لا يسلم الفيلم، في قسمه الأول، من الوقوع في فخ الابتذال الكوميدي، في محاولة تلطيف الأجواء خصوصا في توظيف غريس ودراسة الظاهرة الغريبة وهو على سطح الأرض. لا تساعد حقيقة أن هناك بطئا محسوسا في السرد، حينما ننتقل إلى الزمن الحاضر وغريس وحده على متن السفينة والحبكة لا تتحرك بسرعة كافية ولا توجد فيها اكتشافات مثيرة للاهتمام. كل ذلك يتغير بمجرد تقديم شخصية "روكي"، الكائن الفضائي الذي يجد نفسه عالقا في المهمة نفسها التي انطلق فيها غريس، ومن خلال هذه الصداقة الغريبة يجد الفيلم ضالته بمحرك رئيس للقصة تنبثق من خلاله أكثر اللحظات صدقا وإنسانية.

يمضي الفيلم وقتا طويلا ومهما في تأسيس هذه الصداقة واستكشافها، وفي الوقت نفسه لا يغفل أنه أمام شخصيتين منفصلتين مستقلتين بدافع وماض مختلفين. حينما يشاهد غريس السفينة الفضائية للمرة الأولى، تملي عليه غريزته الابتعاد والهروب، لأنه ليس رائد فضاء محترفا ولا يمتلك من الفضول والشجاعة ما يكفي لكبح جماح خوفه. لا يكتفي الفيلم والرواية قبله بتقديم روكي على أنه كائن فضائي لطيف يرافق بطل القصة، ولكنه يأتي محملا هموم كوكب كامل على عاتقه، ويشعر بأنه مسؤول عن خسارة 23 رفيقا لقوا حتفهم على السفينة نتيجة للتسمم الإشعاعي.
خسائر الكائن
تتشكل هذه الصداقة بطريقة فردية مع كل اكتشاف جديد يكتشفه طرف عن الطرف الآخر، وتصبح مهمة إبقاء غريس على قيد الحياة أولوية لدى روكي بسبب ما عاناه في رحلته. وتحت كل الكوميديا الناجحة التي قدمها الفيلم من خلال هذه الصداقة، لا يغفل أبدا مقدار الخسارة والصدمة اللتين يعانيهما هذا الكائن ومحاولاته لاستيعاب ما حصل.
غريس من جهة أخرى، يجد ما يقاتل من أجله. في وقت لاحق تذكر إيفا سترات (ساندرا هولر) أن غريس لا يملك شيئا يحتم عليه البقاء في كوكب الأرض، فهو بلا زوجة وأطفال ولا حتى كلب، في محاولة فظة لإقناعه بضرورة التضحية بنفسه والذهاب في هذه المهمة الانتحارية. تأتي المفارقة بأن غريس يضع صداقته مع روكي فوق كل اعتبار، ويحاول تجاهل فكرة نهايته الحتمية في هذه المهمة ويجعل نصب عينيه النجاح فيها فحسب.

يعتنق الكاتب آندي وير جانب الخيال في الخيال العلمي في هذه الرواية، على عكس روايته التي اقتبست سابقا، "المريخي" (The Martian)، التي حرص فيها على تقديم أحداث دقيقة علميا. هنا يقدم شخصية الكائن الفضائي ويرتكز عليها سرديا، ويجعل من الصداقة النقطة المرجعية لكل الأحداث. ليست غريزة النجاة أو الفضول العلمي أو الحب بين البطل ومن ينتظره على كوكب الأرض، بل الصداقة التي تربط عالم أحياء جزيئية وكائن فضائي غريب لا تربطهما سوى الوحدة في فضاء سحيق.










