تقف مصر أمام معادلة استراتيجية شديدة التعقيد: كيف تواصل بناء عناصر قوتها وقدرتها على مواجهة بيئة إقليمية ودولية مضطربة، وفي الوقت نفسه تخفف الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي يتحملها المواطن، وتضمن ألا تتحول تكلفة بناء المستقبل إلى عبء يثقل الحاضر أو يرهن قدرة الأجيال المقبلة؟
المعادلة في جوهرها ليست اختياراً بين المشروعات الكبرى واحتياجات المواطن، فهذه ثنائية خاطئة؛ فالدولة التي لا تستثمر في بنيتها الأساسية وقدرتها الإنتاجية والاستراتيجية تضعف قدرتها على حماية حاضرها ومستقبلها، كما أن الدولة التي تتجاهل الضغوط الاجتماعية تفقد أحد أهم شروط استدامة التنمية، وهو الاستقرار والثقة العامة.
خلال السنوات الماضية، استثمرت مصر بكثافة في البنية الأساسية: الطرق والمحاور والموانئ والطاقة والمدن الجديدة والبنية الرقمية ومشروعات المياه والنقل وغيرها، ولا يصح النظر إلى هذه الاستثمارات باعتبارها إنفاقاً استهلاكياً، إذ عالجت اختناقات مزمنة، ورفعت قدرة الدولة على الحركة والربط الداخلي والخارجي، ووفرت مقومات لجذب الاستثمار وتحسين القدرة التنافسية. في دولة ذات موقع جغرافي وسياسي كمصر، تتجاوز قيمة هذه المشروعات بعدها الاقتصادي المباشر؛ فالموانئ جزء من الأمن التجاري، والطاقة من الأمن القومي، وشبكات النقل من تكامل السوق، والبنية الرقمية من مقومات السيادة والتنافسية؛ ثم كان بناء البنية الأساسية في جانب مهم منه استثماراً في القوة الشاملة للدولة.
لكن امتلاك الأصول لا يعني بالضرورة امتلاك القوة الاقتصادية؛ فالقيمة الحقيقية للطريق تظهر عندما يخفض تكلفة النقل ويزيد النشاط التجاري، وقيمة الميناء عندما يتحول إلى مركز للتجارة والخدمات اللوجستية، وقيمة الطاقة عندما تدعم الصناعة والإنتاج والتصدير؛ ومن هنا ينتقل التحدّي من بناء القدرة إلى تشغيلها، ومن تراكم الأصول إلى تعظيم عوائدها.
من المفترض أن تكون هذه هي الأولوية الاستراتيجية للمرحلة المقبلة؛ فمصر لا تحتاج إلى مزيد من الاستثمار، وإنما إلى استثمار أكثر ارتباطاً بالإنتاج، وإلى تحويل البنية الأساسية التي جرى إنجازها إلى مصانع وفرص عمل وصادرات وإيرادات ونمو قادر على تمويل جانب متزايد من احتياجاته بنفسه. والمواطن المصري دفع بالفعل ثمن أزمات عالمية لم يكن طرفاً في صنعها، إذ جاءت جائحة كورونا بما أحدثته من اضطراب في الإنتاج والتجارة والسياحة وسلاسل الإمداد، ثم الحرب الروسية ـ الأوكرانية بما فرضته من ارتفاعات في أسعار الغذاء والطاقة والتمويل، واليوم تفرض الحرب الأميركية ـ الإيرانية مخاطر جديدة على المنطقة وأسواق الطاقة والتجارة وحركة الملاحة. وبينما لا يملك المواطن تأثيراً في هذه الأزمات، فإنه يتحمل جانباً من تكلفتها الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما يفسر أيضاً القلق من أن تفرض تداعيات الحرب الجديدة أعباء إضافية في المستقبل.
من هنا، تصبح القدرة على امتصاص الصدمات الخارجية هدفاً استراتيجياً بحدّ ذاته. فزيادة الإنتاج المحلي، وتعميق التصنيع، وتنمية الصادرات، وتنويع مصادر الطاقة، وتعزيز الأمن الغذائي، وتطوير السياحة والخدمات اللوجستية والاقتصاد الرقمي، ليست مجرد سياسات للنمو، وإنما أدوات لتقليص تعرض المواطن لتقلبات الخارج. لكن هذه الضرورة الاستراتيجية لا تلغي حقيقة أساسية: الأجيال التي تبني المستقبل تعيش في الحاضر، والمواطن لا يقيس التنمية فقط بما تملكه الدولة من طرق وموانئ ومدن، وإنما بما يستطيع أن يشتريه بدخله، وبقدرته على تحمل تكاليف الغذاء والسكن والتعليم والصحة والنقل.
لذلك فإن الاستقرار الاجتماعي ليس نتيجة جانبية للنمو، وإنما أحد شروط الأمن والاستدامة. وهنا تبرز قضية الدين العام والمالية العامة باعتبارهما جزءاً من المعادلة الاستراتيجية. فالاقتراض ليس سلبياً بذاته إذا موّل أصولاً منتجة تولّد عائداً يفوق تكلفة التمويل. لكن استدامة التنمية تتطلّب التمييز بين الدين الذي يبني قدرة جديدة على السداد والدين الذي يموّل أعباء لا تولد قيمة مضافة؛ فالعدالة بين الأجيال تعني أن نترك للأبناء أصولاً منتجة، لا أصولاً جيّدة التمويل، لكنها محمّلة بالتزامات يصعب تحملها.
ثم إن المرحلة المقبلة تحتاج إلى بيئة أعمال أكثر استقراراً ووضوحاً وتنافسية، لأن رأس المال يحتاج قبل الحوافز إلى القدرة على التنبؤ واستقرار القواعد. كذلك، فإن حماية المواطن من آثار الإصلاح يجب أن تنتقل تدريجياً من الدعم العام واسع التكلفة إلى سياسات اجتماعية أكثر استهدافاً، تربط الحماية بزيادة فرص العمل والدخل والإنتاجية، وتمنح الفئات الأكثر تعرضاً للصدمات قدرة أكبر على عبور مراحل التحول.
كان بناء القدرة ضرورة فرضتها تحديات الداخل وتحولات الإقليم والعالم، أما التحدي الآن فهو تحويل هذه القدرة إلى عائد مستدام؛ فالمعيار الحقيقيّ للمرحلة المقبلة لن يكون حجم ما تبنيه مصر فقط، بل قدرتها على تحويل ما بنته إلى إنتاج وصادرات وفرص عمل وإيرادات، وعلى حماية المواطن من تكلفة الأزمات، وحماية الأجيال المقبلة من تكلفة الحاضر؛ وهنا تكمن المعادلة الاستراتيجية الأهم: أن تبني مصر للمستقبل من دون أن ترهن الحاضر، وأن تحمي الحاضر من دون أن تستهلك المستقبل.



