شكلت رواية “نهم” للكاتب السوري شكيب الجابري، عند صدورها عام 1937، محطة مهمة في تطور الرواية السورية آنذاك، حيث عدّها الكثير من النقاد من الروايات السورية الأولى التي أخذت بناءها الفني الكامل، لما حملته من بناء مختلف عن السرد التقليدي، كما أنها خرجت خلال أحداثها من البيئة السورية والعربية إلى المحيط الأوروبي.
تدور أحداث الرواية حول الشخصية المحورية إيفان كوزاروف، ذاك الرجل من الأصول الشركسية، إذ يجمع بين الثراء والوسامة وروح المغامرة، حتى بات يعيش متنقلًا بين المدن الأوروبية، من جنيف إلى برلين وغيرها، ويقضي حياته في ملاحقة النساء والدخول في علاقات عاطفية، وكأنه يسعى إلى إشباع رغبة لا تعرف الاكتفاء، وهو ما يفسر لجوء الجابري إلى عنوان “نهم”.
الجابري رسم بطله كشخصية تحاول أن تملأ فراغها الداخلي بالتنقل الدائم والتجارب المتلاحقة، ومع كل علاقة جديدة، يكتشف إيفان أن ما يطارده لا يمنحه الطمأنينة التي يبحث عنها، لتتحول الرحلة من مغامرات عاطفية إلى رحلة في أعماق الذات.
يتغير مسار الأحداث حين تصل إلى إيفان رسالة من وطنه تخبره بأن والده يحتضر، فيقطع رحلته ويعود، ليجد نفسه الوريث الوحيد لأموال العائلة وأعمالها، لكن العودة لا تنهي اغترابه، إذ يقرر السفر مجددًا إلى أوروبا، حيث يكمل ما تبقى من دراسته ويغلق صفحات حياته السابقة، في محاولة لبدء مرحلة جديدة.
وفي القسم الأخير من الرواية، يبتعد البطل عن حياة اللهو التي لازمته طويلًا، ويلتحق بالثوار الإسبان في مواجهة قوات الجنرال فرانكو خلال الحرب الأهلية الإسبانية، وهناك يلتقي امرأة إسبانية يقع في حبها، لتأخذ حياته منحى مختلفًا، وعندما تسأله عن سبب ولعه بالنساء، يتردد قبل أن يجيب، وكأن السؤال يدفعه إلى مواجهة نفسه للمرة الأولى، فيدرك أن ما كان يطارده طوال حياته لم يكن النساء وحدهن، بل رغبة لا تهدأ في البحث عن معنى يملأ ذلك الفراغ الداخلي.
ومن خلال رحلة إيفان، يطرح الجابري أسئلة تتجاوز الحكاية الشخصية، إذ يستخدم تجربة بطله في أوروبا لاستكشاف العلاقة بين الشرق والغرب، وما يرافقها من انبهار واغتراب وصراع بين القيم.
اعتمد الكاتب في بناء روايته على الرسائل والاسترجاع الزمني، وهو أسلوب لم يكن مألوفًا في الرواية العربية آنذاك، الأمر الذي منح العمل بنية سردية مختلفة عن كثير من الأعمال التي سبقته، وأسهم في ترسيخ مكانته ضمن البدايات المهمة للرواية السورية الحديثة.
شكيب الجابري
شكيب الجابري (1912-1996) روائي ومهندس وسياسي سوري، ولد في مدينة حلب لأسرة عريقة عُرفت بحضورها السياسي والوطني.
تلقى تعليمه في لبنان، قبل أن ينتقل إلى جنيف، حيث نال دبلومًا في الهندسة الكيميائية، ثم تابع دراسته في ألمانيا وحصل على الدكتوراة في العلوم الفيزيائية، دون أن ينقطع عن نشاطه السياسي المناهض للانتداب الفرنسي.
وبعد عودته إلى سوريا شغل مناصب حكومية ودبلوماسية عدة، وكتب أربع روايات هي “نهم”، “قدر يلهو”، “قوس قزح”، و”وداعًا يا أفاميا”.





