نورا الهاشمية تكتب: كيف ربّى القرآن لسان العمانيين
نورا الهاشمية – شؤون وطنية
في أحد ليالي شوال العظيمة، وفي نوبة ضيق وملل، تذكرت مصحفي، ولقد فترت عن مواصلة القراءة يومها، لكني قلت في نفسي: سأستغل هذا الوقت لتدبر الآيات التي يفتحها الله عليّ. فتحت المصحف بصورة مفاجئة مرتين، وفي كل مرة تخرج لي قصة موسى عليه السلام؛ في الأولى خرجت لي سورة الإسراء في الصفحة قبل الأخيرة، وفي المرة الثانية خرجت لي بدايات سورة القصص. وكنت قد سألت الله أن يكشف لي من أسرار القرآن لشدة ولعي بها، فسبحان الله، وقفت عند قوله تعالى في الآية 29 من سورة القصص: “فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله…”.
وأثناء تدبري لهذه الآية، رجعت إلى تفسير الجلالين، فوجدت تفسيرًا عجيبًا لكلمة “أهله”، حيث بيّن أنها تعني: زوجته. فاستوقفتني هذه اللفظة البسيطة في ظاهرها، العميقة في دلالتها، وكيف أن القرآن الكريم يستخدمها في سياق راقٍ يجمع بين المعنى والحياء.
وعندما تعمقت في البحث كثيرا ،وجدت كلام الكثير من الأدباء العرب مثل الخليل بن أحمد الفراهيدي، بل زيادة على ذلك، وجدت أن كلمة الأهل ويقصد بها الزوجة وردت في قصتين أخريتين، وهي قصة سيدنا إبراهيم وقصة سيدنا يوسف. ففي سورة يوسف وعلى لسان امرأة العزيز، يقول الله تعالى: (ما جزاء من أرادَ بِأهلِكَ سوءًا) أي بزوجتك.
وعن إبراهيم(عليه السلام) وفي قصته يقول الله تعالى: (فراغَ إِلَى أهْلهِ فَجاء بِعجْل سمينٍ)
علما أنه ليس مع إبراهيم غير زوجته. فهذه ثلاث مواضع في القرآن الكريم، ذكرت فيها لفظة الأهل كإشارة مجازية للزوجة.
ومن هنا تذكرت عادة متجذّرة في مجتمعنا العماني، حيث يعبر الرجل عن زوجته بلفظ “أهلي”، فيقول: “أنا مع أهلي”، دون أن يصرّح بلفظ “زوجتي”، وذلك حياءً ورفعة في التعبير. وهذا الأسلوب ليس مجرد عادة اجتماعية، بل هو امتداد حيّ للغة القرآن الكريم، التي تأدب بها الناس عبر الأجيال.
إن استخدام لفظ “أهله” يحمل في طياته معاني الستر، والاحترام، والخصوصية، ويعكس فهماً عميقًا لقيم الحياء التي دعا إليها الإسلام. بل وقد يكون في هذا التعبير نوع من الحماية المعنوية، حيث لا يُعرّف الرجل زوجته تعريفًا مباشرًا أمام الآخرين، صونًا لها من أعين أو ألسنة قد لا تراعي حدود الأدب.
وهكذا، حين نتأمل في ألفاظنا اليومية، نجد أن كثيرًا منها مستقى من نور القرآن الكريم، حتى وإن لم نشعر بذلك. فهذه اللغة التي ننطق بها، وهذه العادات التي نمارسها، إنما هي امتداد لذلك النبع الصافي الذي لا ينضب.
وفي ختام هذا التأمل، فإن ما نلمسه من ارتباط عاداتنا العمانية بألفاظ القرآن ومعانيه، يدعونا إلى التمسك بهذه التقاليد الأصيلة التي لم تأتِ عبثًا، بل هي امتداد لجذور عميقة ضاربة في ديننا وثقافتنا. إن من واجبنا كعمانيين أن لا نكتفي بممارستها، بل أن نبحث في أصولها ومعانيها، لندرك قيمتها الحقيقية، ونزداد بها اعتزازًا وفخرًا.
كما تقع على عاتقنا مسؤولية عظيمة في نقل هذا الإرث إلى أبنائنا وأحفادنا، بتعليمهم هذه العادات، وشرح دلالاتها، وربطها بهويتهم الإسلامية والعمانية. فبقدر ما نغرس فيهم هذا الفهم، نضمن استمرار هذا النور جيلاً بعد جيل.
فلنعتز بعاداتنا، ولنتفاخر بها، ولنحرص على نشرها بين الناس، لا على أنها مجرد موروث، بل على أنها قيم نبيلة مستمدة من نور القرآن، تحفظ للمجتمع توازنه، وتصون له هويته. فسبحان من جعل في تراثنا هذا الجمال، والحمد لله الذي هدانا للتمسك به.





