تبدأ رواية "شارع الكاميليا" للكاتبة الإسبانية الكاتالونية ميرسي رودوريدا بصورة تبدو آتية من حكاية خرافية: طفلة رضيعة متروكة عند بوابة منزل في برشلونة، وورقة مثبتة إلى ثيابها تحمل اسما ناقصا: "سيسيليا سي". وفي الليلة نفسها، تزهر نبتة صبار عاشت بلا تربة تقريبا، بعدما مدّت جذورها سرًا داخل شق في جدار قديم. زهرة واحدة تظهر ليلا، ثم تعود كل سنة في ذكرى العثور على الطفلة.
في هذه الصورة الأولى تختصر رودوريدا شيئا أساسيا من عالم روايتها: حياة تنبت في المكان الخطأ، وتجد مع ذلك وسيلة غامضة للاستمرار.
صدرت الرواية في الأصل عام 1966، ونالت "جائزة سانت جوردي"، إحدى أبرز الجوائز الأدبية الكاتالونية. وها هي تعود اليوم إلى القارئ الفرنسي بترجمة جديدة أنجزها إدمون رايار، وصدرت في باريس عن دار "زولما"، في سياق إعادة اكتشاف صوت من أهم أصوات الأدب الكاتالوني في القرن العشرين.
تروي سيسيليا حياتها بنفسها، من الطفولة إلى النضج، لكن البحث عن الوالدين اللذين تخليا عنها يظل جرحها الأول.
النساء اللواتي يترددن على بيت الزوجين اللذين تبنياها، يختلقن لها آباء وأمهات محتملين: مجرم، موسيقي، ثري فاسد، امرأة من النبلاء، خادمة فقيرة. ومع كل حكاية تتشكل في خيال الطفلة هوية مؤقتة، ثم تنهار لتحل محلها أخرى. ومن هنا تنشأ إحدى الحركات العميقة للرواية: سيسيليا تبحث باستمرار عمن يخبرها من تكون.
المدينة جسد اجتماعي تقرأ بطلة الرواية طبقاته بقدميها
في طفولتها، تهرب من المنزل بحثا عن أبيها. ترى رجلا يمسك بيد ابنته، فتمسك بيده هي أيضا، كما لو أن مجرد وجود أب إلى جانب طفلة كاف كي تتخيله أباها. وحين تعود إلى البيت، تقف أمام المرآة، تنظر إلى شعرها المسترسل وتقارنه بضفائر الفتاة الأخرى.
الجسد والهوية
منذ تلك اللحظة يصبح الجسد نفسه سؤالا عن الهوية. ويتكرر هذا السؤال لاحقا أمام المرايا، ومع الرجال، وفي الملابس والحلي والأمكنة التي تسكنها. كأن سيسيليا لا تمتلك صورة ثابتة لنفسها، فتبحث عنها في نظرات الآخرين.
تمر الحرب الأهلية الإسبانية في الرواية بطريقة تكشف خصوصية سرد رودوريدا. فسيسيليا لا تقدم تحليلا سياسيا للحرب. ذاكرتها تحتفظ فقط بأصوات صفارات الإنذار، بالخوف الذي تراه على وجوه الكبار، بنقص السكر، بالكنيسة المحترقة، وبتمثال قديسة متفحم تعثر عليه بين الأنقاض.
في الوقت نفسه، يتزامن القصف مع بلوغها الجنسي واكتشاف دم الحيض. يدخل التاريخ والجسد إلى حياتها معا، فيختلط الخوف بالرغبة، والدم الشخصي بدم العالم.
هذا المزج بين التاريخ الكبير والتفصيل الحسي من أسرار قوة رودوريدا. فبرشلونة موجودة في الرواية عبر الشوارع والمقاهي والحدائق والترام والأحياء الفقيرة والمنازل البرجوازية، أكثر مما تظهر عبر الوقائع السياسية المباشرة.
المدينة جسد اجتماعي تقرأ سيسيليا طبقاته بقدميها، وحين تهرب مع أوسيبي، تنتقل من بيت تحيط به الزهور إلى كوخ في حي فقير. هناك تبدأ مرحلة جديدة من حياتها يصير البؤس فيها ماديا وفجا: سقف تتسرب منه المياه، طين، غبار، جوع، وأشياء مسروقة تساعد في البقاء. ومع ذلك، تزرع سيسيليا أزهارا أمام الكوخ، وتحتفظ بمظلة بنفسجية جميلة لا تستخدمها في الخارج.
الهشاشة
الزهور في "شارع الكاميليا" تتجاوز الزينة الروائية. إنها لغة موازية للسرد. الكاميليا، والورد، والسوسن، والبنفسج، والصبار، والزيزفون ترافق مراحل حياة سيسيليا. والأزهار شديدة الهشاشة، تحتاج إلى الماء والعناية، لكنها تملك قدرة عنيدة على الظهور في الأماكن الأكثر قسوة.
حتى الكاميليا التي تمنح الرواية عنوانها توصف كزهرة تكاد تكون بلا ساق، ملتصقة بالغصن "كأنها ميتة". شيئا فشيئا، وبعد أوسيبي، تتحول حياة سيسيليا إلى سلسلة من العلاقات التي تمنحها مأوى، ثم تحوّل المأوى إلى قيد. أندريس، كوسمي، مارك وغيرهم: تتغير الأسماء والبيوت والطبقات الاجتماعية، فيما تتكرر علاقة تقوم على اعتماد امرأة بلا عائلة ولا مال على رجل يملك شيئا تحتاج إليه.
ومن أجمل الجمل التي تختصر هذه المفارقة قول سيسيليا، بعد أكثر من عامين من العيش مع كوسمي، إنها كادت تعتاد حياتها معه، ثم وجدت فجأة أن اعتيادها نفسه أصبح أمرا لا يحتمل. إنها لحظة بالغة الدقة في رسم آليات الارتهان: الخطر الحقيقي يبدأ عندما يصبح السجن مألوفا.
تبلغ هذه الآليات أقصى عنفها مع مارك. فهو يتعامل مع سيسيليا بوصفها مادة قابلة لإعادة الصنع: سيغيّرها، يلبسها وينزع عنها الملابس، يجعلها تضحك ويبكيها، حتى عبارته التي تبدو في البداية وعدا بحياة جديدة تحمل منذ لحظتها الأولى مشروع امتلاك. وحين تقاوم هذا المشروع، يصفعها، فتأتي الصفعة كأنها الترجمة الجسدية لما كان كامنا في العبارة منذ البداية.
يتحول جسد سيسيليا تدريجيا إلى مساحة يتصرف فيها الآخرون. وتدخل الرواية في صفحات شديدة القتامة حين تفقد سيسيليا السيطرة على وعيها، وسط الكحول والمهدئات والرجال الذين يزورونها.

العنف
لا تصف رودوريدا العنف بلغة تقريرية، بل تجعله يصل إلينا من داخل وعي مشوش: ألسنة نار، مقبرة، ملائكة، برد بين الفخذين، أصوات تأمرها بالنوم. وحين تسأل ماذا يفعلون بها ليلا، لا تحصل إلا على الإنكار. بعدها تجرح معصمها وتكتشف أنها حامل.
الخطر الحقيقي يبدأ عندما يصبح السجن مألوفا
هنا تظهر براعة رودوريدا الأسلوبية في ذروتها. فصوت سيسيليا يحتفظ بشيء من طفولة لم تنته تماما. إنها ترى قبل أن تفسر، وتربط الأشياء وفق منطق الصور والروائح والألوان. لذلك تبدو أبشع الوقائع أحيانا كأنها تمر عبر حلم. وهذه المسافة بين براءة اللغة وقسوة ما تصفه تمنح الرواية عنفا استثنائيا.

الجسد حاضر باستمرار: الشعر، اليدان، الدم، الفخذان، الثديان، الأذنان، الجلد. ومنذ طفولتها تتعلم سيسيليا أن الآخرين ينظرون إلى جسدها ويحكمون عليه، ثم تكتشف تحولاته أمام المرآة وتشعر للحظة بأنها عاشقة الصورة التي تراها. بعد ذلك سيصبح هذا الجسد مصدرا لرغبة الرجال، ووسيلة للكسب، ومكانا للألم، قبل أن تحاول استعادته بوصفه ملكا لها.
لهذا يمكن قراءة "شارع الكاميليا" كرواية عن الطبقة الاجتماعية بقدر ما هي رواية عن المرأة. فسيسيليا تنتقل من الأكواخ إلى الشقق والمطاعم والسيارات والملابس الفاخرة، لكن هذا الانتقال لا يمحو هشاشتها. المال يغير شكل القفص، وأحيانا يجعله أكثر أناقة.
وحين تصل أخيرا إلى قدر من الاستقلال المادي، يصبح امتلاك مكان خاص بها فعلا بالغ الدلالة. تشتري عقارا، تمتلك سيارة وسائقا، وتبدأ بجمع تماثيل الملائكة. لكن ملائكتها خشبية، متآكلة، وبعضها بلا يدين، واقفة في الظلام وغير قادرة على الطيران. إنها صورة تكاد تختصر سيسيليا نفسها: كائنات جميلة ومجروحة، تحمل هيئة التحليق وتظل مربوطة بالأرض.
لذلك، لا تسير الرواية نحو خلاص تقليدي. الماضي يواصل العودة، كما يعود كوسمي ذات ليلة في هيئة رجل محطم بالكاد تتعرف سيسيليا إليه. وهي نفسها تستمر في البحث عن أصل الحكاية، حتى تصل إلى الحارس الذي وجدها رضيعة.
عندئذ تحدث المفاجأة الأخيرة. الاسم الذي بنت حوله جانبا من لغز هويتها لم يكن الرسالة السرية التي تركها أب أو أم. الحارس هو الذي كتبه. كان في طفولته يحب فتاة تدعى سيسيليا ماتت صغيرة، وحين وجد الرضيعة خطر له أن يمنحها الاسم مرتين: "سيسيليا سيسيليا". أفزعته نافذة فُتحت فجأة، فسقط القلم قبل أن يكمل الاسم.
وفجأة يتغير معنى الرواية كلها. تكتشف سيسيليا أن الهوية التي أمضت حياتها تبحث عن أصلها بدأت من مصادفة. حتى اسمها، العلامة التي يفترض أن تربط الإنسان بأصله، جاء من ذكرى رجل غريب عن طفلة ميتة. وفي المشهد الأخير تروى حكاية العثور عليها من الجهة الأخرى: الحارس يحمل الرضيعة، يهمس باسمها، ثم يتركها عند البوابة المحاطة بالكاميليا.
مصير امرأة تعبر الحرب والفقر والحب والاستغلال والدعارة والعنف والثراء، وتحافظ وسط ذلك كله على رغبة غامضة في الحياة
تعود الرواية إذن إلى المكان الذي بدأت منه، لكن سيسيليا التي تعود إليه ليست الطفلة التي غادرته. بحثها عن الأصل انتهى إلى اكتشاف أن الأصل نفسه قد يكون فراغا، وأن الإنسان يضطر أحيانا إلى بناء حياته فوق هذا الفراغ.

من هنا تأتي فرادة "شارع الكاميليا". رودوريدا تكتب مصير امرأة تعبر الحرب والفقر والحب والاستغلال والدعارة والعنف والثراء، وتحافظ وسط ذلك كله على شيء يصعب تسميته: رغبة غامضة في الحياة، تشبه الصبار الذي يمد جذوره داخل شق في الجدار.
وربما لهذا اختارت الكاتبة أن تبدأ روايتها بزهرة. فقبل أن نعرف شيئا عن سيسيليا، نعرف أن نبتة كان يفترض أن تموت وجدت في الطوب والملاط ما يكفي كي تعيش، ثم أزهرت في الليل. تلك الزهرة ليست وعدا بالسعادة. إنها صورة أكثر تواضعا وأشد قوة: إمكان الاستمرار حين لا تكون شروط الحياة نفسها متوافرة. وهذا، في العمق، ما تفعله سيسيليا طوال الرواية.





