شفق نيوز/ بغداد - البصرة - واسط - بابل
تحت لهيب درجات الحرارة التي تجاوزت الخمسين درجة مئوية في عدد من المحافظات العراقية خلال شهر آب/ أغسطس الجاري، تدخل بساتين النخيل ذروة موسم نضوج التمور، في مشهد يعكس قدرة هذه الشجرة التاريخية على التكيف مع البيئة الصحراوية، لكنه يكشف في الوقت نفسه حجم التحديات التي يفرضها التغير المناخي وشح المياه على آلاف المزارعين.
ويأتي الموسم الحالي وسط توقعات بارتفاع إنتاج التمور في العراق إلى أكثر من 850 ألف طن، مع استمرار الزخم التصديري الذي يقترب من 700 ألف طن سنوياً، الأمر الذي يعزز مكانة التمور بوصفها إحدى أهم الصادرات الزراعية غير النفطية في البلاد.
ويؤكد مختصون أن شهر آب/ أغسطس يمثل المرحلة الحاسمة في دورة حياة التمور، إذ تتحول الثمار من مرحلتي "الخلال" و"البسر" إلى "الرطب" ثم "التمر"، وهي مرحلة تحتاج إلى درجات حرارة مرتفعة لاكتمال النضج وارتفاع نسبة السكريات وتحسن الجودة.
وفي هذا السياق، يقول الخبير الزراعي جاسم محمد، في تصريح لوكالة شفق نيوز، إن ارتفاع درجات الحرارة خلال شهر آب/ أغسطس يعد عاملاً طبيعياً ومهماً في إنضاج معظم أصناف التمور العراقية، لا سيما "الزهدي" و"الخستاوي" و"البرحي" و"الخضراوي".
ويوضح أن هذه الأصناف تحتاج إلى أجواء حارة وجافة لإكمال مراحل النضج والوصول إلى المواصفات المطلوبة للتسويق المحلي والتصدير.
ويضيف أن موجات الحر الحالية، رغم أهميتها، تتحول إلى عامل ضغط كبير عندما تتزامن مع انخفاض مناسيب المياه، إذ ترتفع حاجة أشجار النخيل إلى الري، وتزداد احتمالات تعرض الثمار للإجهاد الحراري أو التساقط المبكر، داعياً إلى توسيع استخدام تقنيات الري الحديثة وتعزيز برامج الإرشاد الزراعي لحماية البساتين.
ويشير محمد إلى أن العراق ما يزال يحتفظ بمكانة عالمية متقدمة في زراعة النخيل، إذ يضم أكثر من 22 مليون نخلة، ليحتل المرتبة الأولى عالمياً من حيث عدد أشجار النخيل، فيما يأتي رابعاً في إنتاج التمور، وهي مؤشرات تؤكد أهمية هذا القطاع في دعم الاقتصاد الوطني وتنويع مصادر الدخل.
ومن محافظة واسط، يلفت المزارع جبار الحجامي في حديثه لوكالة شفق نيوز، إلى أن بساتين المحافظة تواجه هذا الموسم "تحدياً كبيراً" بسبب ارتفاع درجات الحرارة ونقص الإطلاقات المائية، إلا أن خبرة الفلاحين في إدارة الري أسهمت في الحفاظ على المحصول، متوقعاً أن يكون الإنتاج أفضل من الموسم الماضي.
ويبين أن الفلاحين باتوا يعتمدون على تنظيم أوقات السقي خلال ساعات الليل والصباح الباكر لتقليل تأثير الحرارة، مؤكداً أن استمرار شح المياه يبقى التحدي الأكبر الذي يهدد مستقبل البساتين.
أما المزارع حيدر الربيعي من محافظة بابل، فيوضح في حديثه لوكالة شفق نيوز أن حرارة آب الخمسينية تعد "سيفاً ذا حدين"، فهي تسرّع نضوج أصناف "الزهدي" و"الخستاوي"، لكنها في المقابل ترفع استهلاك أشجار النخيل للمياه في وقت تعاني فيه الجداول والأنهار من انخفاض مناسيبها.
ويدعو الربيعي إلى توفير دعم حكومي أكبر للمزارعين، سواء عبر مستلزمات الري أو برامج مكافحة الآفات الزراعية، للحفاظ على جودة الإنتاج وتقليل الخسائر.
وفي البصرة، يقول المزارع علي حسين لوكالة شفق نيوز، إن بساتين شط العرب تواجه تحديات مضاعفة تتمثل بارتفاع درجات الحرارة، وزيادة نسب الملوحة، وتراجع الحصص المائية، مبيناً أن النخيل ما يزال يعطي إنتاجاً جيداً بفضل خبرة المزارعين، لكنه يحتاج إلى دعم في مجالات التسويق والكبس والخزن المبرد.
ويضيف أن البصرة تمتلك أصنافاً مميزة تحظى بطلب كبير في الأسواق الخارجية، إلا أن ضعف البنى التحتية الخاصة بالتعبئة والتخزين يؤدي أحياناً إلى خسارة جزء من المحصول.
من جانبه، يؤكد عضو الجمعيات الفلاحية العراقية عباس علي، في تصريح لوكالة شفق نيوز، أن قطاع التمور يشهد تعافياً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، مبيناً أن الإنتاج السنوي تجاوز 850 ألف طن، مع استمرار ارتفاع أعداد أشجار النخيل في مختلف المحافظات.
ويوضح أن العراق يتمتع بقدرة تصديرية كبيرة، إذ يجري توجيه نحو 700 ألف طن من التمور إلى الأسواق العربية والعالمية، ما يجعل التمور في مقدمة الصادرات الزراعية غير النفطية، ويسهم في توفير إيرادات مهمة للاقتصاد الوطني.
وتتوافق هذه المؤشرات مع بيانات وزارة الزراعة، التي أكدت أن العراق يحتل المرتبة الأولى عالمياً بعدد أشجار النخيل، والرابعة في إنتاج التمور، بعد أن سجل نمواً متواصلاً في الإنتاج والصادرات خلال الأعوام الأخيرة، نتيجة برامج دعم المزارعين والتوسع في عمليات التصدير.
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، يواجه القطاع تحديات كبيرة، أبرزها شح المياه الناتج عن انخفاض الإيرادات المائية، وارتفاع نسب الملوحة، وزيادة كلف مكافحة الآفات الزراعية، فضلاً عن محدودية المخازن المبردة ومراكز التعبئة الحديثة، واستمرار التجاوزات العمرانية التي تقلص مساحة البساتين.
ويرى مختصون أن مواجهة هذه التحديات تتطلب الإسراع في تطبيق مشاريع الري الحديث، وتوسيع شبكات البزل، وإنشاء مراكز متطورة للتعبئة والتغليف والخزن، وتقديم قروض ميسرة للمزارعين، فضلاً عن تشديد الإجراءات القانونية لحماية بساتين النخيل من التجريف والتجاوزات.
ومع استمرار لهيب آب/ أغسطس، تتدلى عذوق التمور في البساتين العراقية إيذاناً بموسم حصاد جديد، يراهن عليه آلاف المزارعين لتعويض سنوات الجفاف والتحديات المناخية.
وبينما تتسابق المحافظات لإكمال عمليات الجني والتسويق، تبقى النخلة العراقية رمزاً للعطاء والصمود، وثروة اقتصادية وتراثية تعكس هوية البلاد الزراعية، فيما يعول المختصون على استمرار دعم هذا القطاع للحفاظ على مكانة العراق بين كبار منتجي ومصدري التمور في العالم.





