طالبت “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” بإجراء تحقيق سريع ونزيه ومستقل وفعال في وفاة الشاب محمد حسام الدين غميرة، بعد ثلاثة أيام من احتجازه في قسم شرطة الحفة بريف اللاذقية.
ودعت الشبكة إلى تحديد أسباب الوفاة والمسؤوليات المرتبطة بها، وفق معايير التحقيق في حالات الوفاة التي يُحتمل أن تكون غير مشروعة.
وأدانت الشبكة، في بيان نشرته اليوم الأربعاء 19 من آب، الأحداث التي أدت إلى وفاة غميرة، في 16 من آب بعد أيام من الإفراج عنه ونقله إلى المشفى.
لكنها أشارت في الوقت نفسه إلى أن المعطيات المتاحة لا تكفي وحدها لحسم سبب الوفاة أو تحديد المسؤوليات الفردية.
وبحسب البيان، أوقف غميرة في 6 من آب على خلفية ادعاء يتعلق بسرقة مبلغ مالي، واحتُجز لمدة ثلاثة أيام في قسم شرطة الحفة، قبل الإفراج عنه مساء 9 من آب.
وقالت الشبكة إن عائلته لم تتمكن خلال فترة احتجازه من زيارته أو التواصل معه، وكانت تتلقى إفادات بأنه “قيد التحقيق”.
ونُقل غميرة مباشرة بعد الإفراج عنه إلى المشفى الوطني في مدينة الحفة، قبل أن تتدهور حالته الصحية وينقل إلى مشفى اللاذقية الجامعي، حيث أُدخل العناية المشددة وتوفي في 16 من آب.
المعطيات الحالية ليست حاسمة
أشارت الشبكة إلى أن غميرة كان مصابًا بمرض الناعور، وأن أفرادًا من عائلته قالوا إن حالته الصحية كانت مستقرة قبل توقيفه، وإنهم أبلغوا عناصر قسم الشرطة بمرضه وحاجته إلى رعاية صحية خاصة.
وبحسب رواية العائلة، تعرض غميرة للضرب خلال فترة احتجازه، قبل أن يخرج من القسم بحالة صحية متدهورة ويُنقل إلى المشفى.
لكن الشبكة شددت على أن هذه الاتهامات تستند حتى الآن إلى روايات أفراد من الأسرة، ولا يمكن اعتبارها دليلًا حاسمًا على سبب الوفاة أو المسؤولية الفردية، ما يجعل التقارير الطبية والطب الشرعي وسجلات الاحتجاز والتحقيق عناصر أساسية لكشف ملابسات القضية.
وقالت الشبكة إنها لم تتمكن حتى تاريخ نشر بيانها من الاطلاع على تقرير الطب الشرعي أو سجلات الاحتجاز أو السجلات الطبية الكاملة المتعلقة بغميرة.
ماذا يجب أن يشمل التحقيق؟
طالبت الشبكة بأن يشمل التحقيق جميع الظروف المحيطة بالقضية، بدءًا من لحظة توقيف غميرة وحتى نقله إلى المشفى ووفاته.
وبحسب البيان، ينبغي فحص سجلات الاحتجاز ومحاضر التحقيق والسجلات الطبية، والاستماع إلى عناصر الشرطة والموقوفين الذين كانوا موجودين في النظارة خلال الفترة نفسها، إضافة إلى أفراد عائلة غميرة والشهود المحتملين.
كما دعت إلى مراجعة أي تسجيلات أو أدلة أخرى يمكن أن تساعد في تحديد ما جرى داخل قسم الشرطة، وتحديد ما إذا كانت هناك علاقة بين ظروف الاحتجاز والتدهور الصحي الذي سبق الوفاة.
وترى الشبكة أن التحقيق يجب ألا يقتصر على تحديد وقوع مخالفة من عدمه، بل ينبغي أن يكون قادرًا على تحديد المسؤوليات الجنائية والتأديبية في حال ثبوت وجود انتهاكات أو إهمال أو سوء معاملة.
التزامات الدولة في حالات الوفاة في أثناء الاحتجاز
ربطت الشبكة القضية بالتزامات سوريا بموجب القانون الدولي، ولا سيما ما يتعلق بحماية الأشخاص المحرومين من حريتهم.
وتلزم المادة “10” من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الدول بمعاملة الأشخاص المحرومين من حريتهم معاملة إنسانية تحترم كرامتهم.
كما استندت الشبكة إلى المواد “6” و”7″ و”9″ و”10″ والمادة “2/3” من العهد، المتعلقة بالحق في الحياة، وحظر التعذيب وسوء المعاملة، والحق في الحرية والأمان، ومعاملة المحتجزين بكرامة، وضمان الانتصاف الفعال.
وقالت إن وفاة شخص عقب احتجازه وفي ظروف تثير الشك تنشئ على عاتق الدولة التزامًا بإجراء تحقيق سريع ونزيه ومستقل وفعال، حتى في حال عدم ثبوت المسؤولية الجنائية بعد.
اتفاقية مناهضة التعذيب
كما تلزم المادة “12” من اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب، الدولة بإجراء تحقيق سريع ومحايد عندما توجد أسباب معقولة للاعتقاد بوقوع تعذيب.
كما أشارت الشبكة إلى المادة “13” من الاتفاقية، التي تكفل حق من يدعي تعرضه للتعذيب في تقديم شكوى والنظر فيها على وجه السرعة.
وبحسب الشبكة، فإن واجب التحقيق لا يقتصر على إثبات وقوع التعذيب، وإنما يشمل تحديد المسؤولين عنه وضمان عدم إفلات المتورطين من العقاب، إلى جانب ضمان حق الضحايا وذويهم في الجبر والانتصاف.
بروتوكول “مينيسوتا” مرجع للتحقيق
ويعد بروتوكول “مينيسوتا” بشأن التحقيق في حالات الوفاة التي يُحتمل أن تكون غير مشروعة، الصادر عام 2016، أحد المراجع الدولية الأساسية للتحقيق في مثل هذه الحالات، ولا سيما الوفيات التي تقع أثناء الاحتجاز أو بعده.
ويشدد البروتوكول على ضرورة استقلال جهة التحقيق وحيادها وكفاءتها، وحماية الأدلة، وفحص الظروف المحيطة بالوفاة، والاستماع إلى الشهود، وإجراء الفحوص الطبية والطب الشرعي اللازمة للوصول إلى الحقيقة.
كما استندت الشبكة إلى التعليق العام رقم “36” للجنة المعنية بحقوق الإنسان بشأن الحق في الحياة، وإلى التعليقين العامين رقم “20” و”21″ المتعلقين بحظر التعذيب ومعاملة الأشخاص المحرومين من حريتهم.
الداخلية تحقق في القضية
يأتي بيان الشبكة بالتزامن مع إجراءات أعلنتها وزارة الداخلية السورية للتحقيق في وفاة غميرة.
وكانت قيادة الأمن الداخلي في محافظة اللاذقية أعلنت توقيف سبعة من منتسبي وزارة الداخلية، بينهم محققون ورئيس قسم الشرطة وعدد من العناصر، للتحقيق في القضية.
وقال المتحدث باسم وزارة الداخلية، نور الدين البابا، إن لجنة طبية مستقلة ستشرف على تشريح الجثة، وستحدد المسؤول ودرجة المسؤولية، مشيرًا إلى أن لجنة التحقيق ستعمل لمدة ثلاثة أيام وستستمع إلى أقوال المشتبه بهم والأهالي.


