... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
36207 مقال 232 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 7895 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ ثانية

نقاش مع وفيق صفا: حين يصبح الثّأر سياسة

العالم
مركز بيروت للأخبار
2026/03/27 - 15:29 501 مشاهدة

أيمن جزيني

ليست من السهل محاورة “الحزب” في لحظة حرب، لأنّ اللغة نفسها تصبح جزءاً من المعركة، ولأنّ المفاهيم مثل الدولة، السيادة، المقاومة، والمجتمع، تُعاد صياغتها تحت ضغط الدم والنار. لكنّ ما قاله مسؤول وحدة الارتباط والتنسيق السابق وعضو المكتب السياسيّ لـ”الحزب” وفيق صفا لا يمكن أن يمرّ كتصريح عابر في سياق إعلاميّ، بل هو بمنزلة إعلان سياسيّ ـ ثقافيّ مكتمل: نحن في حرب، نحن أصحاب المبادرة، ونحن دخلناها أيضاً “ثأراً” لمرجعيّة تتجاوز لبنان، وهي بالتحديد قائد الثورة والجمهوريّة في إيران السيّد علي خامنئي.

 

ما معنى “الثأر” في السياسة؟ وما معنى أن يكون موضوعه مرجعاً دينيّاً ـ سياسيّاً خارج الكيان اللبنانيّ؟ هكذا لا يعود تقنيّاً النقاش في السلاح أو الاستراتيجية الدفاعيّة، بل يصبح سوسيولوجيّاً: كيف تعيش جماعة داخل دولة، وهي تحمل في وعيها السياسيّ مرجعيّة خارجها؟ كيف تُعرّف نفسها؟ هل هي جزء من كيان وطنيّ أم جزء من أمّة أوسع تتجاوز الحدود؟

الثّأر كفكرة سياسيّة… والولاء المُركّب

عند “الحزب” ليست عبارة “الثأر” انفعالاً، بل اختزال لعقيدة. في هذا السياق، لا يعني الثأر انتقاماً شخصيّاً، بل استعادة توازن أخلاقيّ مختلّ، ممتدّ في الوعي الشيعيّ من كربلاء إلى الحاضر. مع الثورة الإيرانيّة سنة 1979، اكتسب هذا المعنى بعداً سياسيّاً: “الوليّ الفقيه” لم يعد مرجعاً دينيّاً فقط، بل قائد لمشروع سياسيّ. والدفاع عنه يصبح دفاعاً عن قضيّة، والثأر يتحوّل إلى التزام.

بهذا المنطق، لا يرى “الحزب” نفسه خارج الدولة، بل منخرط في معركة أوسع منها. لكنّ ما يصلح عقيدةً، لا يستقرّ سياسةً في كيان تعدّديّ لأنّ العقيدة، حين تتجاوز الحدود، تصطدم حتماً بمن لا يشاركونها. السؤال هنا ليس أخلاقيّاً، بل سياديّ: هل يمكن لمرجعيّة دينيّة ـ سياسيّة عابرة للحدود أن تنتج قراراً لبنانيّاً جامعاً؟

عمليّاً، لا تُفهم الخيارات السياسيّة من دون جذورها التاريخيّة والاجتماعيّة. الطائفة الشيعيّة في لبنان دخلت الدولة من موقع الحرمان، لا الشراكة. تهميش طويل جعل الدولة إطاراً ناقصاً، لا ملاذاً كاملاً. في هذا الفراغ، نشأت الحاجة إلى قوّة بديلة تحمي، تمثّل، وتمنح معنى. مع صعود حركة أمل الشيعيّة، ثمّ “الحزب”، لم تُملأ الحاجة فقط، بل أُعيد تعريفها ضمن أفق أوسع عزّزته الثورة الإيرانيّة.

هكذا تشكَّل “الولاء المُركّب”: انتماء إلى دولة لا تكفي، وانتماء إلى محور يمنح الاكتمال. ليس هذا ازدواجاً عابراً، بل تركيب تاريخيّ عميق. كلّما تعزّز أحد الولاءين، تراجع الآخر، وهذا ما يجعل الأزمة مستمرّة على مستوى البنية.

الحزب” داخل الدولة، لكنّه ليس منها بالكامل. يشارك في مؤسّساتها، ويحتفظ باستقلاله. هذه الازدواجيّة تمنحه قوّة، لكنّها تُفرغ الدولة

اللّغة كجبهة قتال موازية

حين يقول صفا إنّ “الحزب لم يخدع الدولة”، يجيب على سؤال قانونيّ بلغة سياسيّة. الدولة، وفق هذا المنطق، كانت على علم، أو على الأقلّ لم تُفاجأ. لكنّ السؤال الأعمق ليس علم الدولة، بل امتلاكها القدرة على القرار.

يبسّط سؤال “هل خُدعت الدولة؟” ما لا يُبسَّط. الدولة التي يمكن خداعها هي دولة تملك قرارها. أمّا هنا فالدولة لا تُخدع بل تُزاح. حين ينفي “الحزب” الخداع، يؤكّد ضمناً أنّ الدولة لم تكن مرجعيّة القرار. كانت حاضرة هيكلاً غائبة سلطةً، ودولة يمكن تجاوزها من دون كلفة فوريّة هي دولة فقدت احتكارها للسيادة، حتّى لو احتفظت بمؤسّساتها. هنا السؤال ليس قانونيّاً، بل وجوديّ.

هذا لا يجعل كلام صفا ومن قبله وبعده “الحزب” إشكاليّاً لأنّه يتضمّن مغالطة، بل لأنّه يتجاوز النقطة الأساسيّة: الدولة ليست شريكاً في القرار، بل إطار يُستدعى عند الحاجة ويُعلّق عند الحاجة. لكنّ الذروة في تصريحاته ليست هنا. الذروة هي في العبارة التي تكاد تمرّ كأنّها تفصيل: “نفتخر بأنّنا دخلنا الحرب ثأراً لخامنئي بوصفه مرجعاً روحيّاً وسياسيّاً”. هذه الجملة وحدها تفتح باباً على سؤال وجوديّ في لبنان.

من حرب الآخرين إلى حربنا نحن

حين كتب الراحل غسّان تويني عن “حرب الآخرين على أرضنا”، كان يرى لبنان ضحيّة صراع. اليوم لم يعد لبنان ساحة وحسب، بل طرف جزئيّ في إنتاج الحرب. التحوُّل دقيق لكن عميق: “الآخر” لم يعد خارجيّاً بالكامل، بل متداخل مع الداخل، والحرب لم تعد مفروضة فقط، بل مختارة، ولو من طرف واحد.

هنا تتبدّل المأساة: ما يُفرض يمكن مقاومته، وأمّا ما يُختار فيقسم البلد. لم يعد لبنان ضحيّة موقعه فقط، بل ضحيّة تعريفه لنفسه. في الحروب غير المتكافئة، يكفي ألّا ينتصر العدوّ. لكنّ هذا التعريف يتجاهل الكلفة الحقيقيّة، والحرب تُقاس أيضاً بما تتركه: اقتصاد منهك، مجتمع متعب، وبنى تتفكّك. هذه ليست نتائج جانبيّة، بل جوهر الثمن.

ليست الإشكاليّة في شرعيّة الفعل، بل في عدالة كلفته. حين يُتّخذ القرار في مستوى، وتُدفع تبعاته في مستوى آخر، ينكسر التوازن. لا فكرة تصمد طويلاً إذا كانت كلفتها غير عادلة. ليس السلم الأهليّ في لبنان حالة مستقرّة، بل توازن هشّ. وجود قوّة خارج إطار الدولة، مهما كانت منضبطة، يُبقي هذا التوازن معلّقاً.

لم تعد المشكلة في لبنان من يملك السلاح، بل من يملك تعريف البلد. كلّ الحروب في لبنان تنتهي، لكنّ السؤال الذي يسبقها يبقى: من يقرّر لمن تكون هذه الأرض؟

ليست المشكلة في النوايا، بل في القاعدة: ميزان قوّة مختلّ يعني احتمال انفجار دائم. لا يقوم الاستقرار على التعهّد، بل على الاحتكار: احتكار القرار الأمنيّ. وما دام القرار موزّعاً، يبقى السلم مؤقّتاً

“الحزب” داخل الدولة، لكنّه ليس منها بالكامل. يشارك في مؤسّساتها، ويحتفظ باستقلاله. هذه الازدواجيّة تمنحه قوّة، لكنّها تُفرغ الدولة. لبنان هنا لا ينهار، بل يُستنزَف. يبقى قائماً، لكنّ قراره منقوص. هذا أخطر من الغياب لأنّه يُنتج وهماً بالاستقرار. لا يمكن لنظام أن يستقرّ إذا كانت قواعده مزدوجة. التعدّد في القرار لا يخلق توازناً بل شللاً.

الحرب كهُويّة: حين يصبح الصّراع تعريفاً للذّات

في تجربة “الحزب”، الحرب ليست حدثاً، بل معنى. الحرب تتحوّل إلى سرديّة: صمود، تضحية، وكرامة. تُبنى حولها هويّة، لا ذاكرة وحسب. تفسّر هذه القوّة الرمزيّة الاستمرار لأنّ ما يُدافع عنه ليس أرضاً فقط، بل معنى للوجود. لكنّ هذا التحوُّل يحمل مفارقة: حين تصبح الحرب هويّة، يصبح الخروج منها تهديداً لهذه الهويّة. هكذا لا تعود الحرب استثناءً، بل حالة قابلة للاستمرار.

ليست الأزمة في من يملك السلاح، بل في ما يُعرّف به لبنان نفسه: لبنان الدولة مرجعيّة واحدة، قرار واحد، سيادة واحدة، أو لبنان المحور: تعدّد في المرجعيّات وانخراط في صراع أوسع. بين هذين التعريفين تدور كلّ المعارك العسكريّة، والسياسيّة، والثقافيّة. السؤال الذي يبقى ليس من انتصر، بل أيّ تعريف صمد، لأنّ الأوطان لا تُقاس فقط بحدودها، بل بالمعنى الذي تنتصر له.

لم تعد المشكلة في لبنان من يملك السلاح، بل من يملك تعريف البلد. كلّ الحروب في لبنان تنتهي، لكنّ السؤال الذي يسبقها يبقى: من يقرّر لمن تكون هذه الأرض؟

The post نقاش مع وفيق صفا: حين يصبح الثّأر سياسة appeared first on Beirut News Center.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤