مذكرات مهمش (5).. الروضة / عمر بدور
المصدر: سواليف | Source: سواليفمذكرات مهمش (5)
الروضة
بقلم: عمر بدور
لم ينسَ صاحبنا المهمش ذلك اليوم عندما عاد من الروضة، وكانت أمه مع زوجة عمه تنتظرانه عند باب الدار وهو يهمّ بالنزول من الحافلة المدرسية. كانت عيونه تسبق أقدامه وهو يرى فرحته في عيني أمه، والدموع تترقرق في عينيها من الفرح، وقلبها يسبق يديها.. لتتلقف زوجة عمه شنطته المدرسية الصغيرة، ويلتقف صدر أمه فرحاً…
“يا يمَّه لو تشوفي ما أحلى الروضة! كبييييييييييرة أكبر من حارتنا!” قالها وهو يفتح يديه على مصراعيها ليريها مداها.. “فيها كثييييييييير ناس، كُلهم لابسين مراييل.. والمعلمات يمَّه، يمَّه ما أحلاهن! في وحدة حَبّتني وقالت لي شاطر. متذكرة يمَّه لما علّمتيني سورة الفاتحة؟”
فتهز أمه رأسها ودموع الفرح تترقرق في عينيها، فيتابع: “سألت مين حافظ سورة الفاتحة؟ رفعت نص إيد، كنت خايف، بس هي شجّعتني وإجت جنبي وحطت إيدها على راسي وقالت: اقرأ يا شاطر. كان جسمها مغطي على بقية الطلاب عشان هيك ما خفت من نظراتهم، ولما خلصت قالت صفقوا له… والكل صفق لي! حسيت حالي طاير فوق.. فوق بالسما… حتى شوفي، حطت لي نجمة على إيدي وقالت لي ورّيها لأمك لما تروح”.
كشف عن ذراعه وهو في قمة الفرح، وبدأ يحكي ويحكي، وأمُّه تقبّله وتهمس في أذنيه بكلمات الثناء: “شاطر يمَّه.. شاطر، هيك بدي إياك دايماً رافع راسي…”
قام يتبختر أمام أمه وعمته، وينظر تارة إلى البوط وتارة لهما والفرح يعيش في عينيه. استبق الباب يهمّ بالخروج، فأوقفته زوجة عمه وهي تنبش بين ثنايا كتبه تبحث عن دفاتره. عندما لمحت خبزة مدهونة بالتطلي، بدأ البريق في عينيها، ولكنها آثرت سؤاله عن سبب عدم أكله لساندويش التطلي، وقبل أن يجيبها، كانت أمه تقول وهي تقبّله: “حبيبي ما بحب التطلي..”
بدأت عمته—كما كان يناديها دوماً—بالتهام التطلي متلذذة وهي تقول له: “كل يوم جيبها إلي وأنا باكلها…”
استغلت أمه وقوفه وسبقت يدها إليه تريد خلع ملابسه، لكنه بقي ممانعاً متشبثاً يحاول الخروج وهو يستعطف أمه، وعيونه ترمق عمته كأنه يطلب منها المعونة لكي يخرج إلى الحارة ويُرِي أصحابه ما هو عليه، وكأنه يستعطفهما لكي لا يُخرجاه من نشوته. كانت أمه قد أنهت خلع الفردة اليمين من البنطلون وبقيت رجله الأخرى معلقة في الهواء تحاول الهروب: “ولك هذا للمدرسة، ولك…” مع قرصة في رجله جعلته يصرخ وهو يقول: “بس هالمرة خليني أورجيه لأولاد الحارة..”
كانت زوجة عمه تمسح ما سال على شفتيها من بقايا التطلي وهي تقول لها: “خليه شوي وبُوعدك ما يتأخر ويرجع يِشْلَحُه”، وهي تَغمز له بِعيْنيْها: “بَمُون عليكِ، يا خَيْتِي حرام، خليه يفرح فيه قدام صحابه..” لترد عليها أمه: “يفرح فيه ولاّ يجاكر فيه أولاد الحارة؟!!!” “
إيهيه؛ خلص عاد خليه يروح”، قالتها وهي تَربِط له ما فكّ من عُقَدِ البوط، وأمّه تَشدّ على يديه قائلة: “يا ويلك لو بِصير في البوط إشي…”
انطلق بسرعة يسابق الريح، ولم ينسَ أن يكشف عن ذراعه لكي يُريهم النجمة. شعر بنفسه يطير على جَناحَي بُوطه الصيني، أحس بأن أولاد الحارة ينظرون إليه عالياً وأنه في السماء، ينزل عليهم كالصقر.. كان أطفال الحارة قد تسابقوا للوصول إليه، لكنهم تفاجأوا عندما رأوا والدته في انتظاره، فتراجعوا قليلاً إلى الوراء وبقوا في انتظاره عندما يعود.
وها هو قد عاد؛ لقد كان أول ولد في الحارة يذهب إلى روضة فيها باص. التفوا حوله يستفسرون ويمسكون بملابسه وينالون منه بالدز والحركشة وتلطيع الكلام. تفاجأ من رَدَّة فعلهم الاستباقية، وتَعمد أحدهم أن يقرصه في مكان النجمة، وكأنه سقط من علٍ!، لم يعد يتحمل مضايقاتهم فحاول التملص منهم والتف حول نفسه. ضغط أحدهم على رباط البوط فَتَشَركَل ووقع!، طارت فردة البوط عالياً فاتبعتها عيناه وهو يسقط بقوة، فتمزقت ملابسه وتَعَفَرت بالتراب، وبدأت الدماء تَسيل من بين أصابعه..
صرخت أمه من بعيد، فتفرّق الملاعين في كل اتجاه، كانت خطواتها تَتسارع حتى كادت أن تلتقطه قبل ارتطامه بالأرض. أكبّت أمّه عليه تَمسح بطرف ثوبها ما عَلِق به من التراب والدماء، وكان هو ينظر إلى مكان سقوط البوط صائحاً: “بوطي.. بوطي.. بوطي…”
….
…. وللحديث بقية.
هذا المحتوى مذكرات مهمش (5).. الروضة / عمر بدور ظهر أولاً في سواليف.
ملاحظة تحريرية | Editorial Note: نُشر هذا المقال في الأصل بواسطة سواليف. خبر (Khabr) هي منصة إعلامية أردنية مرخّصة تعمل بالذكاء الاصطناعي. نضيف قيمة تحريرية من خلال: تحليل ذكي للأخبار، ملخصات تلقائية، رواية صوتية بالذكاء الاصطناعي، ترجمة متعددة اللغات، وتدقيق الحقائق. هدفنا جعل الأخبار أكثر وضوحاً وسهولةً للقارئ العربي.
This article was originally published by سواليف. Khabr is a licensed Jordanian AI-powered news platform (Registration #82086). We add editorial value through: AI-powered news analysis, automated summaries, AI audio narration, multi-language translation (Arabic, English, French, Turkish), and AI fact-checking. Our mission is to make news more accessible and understandable for Arabic-speaking audiences worldwide.





