مسقط والخرطوم .. امتدادٌ راسخٌ يتجدّد
الصحوة – علي الحداد
في قصرِ البركة العامر، حيث تختزن الدولة ذاكرتها وهيبتها، استقبل حضرةُ صاحبِ الجلالةِ السُّلطان هيثم بن طارق، حفظه الله، فخامةَ الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة الانتقالي بجمهورية السودان، في لقاءٍ لا يُختزل في إطار التشريفات، إنما يمتدّ إلى دلالاتٍ أعمق في ميزان السياسة، ويعكس موقعًا دقيقًا لعُمان في لحظة إقليمية مضطربة، حيث يتجلّى أثرٌ محسوب، تُدركه نتائجه قبل أن يُقال.
في هذا السياق، جاء الخطاب مُحمّلًا بدلالاتٍ تتجاوز اللياقة إلى تثبيت مسارٍ واضح المعالم .. دعمٌ للاستقرار، وانحيازٌ للعقل، وإيمانٌ بأن السلام ليس خيارًا يُساء تقديره، إنما قرارٌ سيادي لا يدرك كلفته إلا من امتلك شجاعة المضي فيه.
لم يكن موقف سلطنة عُمان من الحرب الدائرة في السودان يومًا ملتبسًا، جاء واضحًا في جوهره، ثابتًا في مبدئه .. رفضٌ لانزلاق الدولة إلى فوضى السلاح، ودعوةٌ صريحة إلى وقفٍ شاملٍ لإطلاق النار، والاحتكام إلى الحوار باعتباره المسار الوحيد لصون وحدة السودان وحماية مقدّرات شعبه.
وفي الوقت الذي انجرفت فيه بعض المواقف نحو الاصطفاف أو التأجيج، اختارت مسقط أن تتموضع في موقعٍ مختلف، لا حيادًا باردًا، بل توازنًا فاعلًا يُبقي قنوات التواصل مفتوحة، ويمنح الدبلوماسية فرصةً حين تضيق مساحات السياسة.
إنها مقاربة لا تُجامل منطق الصراع، وتنحاز بهدوءٍ محسوب إلى فكرة الدولة، وإلى حق الشعوب في الأمن والاستقرار.
ليست العلاقة بين سلطنة عُمان والسودان وليدة اللحظة، ولا محكومةً بظرفٍ، بل هي امتدادٌ لعمقٍ تاريخي تشكّل عبر قرون من التلاقي البحري والتفاعل الحضاري، حين كانت الممرات الممتدة بين بحر العرب والبحر الأحمر جسورًا مفتوحة للتجارة والمعرفة، وفضاءً لصياغة روابط تتجاوز الجغرافيا.
ورغم غياب التماسّ الحدودي المباشر، فإن الجغرافيا الأوسع تمنح البلدين تكاملًا نادرًا، فالسودان بإطلالته على البحر الأحمر، وعُمان بإشرافها على بحر العرب والمحيط الهندي، يشكّلان معًا محورًا بحريًا قادرًا على إعادة رسم خرائط الإمداد والتجارة في المنطقة.
في قلب هذا التصوّر، تبرز الموانئ العُمانية وفي مقدمتها ميناء الدقم كنافذة استقرارٍ في بيئةٍ بحرية متقلّبة، توفّر بدائل آمنة لحركة التجارة، وتعزّز من قدرة الشركاء على تجاوز الاختلالات الإقليمية.
في المقابل، يمتلك السودان من الموارد الزراعية والحيوانية والمعدنية ما يؤهله لأن يكون شريكًا فاعلًا في معادلة الأمن الغذائي، ليس بوصفه موردًا فقط، بل كقاعدة إنتاجٍ واستثمارٍ مستدام، تتقاطع عندها المصالح، وتتَعزّز فيها فرص النمو المشترك.
السياسة العُمانية، التي رسّخت عبر عقود مفهوم التوازن الهادئ، لا تكتفي بالابتعاد عن الاستقطاب، بل تتقدّم لملء الفراغ حين يغيب صوت الحكمة. ومن هنا، فإن حضورها في الملف السوداني ليس استثناءً، بل امتدادٌ طبيعي لدورها كوسيطٍ يُجيد الإنصات بقدر ما يُحسن التأثير.
الفرصة القائمة اليوم أمام مسقط والخرطوم تتجاوز حدود التعاون التقليدي، لتقديم نموذجٍ يقوم على التكامل، حيث تُبنى المصالح بهدوء، وتُدار التحديات بعقلٍ متّزن.
ومن هذا المنطلق، فإن التفكير في إنشاء إطارٍ مؤسسي مشترك يُعنى بتنسيق الجهود في الاقتصاد والتعليم والأمن والاستثمار، يُمثّل خطوةً نوعية لتحويل هذا التقارب إلى مسارٍ مستدام.
كما أن تطوير الربط اللوجستي بحرًا وجوًا بين موانئ البلدين، يفتح آفاقًا واسعة لتدفقات تجارية أكثر كفاءة، خاصة في مجالات المنتجات الزراعية والموارد الحيوانية، بما يعزّز من أمن الإمدادات ويخلق قيمة مضافة حقيقية للطرفين.
ولا يقل البعد الثقافي والإعلامي أهميةً عن الاقتصاد والسياسة، فالعلاقات التي لا تُترجم إلى وعيٍ شعبي تبقى محدودة الأثر. ومن هنا، فإن الاستثمار في المبادرات المشتركة التي تُبرز عمق هذه العلاقة، يُعد ضمانةً لاستمرارها وتعاظمها.
وهكذا، يأتي هذا اللقاء ليجد صداه الأصدق في ما عبّر عنه معالي السيد بدر بن حمد بن حمود البوسعيدي، وزير الخارجية، في بيانٍ رصينٍ يختزل روح اللحظة ويُحسن ترجمة مقاصدها؛ إذ أشار إلى أن اللقاء لم يكن تقاطع مصالحٍ فحسب، بل التقاء قلوبٍ على قاعدةٍ راسخة من التاريخ والاحترام المتبادل بين الشعبين الشقيقين.
وقد عكس هذا التوصيف عمق التضامن القائم، وإرادةً مشتركة تتجه نحو تحقيق ما يخدم البلدين، ويعزّز روابط الأخوّة والتعاون البنّاء، في سياقٍ لا ينحصر في زمنه.
كما حمل تأكيدًا واضحًا على أن المصالح العليا للشعب السوداني تبقى البوصلة التي لا تحيد، في سبيل بلوغ السلم، وترسيخ الأمن، وتهيئة أسباب الرخاء والوئام للجميع.
إن بناء عمقٍ استراتيجيٍّ اقتصاديٍّ بين سلطنة عُمان والسودان يُقرأ في سياقٍ أوسع، كرافعةِ استقرارٍ تمتدُّ آثارُها عبر البحرِ الأحمر، وتلامسُ القرنَ الإفريقي، وتنعكسُ على محيطِ الخليجِ العربي.
نموذجٌ عربيٌّ مختلف،
يُصاغ في مساحات الأخوّة،
ويترسّخ بتراكم الثقة،
ويمضي بثباتٍ نحو غاياته، على هديٍ لا تضلّ معه وجهته.





