مصانع للكابلاج أم سجون؟ سؤال يفرض نفسه أمام ظروف العمل التي يصفها عدد من العمال داخل بعض وحدات صناعة الأسلاك والكابلات الخاصة بالسيارات بمدينة طنجة، حيث تتحدث مصادر مطلعة عن ساعات عمل مرهقة، واستراحات محدودة، وقيود على بعض أبسط الاحتياجات اليومية، مقابل أجور يعتبرها العمال ضعيفة مقارنة بطبيعة العمل.
وبحسب المصادر نفسها، يتم الاتفاق مع العمال عند التوظيف على ثماني ساعات من العمل، غير أن هذه المدة قد تتجاوز أحياناً، خصوصاً في ظل ضغط الإنتاج وحاجيات الشركات. كما أن وقت الغداء يظل محدوداً، بينما يواجه العمال، وفق المعطيات ذاتها، قيوداً في ما يتعلق بوقت الصلاة، إذ يُطلب منهم التقيد بمدة محددة.
ولا يتوقف الأمر عند ذلك، إذ تقول المصادر إن العامل يحتاج في بعض الحالات إلى الحصول على إذن لمغادرة مكان عمله والتوجه إلى المرحاض، في وقت يقضي فيه عدد من العمال ساعات طويلة وهم واقفون أمام خطوط الإنتاج، دون إمكانية الجلوس أثناء أداء مهامهم.
وتضيف المصادر أن طبيعة العمل المتكررة والوقوف المستمر، إلى جانب محدودية فترات الراحة، تجعل ظروف الاشتغال مرهقة، خصوصاً عندما تمتد ساعات العمل إلى ما بعد المدة المتفق عليها.
أما الأجور، فتعتبرها المصادر ضعيفة مقارنة بالمجهود المبذول وظروف العمل، وهو ما يدفع عدداً من العمال إلى مغادرة وظائفهم بعد فترة قصيرة والبحث عن فرص أخرى توفر شروطاً أفضل.
وتأتي هذه الظروف في وقت يعاني فيه قطاع الكابلاج بمدينة طنجة من خصاص متزايد في اليد العاملة، إذ تواجه شركات محلية وأجنبية صعوبات في استقطاب العمال والحفاظ عليهم، رغم استمرار توفر فرص الشغل داخل هذا القطاع.
وفي محاولة لمواجهة هذا الخصاص، لجأت إحدى شركات الكابلاج إلى اعتماد تحفيز مالي لفائدة عمالها، يتمثل في منح 250 درهماً عن كل شخص ينجح العامل في استقطابه وتوظيفه، شريطة أن يستمر الموظف الجديد في العمل لمدة شهر كامل مع احترام شروط الشركة وقوانين العمل.
وتكشف هذه الخطوة عن حجم الصعوبة التي تواجهها الشركات في الحفاظ على استقرار اليد العاملة، إذ لا يبدو أن المشكلة تكمن فقط في العثور على عمال جدد، وإنما أيضاً في إقناعهم بالاستمرار في العمل داخل هذه الوحدات الصناعية.
ويعد قطاع الكابلاج من أبرز الأنشطة الصناعية بمدينة طنجة، ويوفر فرص شغل لعدد كبير من العمال، كما يرتبط بصناعة السيارات وسلاسل الإنتاج الموجهة إلى الأسواق الوطنية والدولية.
غير أن استمرار مغادرة العمال، وفق المصادر نفسها، يطرح تساؤلات حول مدى جاذبية هذه الوظائف، ومدى تناسب الأجور مع طبيعة المهام وظروف العمل، خصوصاً بالنسبة إلى العمال الذين يقضون ساعات طويلة واقفين أمام خطوط الإنتاج.
وبينما تبحث الشركات عن عمال جدد وتقدم حوافز مالية لاستقطابهم، يرى عدد من العاملين أن معالجة الخصاص لا ينبغي أن تقتصر على التوظيف، بل يجب أن تبدأ بتحسين ظروف العمل، واحترام فترات الراحة، وضمان ظروف إنسانية داخل أماكن الاشتغال، إلى جانب مراجعة الأجور بما يتناسب مع طبيعة العمل والمجهود المبذول.




