مشعل الحرائق ورجل الإطفاء.. كيف يدير دونالد ترمب العالم؟
•play البث الحي تسجيلأظهر القائمة الرئيسية.css-15ru6p1{font-size:inherit;font-weight:normal;}Navigation menuأخباراعرض المزيدعربيدوليسياسةمراسلو الجزيرةصحافةتحققوسمموسوعةحرياتبالصوركأس العالماقتصادرأياع...
•كيف يدير دونالد ترمب العالم؟استمعاستمع (26 دقيقة)حفظ xwhatsapp-strokecopylinkالرئيس الأمريكي ترمب (الفرنسية)محمد حامدPublished On 2/7/20262/7/2026في خريف عام 2017، وقف الممثل التجاري للولايات المتحدة...
•لم يرف للرئيس جفن، وأمر مرؤوسه بنقل رسالة قصيرة مفادها أن "الرجل المجنون في البيت الأبيض مستعد لتمزيق الاتفاقية في أي لحظة".
هذا الخبر من الجزيرة نت. خبر يقدم أدوات ذكاء اصطناعي للتلخيص والترجمة والاستماع.
play البث الحي تسجيلأظهر القائمة الرئيسية.css-15ru6p1{font-size:inherit;font-weight:normal;}Navigation menuأخباراعرض المزيدعربيدوليسياسةمراسلو الجزيرةصحافةتحققوسمموسوعةحرياتبالصوركأس العالماقتصادرأياعرض المزيدمقالاتمدوناتميداناعرض المزيدإعلامدراساتتراثسلاحصراعفكر ونفسوجوهملفاتمتخصصةاعرض المزيدرياضةعلوم وبيئةصحةتقنيةأسلوب حياةأسرةسفرثقافةفنمنوعاتمحلياتاعرض المزيدفلسطيناليمنسوريا الآنالسودانمصرالعراقلبنانالمغربليبيافيديوplay البث الحي اضغط هنا للبحثsearchتسجيلسياسة|ميدان|الولايات المتحدة الأمريكيةمشعل الحرائق ورجل الإطفاء.. كيف يدير دونالد ترمب العالم؟استمعاستمع (26 دقيقة)حفظ xwhatsapp-strokecopylinkالرئيس الأمريكي ترمب (الفرنسية)محمد حامدPublished On 2/7/20262/7/2026في خريف عام 2017، وقف الممثل التجاري للولايات المتحدة الأمريكية آنذاك، روبرت لايتهايزر، يشكو للرئيس دونالد ترمب "تعنت" الكوريين الجنوبيين الذين رفضوا تقديم "تنازلات حقيقية" ضمن مفاوضات تعديل الاتفاق التجاري بين واشنطن وسيول. لم يرف للرئيس جفن، وأمر مرؤوسه بنقل رسالة قصيرة مفادها أن "الرجل المجنون في البيت الأبيض مستعد لتمزيق الاتفاقية في أي لحظة". الواقعة، التي جرت في وقت مبكر نسبيا من ولاية ترمب الأولى، ونقلها موقع أكسيوس دون أن ينفيها البيت الأبيض، يمكن اعتبارها مفتاحا لفهم سلوك ترمب السياسي وطريقة إدارته، فالرئيس على ما يبدو يدير سيناريو "الرجل المجنون" كأداة ضغط تفاوضية. يميل المحللون لربط ادعاء ترمب المقصود للجنون السياسي، والكثير من قراراته وتصرفاته بشكل عام، بوراثته لـ"نظرية الرجل المجنون" التي ساد الحديث عنها في عهد الرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون، حين تسلم رئاسة الولايات المتحدة عام 1969 بينما بلاده غارقة في حرب فيتنام، حيث تعثرت المفاوضات المنعقدة في باريس مع الفيتناميين الشماليين، الذين رفضوا تقديم تنازلات باعتبار أن الوقت يصب في صالحهم في ظل ضغط الرأي العام الأمريكي لإنهاء الحرب. وقد قرَّر نيكسون حينها رفع الضغط إلى حده الأقصى، بالإيعاز إلى كبار مسؤولي إدارته بتسريب رسالة مفادها أن الرجل وصل إلى نقطة غضب يمكنه معها فعل أي شيء لإيقاف الحرب، وأنه لا أحد بات يستطيع كبح يده التي تقترب من الزر النووي، متوقعا أن يسارع السوفيات بالضغط على فيتنام الشمالية وأن تهرع الأخيرة للسلام، حسبما نقل رئيس موظفي البيت الأبيض بوب هالديمان في مذكراته "نهايات السلطة". "تعتمد نظرية الرجل المجنون على خلق هالة محكمة من اللايقين: أن توهم الخصم بأنك متهور بما يكفي لنسف الطاولة إذا لم يمنحك التنازلات المطلوبة" ولتعزيز الإيحاء بمصداقية التسريب الدبلوماسي، أمر نيكسون في أكتوبر/ تشرين الأول 1969 بتنفيذ عملية "الرمح العملاق"، عبر إرسال قاذفات "بي-52" (B-52) المحملة بأسلحة نووية للتحليق لثلاثة أيام فوق الغطاء الجليدي القطبي قرب المجال الجوي السوفياتي؛ لإيهام الرادارات بأن أمريكا في حالة تأهب نووي قصوى. وقد وثقت تلك الحقبة لحظة ميلاد ما عُرِف لاحقا بـ"نظرية الرجل المجنون"، المعتمدة في جوهرها على خلق هالة محكمة من اللايقين، بمعنى أن توهم الخصم بأنك متهور بما يكفي لنسف الطاولة إذا لم يمنحك التنازلات المطلوبة. لكن ترمب لم يكتف بنظرية "الرجل المجنون"، بل استدعى معه إلى البيت الأبيض سيرته الذاتية "فن الصفقة"، التي باتت أشبه بالدليل الإجرائي الذي تسير عليه إدارته، إذ بات الرجل يتصرَّف بمنطق السوق العقاري ورهاناته حتى على طاولة مجلس الأمن القومي. في عالم العقارات، كان ترمب يعتمد على بناء هالة من الفخامة حول مشاريع قيد الإنشاء لاجتذاب رؤوس الأموال، ويقدم في كتابه توصيفا لمفهوم "المبالغة الصادقة"، حيث يقول نصا إنه يلعب على خيالات البشر، وإن الناس ينبهرون بشدة بأولئك الذين يقدمون أنفسهم باعتبارهم الأكبر والأعظم والأكثر إبهارا. ومن ثمَّ، فإنه يعتبر أن "المبالغة الصادقة" هي شكل بريء من أشكال التضخيم أو المبالغة، ووسيلة ترويج فعالة لإقناع الناس بأنك تملك ما يستحق اهتمامهم، وقيادتهم بالتبعية. ويبني ترمب على ذلك في الكتاب نفسه مفهوم "الروافع التفاوضية"، فيقول إن أسوأ ما يمكنك فعله هو أن تُظهِر مدى حاجتك للصفقة، وأن أهم أوراقك في التفاوض هي امتلاك ما لا يمكن للطرف الآخر العيش بدونه، مُعتِبرا أن ذلك هو بالتحديد ما يمكنك من التفاوض من مركز قوة. "في كتابه فن الصفقة قال ترمب إنه يلعب على خيالات البشر، وإن الناس ينبهرون بشدة بأولئك الذين يقدمون أنفسهم باعتبارهم الأكبر والأعظم والأكثر إبهارا" وقد طبق ترمب في الرئاسة التكتيك ذاته على نطاق أوسع، فهو يحول الاستقرار العالمي إلى أداة ضغط، ويخلق حالة من العوز الأمني، ويرفع سقف التهديد لدرجة تتجاوز المنطق أحيانا. ثم يفتعل الأزمات في النقاط الجيوسياسية الحرجة ليخلق حالة من الارتباك الإستراتيجي، ولاحقا يعرض الحل بالثمن الذي يحدده، وفي التوقيت الذي يختاره، مُجبِرا بقية الأطراف على تقديم تنازلات جوهرية مقابل استعادة الهدوء ليس إلا. استخدم ترمب هذا الأسلوب مرارا. ففي ولايته الأولى، لم يلجأ للتفاوض التقليدي مع الحلفاء الأوروبيين لزيادة إنفاقهم الدفاعي بموجب شروط حلف الناتو، بل لوَّح مباشرة بتفكيك الحلف، بينما كانت الأزمات مع روسيا تتصاعد. وقد صاغ المعادلة الضمنية كالتالي: "إما الدفع، أو سنترككم فريسة لموسكو تفعل بكم ما تشاء". وقد خلق ذلك حالة من الرعب في عواصم أوروبا، حوَّلت مجرد بقاء واشنطن في الحلف إلى إنجاز يستحق إنفاقا ضخما. كرر ترمب النهج ذاته مع المكسيك عام 2019، فقد نشر فجأة تغريدة على موقع تويتر يُهدِّد فيها جارته برسوم جمركية عقابية ما لم توقِف قوافل المهاجرين فورا، مُهدِّدا بانهيار الاقتصاد المكسيكي بأكمله، ومانحا مكسيكو سيتي أياما قليلة للرضوخ، وقد استجابت سريعا بنشر عشرات الآلاف من جنودها على الحدود لوقف حركة المهاجرين، في تنازل لم تكن المكسيك لتقدمه بسهولة في تفاوض طبيعي. في كتالوج الصفقات، يعتمد الرئيس الأمريكي على تكتيك توسيع البدائل، ولا يميل إلى الاتفاقيات الملزمة طويلة الأمد، إذ يعتبرها قيودا بيروقراطية تكبل حركته، لذا فهو ينصح بالإبقاء دوما على مسارات بديلة تضمن القدرة على الانسحاب في أي لحظة. وقد كتب نصا: "عظِّم خياراتك. أنا لا أتعلق أبدا بصفقة واحدة أو نهج واحد. أبقي دائما الكثير من الكرات في الهواء، لأن معظم الصفقات تنهار مهما بدت واعدة في البداية. وإذا عقدت صفقة، فإني أجهز نصف دستة من المسارات البديلة لإنجاحها، لأن أي شيء يمكن أن يحدث". "أنا لا أتعلق بصفقة واحدة أو نهج واحد، لأن معظم الصفقات تنهار مهما بدت واعدة في البداية. وإذا عقدت صفقة، فإني أجهز نصف دستة من المسارات البديلة لإنجاحها" بواسطة دونالد ترمب - كتاب فن الصفقة تحوَّلت هذه النصيحة في البيت الأبيض إلى محرك عملي لسياسة اللايقين، حيث يريد ترمب أن يظل الجميع في حالة ترقب دائمة، عاجزين عن بناء إستراتيجية مضادة لأنه قد ينسحب من طاولة التفاوض في منتصف الطريق إذا استشعر إمكانية انتزاع مكسب إضافي عبر مسار آخر. وحتى المؤسسة العسكرية لم تعد خارج منطق الصفقات، حيث سقط البنتاغون نفسه تحت قاعدة تحجيم التكاليف السيادية الواردة في كتاب ترمب. يرى ترمب أن الجيش الأمريكي لا ينبغي أن يكون أداة لنشر القيم الديمقراطية، ولا داعما مجانيا لأمن الحلفاء، ولا حتى أداة للاستثمار الإستراتيجي لبسط النفوذ، كما أملت العقيدة الكلاسيكية، بل هو أصل إستراتيجي مكلف يقدم خدمات حماية لعملاء خارجيين، وينبغي تحويله من مركز يستنزف الميزانية إلى مركز ربحي عبر تسعيرة "التكلفة زائد خمسين"، التي اقترحها عام 2019، والتي تعني أن يدفع الحلفاء التكلفة الكاملة لتشغيل القواعد العسكرية الأمريكية، مضافا إليها 50% كهامش ربح مقابل امتياز الحماية. لا يكتفي ترمب إذن باستحضار نظرية الرجل المجنون التقليدية، بل يمزجها بكتالوج الصفقات الذي صاغه بنفسه في ثمانينيات القرن الماضي، مُشكِّلا نسخة محدثة من النظرية. وفي نسخة ترمب، لا تُرضي قنوات التواصل الدبلوماسية المغلقة الرئيس المهتم بالاستعراض العلني، بل يغريه أكثر تحويل منصات التواصل الاجتماعي إلى شاشة عرض مفتوحة لبث "جنونه" على الهواء مباشرة إلى العالم أجمع. وهدف ترمب هنا مختلف؛ إذ لا يسعى لنقل الرسالة إلى طرف بعينه، بل إلى الجميع، الطرف المباشر والحلفاء والخصوم والأسواق، وحتى رجل الشارع في جميع أنحاء العالم. لكن التحول الجوهري في تطوير ترمب لنظرية نيكسون لم يكن في فرط العلانية وحده، بل في فلسفة الهدف. فبينما استخدم نيكسون فوضاه لغرض جيوسياسي وأيديولوجي ضمن خطة كسر شوكة التمدد الشيوعي، أزاح ترمب عن النظرية تلك الحمولة الثقيلة، وحولها إلى أداة تجارية، وظيفتها المثالية تخويف خصومه، وتأمين أفضل الصفقات الممكنة. ولأن عاصمة بحجم واشنطن لا يمكن أن تتحرك وفق الأهواء وحدها، يدير البنتاغون الآن ما يعرف بـ "ألعاب الحرب"، حيث يتشارك الجنرالات والخبراء مع خوارزميات الحواسيب المعقدة في دراسة سيناريوهات محاكاة تطابق الواقع للتعامل مع أي أزمة حالية أو محتملة، وفق تقنية الشطرنج: كيف سيتحرك الخصم لو تحركنا بهذا الشكل أو ذاك؟ "بينما استخدم نيكسون فوضاه لغرض أيديولوجي هو كسر شوكة التمدد الشيوعي، أزاح ترمب عن النظرية تلك الحمولة الثقيلة، وحولها إلى أداة تجارية" تتحول نتائج المحاكاة إلى قائمة خيارات على مكتب الرئيس، مرتبة تدريجيا، بداية من الخيار الدبلوماسي "الضعيف"، وصولا إلى الخيار "العسكري" المتطرف؛ لدفعه نفسيا لاختيار الحل الوسط الآمن والمحسوب الذي تفضله المؤسسة بالأساس. ولكن ترمب لم يلبث أن حطم تلك الآلية بالكامل، فهو لا يهرب من الخيارات القصوى المصاغة خصيصا لردعه عن اختيارها، بل ينجذب إليها، ويحولها إلى ورقة ضغط تضاف لرصيده التفاوضي. ولا أدل على هذا من كواليس اتخاذ قرار اغتيال قاسم سليماني، قائد فيلق القدس الإيراني، في يناير/ كانون الثاني 2020. ففي أعقاب مقتل متعاقد أمريكي في العراق، قدَّم البنتاغون للرئيس ترمب قائمة خيارات للرد. ووفقا للتقاليد العسكرية، وضع الجنرالات خيارات معتدلة، مثل قصف منشآت لفصائل موالية لإيران، ووضعوا في أعلى القائمة خيارا متطرفا بدا مستحيلا: اغتيال سليماني شخصيا. كان الهدف من وضع هذا الخيار الأقصى، كما كشفت صحيفة "نيويورك تايمز" لاحقا، هو استخدامه فزاعة لردع ترمب، وجعل الخيارات الوسطى تبدو معتدلة ومحسوبة، لكن ترمب صدم قادة البنتاغون باختيار الحل الأكثر تطرفا، فلم يتهرب من حافة الهاوية، بل اقترب منها وحولها إلى استعراض مرعب للقوة، ورسالة لا تقبل اللبس بأن خصوم أمريكا يواجهون رئيسا لا يلتزم بالخطوط الحمراء. رغم ذلك، واجه ترمب صعوبة في فرض تصوراته خلال ولايته الأولى. واختارت المؤسسة التصدي لما اعتبرته "جموحا" من الرجل عبر شبكة "مقاومة بيروقراطية" من كبار المساعدين والمؤسسات الفيدرالية، التي عملت يوميا على إحباط "أسوأ نزعات ترمب" وعرقلة قراراته التي رأتها مندفعة بدرجة تضر الأمن القومي، بحسب المقال الشهير الذي نشره حينها أحد مساعديه دون ذكر اسمه في نيويورك تايمز. "خلال ولايته الثانية، طبق ترمب إستراتيجية الضغط الأقصى على الدولة الأمريكية العميقة، وفرض سيطرته الكاملة على الحكومة الفيدرالية والمؤسسة العسكرية" في ولايته الثانية، عاد ترمب بخطة "الجدول إف" أو "جدول السياسات" التي صممها بدأب مع دائرته المقربة منذ نهاية ولايته الأولى. كان هدفه تعطيل تلك المكابح بتطبيق إستراتيجية "الضغط الأقصى" على الدولة العميقة ذاتها، وإحكام السيطرة على الحكومة الفيدرالية والمؤسسة العسكرية، في محاولة لضمان تحول المؤسسة البيروقراطية في واشنطن إلى أداة لا تملك إلا تنفيذ أوامر الرئيس، والبديل: سيف الإقالة على رقاب عشرات الآلاف من الموظفين الفيدراليين الذين يمتلكون أدوارا في صناعة السياسات، أو تهمة التأثر بتيار "اليقظة" اليساري كمبرر جاهز للإطاحة بمن ترغب الإدارة في إبعادهم. كل هذا يعني أن ترمب بات يملك ضمانات بأن كبار موظفيه تحت السيطرة، وأنه قادر على إبعاد أي مسؤول قد يفكر في محاولة عرقلة جموحه حال قرر هو رفع سقف التفاوض، ولو حتى بتسريب الأخبار إلى وسائل الإعلام التي لا يحبها ساكن البيت الأبيض. تطل الولايات المتحدة على العالم عبر محيطيْن. ولا يتفق المنظرون وصناع السياسة الأمريكيون على أيهما له الأولوية على الآخر، بل ينقسمون إلى "أطلسيين" يعطون الأولوية للمحيط الأطلسي، و"باسيفيكيين" يرون أن الخطر قادم من ضفة المحيط الهادئ. ولا يقتصر الأمر هنا على التنظير، بل يسعى لتحديد قائمة الحلفاء المحتملين والأعداء الأشد خطرا. "ينقسم صناع السياسة في الولايات المتحدة بين أطلسيين يعطون الأولوية للمحيط الأطلسي، وباسيفيكيين يرون أن الخطر قادم من ضفة المحيط الهادئ" سيطر الأطلسيون طويلا على المؤسسة التقليدية الأمريكية، فأبقت الإدارات المتعاقبة على انخراطها القيادي في حلف الناتو، رغم انتهاء وظيفته التأسيسية بزوال الخطر السوفياتي وانتهاء الحرب الباردة. ولكن ترمب ليس أطلسيا كما بدا جليا في فترتيه الرئاسيتين، فهو يرى أن الخطر الأكبر قادم من تعاظم قوة الصين بالأساس. في ولايته الأولى، لم يكتف ترمب بترجيح كفة الباسيفيكيين في المؤسسة الأمريكية، بل أعاد صياغة النظرة إلى شركاء الأطلسي وفق كتالوج الصفقات. ولا يعتبر ترمب الناتو إرثا تاريخيا لا يقبل المساس، بل صفقة خاسرة تلقي بأموال دافع الضرائب الأمريكي عبر المحيط إلى حفنة من "المنتفعين" في أوروبا، يستخدمونها في تأمين رفاهيتهم، ومنافسة أمريكا بشراسة في الأسواق التجارية. إن بقاء الناتو بحد ذاته يُعتبر في نظر بعض الأمريكيين خروجا عن وصية جورج واشنطن، أحد الآباء المؤسسين للأمة الأمريكية، الذي قال في خطابه الوداعي عام 1796 بضرورة تجنُّب التحالفات الدائمة والاكتفاء بتحالفات مؤقتة تخدم مصالح أمريكا عند الضرورة. لا يكتفي ترمب هنا بتقديم نفسه حارسا لتلك الوصية، وأمينا على المصلحة العليا للشعب الأمريكي، ولو دون إرادة الشعب نفسه ونخبه التقليدية في واشنطن، بل يعيد رسم خريطة الجغرافيا السياسية. في نسخة ترمب من نظرية نيكسون، لا يتورع الرئيس عن استخدام تكتيكات "التنمر المقنن" مع أقرب حلفاء واشنطن. حتى في خضم الحرب الإيرانية، لم يتوقف الرئيس الأمريكي عن التهديد العلني بالانسحاب من حلف الناتو أو باحتلال غرينلاند، كما لم يتردد سابقا في تحطيم التحالفات الضخمة مع دول آسيا، وبينها اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ، التي بناها باراك أوباما بهدف تطويق الصين بشبكة معقدة من حلفاء الولايات المتحدة. يرى ترمب هنا الصين بوصفها المصنع الضخم الذي يبتلع وظائف قاعدته الانتخابية الصلبة من الطبقة العاملة الأمريكية، لا كمنافس أيديولوجي كما فعل سابقوه. وفي مواجهة الصين، لا يحبذ ترمب العمل الجماعي متعدد الأطراف عبر شبكة حلفاء الولايات المتحدة، بحيث يتطلب الأمر النقاش معهم وتقديم تنازلات لهم من داخل الحلف. "يرى ترمب الصين بوصفها المصنع الضخم الذي يبتلع وظائف قاعدته الانتخابية الصلبة من الطبقة العاملة الأمريكية" ما يريده ترمب هو مواجهة منفردة مع الصين رأسا برأس، حيث يملك رافعة الضغط الأقصى وإشاعة الفوضى المحسوبة، ويمكنه إصدار أمر في منتصف الليل بفرض رسوم جمركية مليارية، أو إدراج شركات تكنولوجية عملاقة على القوائم السوداء، دون اللجوء للتشاور مع حلفائه أو صياغة إستراتيجيات مشتركة. يمارس ترمب تكتيكه المفضل بتسليح اللايقين بتغريدات عشوائية تمدح الرئيس الصيني مساء وتتوعد اقتصاده صباحا، فيخلق بيئة تجارية مضطربة تُحوِّل سلاسل الإمداد العالمية إلى حقول ألغام لا يمكن لمستثمر التنبؤ بموعد انفجارها. في النظرة الكلاسيكية، ترى المؤسسة الأمريكية الشرق الأوسط جبهة شديدة التعقيد وقائمة بذاتها، أما وفق تسليح اللايقين الذي يتحرك من خلاله ترمب، فربما لا تكون المنطقة أكثر من غرفة عمليات لضرب حلفاء الأطلسي وخصوم المحيط الهادئ بحجر واحد. لم يرسل ترمب قاذفاته لتدمير البنية التحتية الإيرانية استجابة لنداء أيديولوجي، كما كان سابقوه ليفعلوا لو تورطوا في حرب مشابهة، بل استخدم ساحة الحرب لإرسال رسائل على الجبهتين. فبينما تفرض طهران قيودها على مضيق هرمز، يرى ترمب في رعب عواصم أوروبا (على جبهة الأطلسي) فرصة لاستغلال العوز الأمني والاقتصادي عبر ممارسة التنمر المقنن للوصول إلى صفقة: إما أن تدفعوا نصيبكم كاملا من فاتورة تكاليف الناتو، وتشتروا الوقود الأمريكي، أو افتحوا مضيق هرمز بأنفسكم إن استطعتم، أو ادفعوا وحدكم ثمن الأزمة التي فجرتها في الشرق الأوسط. لقد أشعل ترمب حريقا ثم قدَّم عرضا "لا يُفوَّت" لشراء طفايات الحريق بأسعار مضاعفة. "لقد أشعل ترمب حريقا ثم قدّم عرضا لا يُفوَّت لشراء طفايات الحريق بأسعار مضاعفة" ثم أتت الرسالة الثانية موجهة إلى ضفة المحيط الهادئ، إلى الصين والهند، اللتين تعتمدان على نفط المنطقة، حيث راقبت الهند تحديدا إمداداتها تحت رحمة رجل لا يتردد في إشعال النار حول مراكز الطاقة الأهم في العالم، أو إرسال البحرية الأمريكية لحصار مداخل مضيق هرمز، الذي تمنع إيران المرور فيه. وينطوي تعطيل مقدرات الطاقة في الشرق الأوسط على "فرملة طوارئ" لكبح اقتصاد الصين، التي تستورد نصف وارداتها من النفط ونحو ثلث وارداتها من الغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز، بخلاف كون طهران نفسها أحد أهم مصدري الطاقة إلى بكين. هنا تبرز معضلة: كيف لرئيس بنى شرعيته على إنهاء زمن الحروب المفتوحة، وهاجم أسلافه بضراوة لأنهم أضاعوا تريليونات الدولارات في حروب لم تجن الولايات المتحدة منها ما يستحق التضحية؛ أن يقود بلاده إلى مواجهة دموية مع إيران، وأن يقنع جمهوره بذلك؟ للوهلة الأولى، يبدو المشهد وكأن ترمب يمارس انتحارا سياسيا، أو يخون قاعدته الانتخابية من "القوميين الانعزاليين"، لكن كتالوج ترمب يعيد تعريف مفهوم الحرب بما يتناسب مع مزاج الناخب الأمريكي في ولايات "حزام الصدأ" كما تُعرَف. وتتبنى القاعدة الصلبة من أنصار ترمب ما توصف بـ "الرؤية الإنتاجوية"، وهي أيديولوجية شعبوية تقوم على فكرة أساسية مفادها تقسيم المجتمع إلى منتجين يصنعون الثروة وطفيليات تسرقها. وهنا، فكل تغريدة خارجة عن نطاق المعقول بالنسبة للكثيرين يعتبرها هؤلاء انتصارا على النخبة المتعجرفة، التي يصنفها أنصار ترمب من المؤمنين بالرؤية الإنتاجوية على أنهم "طفيليات" يباركون سرقة ضرائب "المنتجين الحقيقيين" من الطبقة العاملة. "ترمب في عيون جمهوره بطل يحمي القومية الاقتصادية" إن ترمب في عيون جمهوره بطل يحمي القومية الاقتصادية. ويؤكد جمهوره في استطلاعات الرأي أن حلفاء الولايات المتحدة يستفيدون من التحالفات أكثر مما تفعل واشنطن، ولذا ترى قاعدته الانتخابية رئيسها رجل عقلاني، قرر حمل عبء حماية الجمهور البسيط من نزيف الضرائب المهدرة لحماية حدود دول غنية. أما الأضرار التي سيتحملها نتيجة تلك الفوضى، مثل زيادة أسعار الوقود مثلا، فهي فاتورة مؤقتة سيتحملها بصبر مقابل استرداد الثروة المنهوبة. وحتى حين ذهب الرئيس إلى الحرب، التي يفترض أن هذا الجمهور انتخب ترمب بالأساس لأنه لا يريدها، فإن الاستطلاعات تشير إلى أن جمهور "ماغا" ذهب بعيدا في تأييد الرئيس في حرب إيران، التي وصلت نسبة تأييدها بين جمهور الحركة إلى 77% في استطلاع "يو جوف-الإيكونوميست" الصادر في أبريل/ نيسان 2026. يكتمل المشهد بـ"النوستالجيا الثقافية" التي تبيع لمؤيدي ترمب حنينا لعصر ذهبي كانت فيه أمريكا قوية لا تعتذر لأحد. وتأتي صدامات رئيسهم الفجة هنا تأكيدا على أن أمريكا عادت قوية كما كانت، وهي صورة يقدمها الرجل بـ "شعبوية استعراضية" يدرك من خلالها أن بعض جمهوره ملَّ الدبلوماسية الناعمة المنضبطة، ويريد عرضا صراعيا. أما لغة الرئيس الهجومية، وتعمُّده كسر البروتوكولات، فهي لغة الشعب الأصيلة في نظرهم، والطريقة التي يثبت بها أنه ليس أحد السياسيين المنافقين، بل ممثلهم الحقيقي لنسف التقاليد المُهيمنة البالية. "لا تخصم حرب إيران من رصيد ترمب الانتخابي في قلب قاعدته الصلبة" بهذا المعنى، لا تخصم حرب إيران من رصيد ترمب الانتخابي في قلب قاعدته الصلبة، بل تقدم استعراضا للقوة يصنع هوية وطنية جديدة، فالرجل الذي يعترف بأن هدفه ليس بناء الأمم، أو تغيير الأنظمة، أو نشر الديمقراطية، أو تعزيز الرفاهية لدولة أو أخرى، لا يقدم إسقاط نظام إيران أو تركيعه أو ترويضه باعتباره هدفا أيديولوجيا، بل ردا لهيبة أمريكا بـ "جراحة دقيقة" ضرورية لحماية المصالح الأمريكية دون التورط في فواتير الاحتلال، وذلك برسالة بسيطة فحواها أنه يستطيع سحق قدرات الخصم من الجو والبحر، لكنه أذكى من أن يرسل أبناءه للموت في شوارع إيران، أو يتورط في التزامات مالية لا تنتهي لإعادة إعمار بلد كامل، على غرار ما جرى في العراق وأفغانستان. يتفاخر ترمب بقدرته على تحويل الحرب من نزيف مالي إلى فرصة استثمارية. فبينما دفع العالم، من الحلفاء والخصوم على حد سواء، ثمن تبعات إغلاق مضيق هرمز على أسعار الطاقة، يشرح ترمب لناخبيه أن هذه الفوضى كانت هدية القدر لصناعة النفط الصخري الأمريكية؛ فالخناق الذي يضيق على كبار مستوردي النفط في الصين وأوروبا، هو ذاته رافعة شركات الطاقة الأمريكية. وتتحوَّل إذن صورة الحرب من استنزاف المال إلى تقويض المنافسين وتأمين مكانة أمريكا كملاذ آمن للطاقة. تكشف القراءة المتأنية لدستور الصفقات أن ترمب لا يمارس الفوضى لهدم النظام. إنه تاجر في الأخير، والتاجر لا يدمر السوق الذي يتكسَّب منه، بل إن هدفه العملي هو إعادة الهيكلة القسرية للنظام العالمي بما يخدم مصالح الولايات المتحدة بصورة أفضل. والمشكلة هنا أن حرب إيران كشفت أن الخصوم باتوا يستخدمون الدليل ذاته على ما يبدو. فقد بدأت طهران تمارس نسخة من نظرية "الرجل المجنون" هي الأخرى. ولذا لم يعد ترمب وحده مالك عقيدة "اللايقين"، بل أصبح محاصرا في غرفة مليئة بلاعبين بدأوا استنساخ الإستراتيجية ذاتها. في الوقت نفسه، فإنه ليس كل قرار لترمب يمكن رده إلى "إستراتيجية متماسكة"، أحيانا يكون السلوك ارتجاليا أو متناقضا، بما يعني أن اللايقين كثيرا ما يكون ناجما عن فوضى داخلية غير محسوبة. الخطر الرئيسي في ذلك هو احتمالية فقدان التحكم في التصعيد، وخروج الحروب والصدامات عن السيطرة. صحيح أن التلويح بالجنون قد ينجح في انتزاع تنازلات، لكنه يفتح في الوقت ذاته باب سوء التقدير القاتل حين يخطئ الخصوم قراءة الإشارة، وهنا تتحول "إدارة اللايقين" من أداة ضغط محسوبة إلى مقامرة مفتوحة على حافة الانفجار. إعلان من نحنمن نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطبيان إمكانية الوصولخريطة الموقعتواصل معناتواصل معنااعرض المزيدتواصل معنااحصل على المساعدةأعلن معناابق على اتصالالنشرات البريديةرابط بديلترددات البثبيانات صحفيةشبكتناشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتناقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+تابع الجزيرة على:المصدر: الجزيرة نت | Source: الجزيرة نت
ملاحظة تحريرية | Editorial Note: نُشر هذا المقال في الأصل بواسطة الجزيرة نت. خبر (Khabr) هي منصة إعلامية أردنية مرخّصة تعمل بالذكاء الاصطناعي. نضيف قيمة تحريرية من خلال: تحليل ذكي للأخبار، ملخصات تلقائية، رواية صوتية بالذكاء الاصطناعي، ترجمة متعددة اللغات، وتدقيق الحقائق. هدفنا جعل الأخبار أكثر وضوحاً وسهولةً للقارئ العربي.
This article was originally published by الجزيرة نت. Khabr is a licensed Jordanian AI-powered news platform (Registration #82086). We add editorial value through: AI-powered news analysis, automated summaries, AI audio narration, multi-language translation (Arabic, English, French, Turkish), and AI fact-checking. Our mission is to make news more accessible and understandable for Arabic-speaking audiences worldwide.



