجود مخالفة، وفي الوقت نفسه حماية القضاة من استخدام الشكوى كأداة للضغط أو التشويش على عملهم.
ويؤكد العبابنة أن التفتيش القضائي آلية متبعة في دول العالم، وإن كانت هناك مدارس مختلفة في طريقة تنظيمه وتطبيقه، مشيرا إلى النموذج البريطاني في هذا المجال، حيث إن هناك فصلا بين الرقابة القضائية على الأحكام، والتي تتولاها المحاكم عبر طرق الطعن، وبين الرقابة على السلوك المهني والشخصي للقضاة، حيث إن الجانب المتعلق بالسلوك المهني يتولاه مكتب التحقيق في السلوك القضائي (Judicial Conduct Investigations Office - JCIO)، المرتبط برئيس القضاء واللورد المستشار في المسؤولية المتعلقة بالانضباط القضائي عندما يتعلق الأمر بمخالفة مهنية أو تأديبية.
ويعيد هذا النموذج، وفق طرح العبابنة، التأكيد على الحد الفاصل الذي ينبغي الحفاظ عليه في عملية التفتيش، بين مراقبة الأداء والسلوك المهني من جهة، ومراجعة الأحكام القضائية من جهة أخرى، إذ تبقى الأخيرة ضمن طرق الطعن ودرجات التقاضي.
وأكد العبابنة أن التفتيش القضائي يعزز ثقة الجمهور بالقضاء، كما يمثل أداة من أدوات مكافحة الفساد وسوء استعمال السلطة، لكنه شدد على أن كل ذلك يجب ألا يؤثر على استقلال القضاء أو قناعة القاضي وأحكامه.
ويرى أن النظام يندرج، كما هو معمول به في معظم الدول، ضمن سياق حوكمة القضاء والحفاظ على استقلاله، مؤكدا أن القضاء الأردني حقق شوطا كبيرا في هذا المجال.
ــ الغد