سجل الطلبة الفلسطينيون في سوريا حضورًا لافتًا في نتائج الثانوية العامة لدورة عام 2026، بعدما حقق عدد منهم معدلات مرتفعة وصلت إلى العلامة الكاملة، وسط فرحة واسعة عمت عائلاتهم والمخيمات والتجمعات الفلسطينية التي ينتمون إليها.
وتوزعت قصص التفوق بين مخيم "العائدين" في حماة، ومخيمي "النيرب" و"حندرات" في حلب، ومخيمات "اليرموك" و"السيدة زينب" و"خان دنون" في دمشق وريفها، إضافة إلى طلبة فلسطينيين يقيمون في درعا وإدلب ومناطق سورية أخرى.
من مخيم العائدين إلى المركز الأول
تصدر الطالب الفلسطيني السوري محمد سامر السباعي، من أبناء مخيم "العائدين" في مدينة حماة وسط سوريا، قائمة الطلبة الفلسطينيين المتفوقين، بعد حصوله على 2400 علامة من أصل 2400 في الفرع العلمي، ليكون ضمن الطلبة الحاصلين على المرتبة الأولى على مستوى سوريا.
وقال السباعي إن حصوله على العلامة الكاملة لم يكن نتيجة الدراسة المكثفة خلال الأسابيع الأخيرة التي سبقت الامتحانات، بل ثمرة خطة بدأ تنفيذها قبل انطلاق العام الدراسي.
وأوضح أنه وضع منذ وقت مبكر برنامجًا واضحًا يقوم على تنظيم ساعات الدراسة والراحة، وتوزيع المواد بحسب درجة صعوبتها، مع الحرص على مراجعة الدروس بصورة مستمرة، وعدم السماح بتراكمها.
وأضاف أن الاستعداد المبكر منحه قدرة أكبر على التعامل مع ضغط الثانوية العامة، مشيرًا إلى أنه كان يحدد أهدافه الدراسية يوميًا، ويقيّم في نهاية كل يوم مدى التزامه بالخطة التي وضعها.
وقال: "بدأت التحضير قبل بداية العام الدراسي، وحرصت على الدراسة بصورة منتظمة. كنت أؤمن بأن الاستمرار وتنظيم الوقت أهم من الدراسة المتقطعة لساعات طويلة، لذلك حاولت أن أعطي كل مادة حقها، وألا أؤجل أي درس إلى وقت لاحق".
وأشار السباعي إلى أن تنظيم الوقت كان العامل الأبرز في تجربته، إذ ساعده على تخصيص وقت للمراجعة وحل المسائل والنماذج الامتحانية، إلى جانب الحصول على الراحة اللازمة، بعيدًا عن حالة القلق التي ترافق كثيرًا من الطلبة مع اقتراب الامتحانات.
دعم العائلة والأساتذة
ولم يفصل السباعي تفوقه عن الدور الذي أدته والدته وعائلته، مؤكدًا أن الدعم النفسي الذي تلقاه داخل المنزل وفر له الأجواء المناسبة لمواصلة الدراسة.
وقال: "كانت والدتي السند الأكبر لي، وكانت تتابع دراستي باستمرار، وتوفر لي الهدوء، وتشجعني في لحظات التعب والضغط. كما وقف والدي وأفراد عائلتي إلى جانبي، لذلك أرى أن هذه النتيجة ليست إنجازًا شخصيًا، بل هي نجاح للعائلة كلها".
وأضاف أن والدته ساعدته على تجاوز لحظات القلق والإرهاق، وكانت تذكره دائمًا بالهدف الذي بدأ من أجله، ولا سيما خلال الفترات التي شعر فيها بثقل الدراسة واقتراب الامتحانات.
كما أشاد السباعي بالدور الذي أداه أساتذته خلال العام الدراسي، مؤكدًا أنهم لم يكتفوا بتقديم المعلومات، بل تابعوا الطلبة وقدموا لهم التوجيه والدعم حتى الأيام الأخيرة التي سبقت الامتحانات.
وتابع: "كان لأساتذتي فضل كبير في هذا النجاح. ساعدوني على فهم المواد وطريقة التعامل مع الأسئلة، وقدموا لي النصائح التي احتجتها، وكانوا حريصين على تشجيعي وتعزيز ثقتي بنفسي".
غزة.. غصة في لحظة الفرح
ورغم مشاعر الفرح التي عاشها السباعي وعائلته بعد إعلان النتائج، فإن ما يشهده قطاع غزة ظل حاضرًا في حديثه، وألقى بظلاله على احتفاله بالتفوق.
وقال إن الفلسطيني لا يستطيع أن يعزل فرحته الشخصية عما يتعرض له أبناء شعبه، مؤكدًا أن غزة كانت الغصة التي رافقت فرحته بالنتيجة، خصوصًا مع المجازر المتواصلة وسقوط أعداد كبيرة من الشهداء.
وتزامن إعلان النتائج مع مشهد جنازة جماعية مهيبة في قطاع غزة، ضمت نحو 112 شهيدًا، ما جعل فرحة النجاح تختلط بالحزن على الضحايا وعائلاتهم.
وأضاف السباعي: "فرحت بالنتيجة، وفرحت عائلتي وأهل المخيم، لكن صور غزة لم تغب عنا. من الصعب أن تكتمل فرحتنا ونحن نرى أبناء شعبنا يودعون هذا العدد الكبير من الشهداء في جنازة واحدة".
ووصف مشهد الجنازة بأنه مؤلم لكل فلسطيني، مشيرًا إلى أن رؤية عشرات الجثامين مجتمعة دفعته إلى التفكير في أن النجاح لا ينبغي أن يبقى إنجازًا فرديًا، بل يجب أن يتحول إلى مسؤولية تجاه المجتمع والقضية الفلسطينية.
وقال: "هذه المشاهد تذكرنا بأن علينا النجاح من أجل شعبنا، وأن نحافظ على هويتنا وقضيتنا أينما كنا. أتمنى أن يكون تفوقي خطوة أستطيع من خلالها خدمة مجتمعي وأبناء شعبي في المستقبل".
متفوقون من مخيمات عدة
ولم يكن إنجاز السباعي الحالة الوحيدة، إذ سجل عدد من الطلبة الفلسطينيين معدلات مرتفعة، بينهم الطالبة بشرى رضوان خميس، من أبناء مخيم "السيدة زينب"، التي حصلت على 2393 علامة من أصل 2400.
كما حصل الطالب المنتصر بالله محمد خيرات، من أبناء مخيم "النيرب"، والمقيم في محافظة إدلب، والطالبة لين خالد، من أبناء مخيم "اليرموك"، على 2391 علامة لكل منهما.
وشملت قائمة المتفوقين الطالبة وعد نسيم حسين، من مخيم "خان دنون"، بمعدل 98.3 بالمئة، والطالب علاء عصام خفاجة، من درعا، والطالب إسماعيل سمير عوض، من مخيم "اليرموك"، بمعدل 97.5 بالمئة لكل منهما.
وحققت الطالبة بيسان أحمد محمد، من مخيم "خان دنون"، معدلًا بلغ 97.3 بالمئة، فيما حصل الطالب حمزة دهمان، من مخيم "اليرموك"، على معدل 97 بالمئة، بينما نال محمد معتصم عمايري، من المخيم ذاته، معدل 96.8 بالمئة.
وحصل الطالب عبد العزيز كلش على 2320 علامة من أصل 2400، فيما سجل الطالب أحمد ياسين محمد خير، من مخيم "حندرات" في حلب، معدلًا بلغ 96 بالمئة.
ولا تمثل هذه الأسماء إحصاءً نهائيًا للطلبة الفلسطينيين الناجحين والمتفوقين، إذ واصلت العائلات نشر نتائج أبنائها تباعًا عقب صدور النتائج الرسمية.
التعليم في مواجهة الظروف الصعبة
وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة بالنظر إلى الواقع الاقتصادي الذي تعيشه العائلات الفلسطينية في سوريا، وما يفرضه ذلك من أعباء مرتبطة بتكاليف الدروس والقرطاسية والمواصلات ومستلزمات الدراسة.
كما واجه الطلبة في عدد من المخيمات والتجمعات الفلسطينية صعوبات تتعلق بانقطاع الكهرباء وضعف خدمات الإنترنت، إلى جانب الضغط النفسي المرتبط بامتحانات الثانوية العامة، وأثر نتائجها في تحديد الاختصاص الجامعي.
ورغم هذه الظروف، أظهرت النتائج قدرة الطلبة الفلسطينيين على المنافسة والوصول إلى المراتب الأولى، مستندين إلى دعم عائلاتهم، وجهود أساتذتهم، وإصرارهم على مواصلة التعليم.
وتحمل قصص النجاح، بالنسبة إلى فلسطينيي سوريا، أبعادًا تتجاوز المعدلات الدراسية، إذ ينظر كثيرون إلى التعليم باعتباره وسيلة لحماية مستقبل الأجيال الجديدة، وتعزيز قدرتها على تجاوز آثار الحرب والنزوح والظروف المعيشية المتراكمة.
وبين فرحة التفوق وغصة غزة، جسد محمد سامر السباعي وزملاؤه نموذجًا لقدرة الطلبة الفلسطينيين على صناعة الأمل، في مخيمات ما تزال ترى في نجاح أبنائها إنجازًا جماعيًا، ورسالة تؤكد أن طريق العلم يبقى مفتوحًا رغم قسوة الظروف.




