مصادر عراقية وأميركية لـ”الحرة”: واشنطن تتحرك على الفصائل الموالية لإيران
“تلقت الحكومة العراقية إشارات، ما كانت تتمنى أن تتلقاها من واشنطن،” قال لـ”الحرة” مصدر حكومي عراقي يعمل ضمن فريق خاص يتواصل مع البعثات الدبلوماسية والمؤسسات الدولية. وأكد مسؤول بوزارة الخارجية الأميركية لـ”الحرة” اتخاذ مجموعة إجراءات اقتصادية وأمنية في ما يتعلق بالعراق.
وتحدث المصدر الحكومي العراقي أيضا عن “انزعاج أبدته الولايات المتحدة من العراق بسبب الهجمات التي تعرضت لها سفارتها في بغداد خلال الأسابيع الماضية”.
وقال إن واشنطن أبلغت الحكومة العراقية “بأن الدولار لن يتدفق للعراق حتى يتم التعرف على شكل الحكومة المقبلة”، مضيفا أن الرسائل الأميركية، في الخلاصة، تؤكد على أن “واشنطن تريد عراقا لا يرتهن للإرادة الإيرانية”.
وأكد مصدران حكوميان يعملان في مجلس الوزراء العراقي لـ”الحرة” “إيقاف الولايات المتحدة شحنات الدولار المتجهة إلى العراق”. ويربط الجانب الأميركي استئناف هذه الشحنات النقدية بتشكيل حكومة جديدة تمتلك برنامجاً واضحاً للإصلاح المالي ومكافحة تهريب العملة الصعبة إلى الخارج، تحديداً إلى إيران.
وعلى الرغم من مرور أكثر من خمسة أشهر على إجراء الانتخابات العامة في العراق، لا تزال البلاد تُدار من قبل حكومة تصريف أعمال نتيجة الخلافات داخل الإئتلاف الشيعي الحاكم على تسمية مرشح لرئاسة الوزراء.
وتُعد شحنات الدولار تلك المورد الأساسي الذي يعتمد عليه البنك المركزي العراقي لتغذية السوق المحلية بالسيولة. فالعراق، الذي يعاني من ضعف في القاعدة الإنتاجية، يعتمد بشكل شبه كلي على استيراد السلع من الخارج، وهو ما يتطلب توفير الدولار للتجار والمواطنين عبر “نافذة بيع العملة”. وبدون وصول هذه الشحنات المادية من الدولار “الكاش”، قد يواجه السوق العراقي أزمات حادة في القوة الشرائية وارتفاعاً في أسعار السلع الأساسية.
وبموجب قرارات دولية صدرت بعد عام 2003 عندما اجتاحت الولايات المتحدة الأميركية العراق، تم إنشاء حساب يسمى “حساب عوائد النفط العراقي”. وحالياً، تتدفق جميع إيرادات مبيعات النفط الخام العراقي (التي تُباع حصراً بالدولار) مباشرة إلى هذا الحساب في البنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، ويجري إرسالها للعراق عبر طائرات.
وواحدة من أبرز أسباب إيداع الأموال العراقية في البنك الفيدرالي الأميركي، الحماية من الديون والتعويضات. إذ كان العراق بعد عام 2003، مثقلاً بديون ضخمة وقضايا تعويضات من عهد نظام صدام حسين، لذا يوفر إيداع الأموال في البنك الفيدرالي الأميركي حصانة قانونية بقرار من الرئاسة الأميركية، ما يمنع الدائنين أو الشركات الدولية من الحجز على أموال النفط العراقي في المحاكم الدولية.
وأكد مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية لمكتب الحرة” في واشنطن، صحة المعلومات المتعلقة بوقف إرسال شحنات الدولار للعراق. وأضاف: “لن تُستأنف (الشحنات) حتى تتضح معالم الحكومة الجديدة ويكون هناك التزام مُثبت بوقف استخدام العملة الأميركية في تمويل الهجمات ضد الأميركيين”.
وأشار المسؤول الأميركي إلى أن “هذا ليس قطيعة، بل نتيجة، وسيبقى كذلك حتى تختار بغداد مسارا مختلفا”. وأضاف أن “إيقاف شحنات الدولار إلى البنك المركزي، ليس لأننا نريد معاقبة الشعب العراقي، بل لأننا لا نستطيع السماح بتدفق العملة الأميركية إلى نظام يمول ميليشيات تطلق النار على سفارتنا”.
لا تتعلق الضغوط الأميركية الجديدة بالدولار فحسب، بل تتعدى ذلك إلى القضايا الأمنية.
ففي وقت سابق من الاثنين، جددت السفارة الأميركية في بغداد تحذيرها للمواطنين الأميركيين المتواجدين في العراق، وقالت: “لا تزال بعض الجهات المرتبطة بالحكومة العراقية توفّر بشكلٍ فعّال غطاءً سياسياً ومالياً وعملياتياً لهذه الميليشيات الإرهابية” في إشارة إلى الفصائل الموالية لإيران.
معلومات حصل عليها “الحرة” من دبلوماسي عراقي، تفيد بأن واشنطن لم تعد مستعدة للتعامل مع سلطة تنفيذية توفر غطاءً سياسياً أو مالياً للفصائل المسلحة الموالية لإيران، والتي تعتبرها واشنطن “مجموعات إرهابية” تقوض سيادة العراق.
ومن أبرز المطالب الأميركية “محاسبة” الفصائل التي استهدفت السفارة الأميركية في بغداد، وفقاً للمصدر الحكومي.
وتمر العلاقة بين بغداد وواشنطن بمنعطف قد يعيد رسم ملامح “اتفاقية الإطار الاستراتيجي” التي وقعت بين البلدين عام 2008. فبغداد لم تتمكن من حماية السفارة الأميركية ومصالح أميركية أخرى من عمليات الاستهداف التي طالتها من فصائل مسلحة موالية لطهران خلال الحرب الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران.
على الصعيد الأمني، لم يكن الموقف الأميركي أقل صرامة، وفقا لعضو في المجلس الوزاري للأمن الوطني العراق، كشف لـ”الحرة” عن قيام الجانب الأميركي بتعليق كافة اجتماعات التنسيق الأمني مع بغداد.
يقول عضو المجلس، وهو بدرجة وزير، وطلب عدم ذكر اسمه لأنه غير مخول بالحديث عن الموضوع، إن “هذه الاجتماعات إن لم تُعقد فإنها تسبب ضرراً للعراق. نستفيد من هذه الاجتماعات في التنسيق الاستخباراتي وتبادل المعلومات، وعدم عقدها، يقوض بعض جهودنا الأمنية”.
هذا القرار لم يرتبط فقط بتشكيل الحكومة، بل وُضع له شرط إضافي يتمثل في “الكشف عن المتورطين بقصف السفارة الأميركية وقاعدة الدعم اللوجستي في مطار بغداد الدولي،” يضيف.
ولم يقتصر التصعيد عند تعليق الاجتماعات، بل امتد ليشمل تجميد التمويل الأميركي الموجه لعدد من المؤسسات الأمنية العراقية، وفقا لعضو المجلس الوزاري العراقي، الذي لم يسم المؤسسات التي تحصل على دعم أميركي.
وقال إن واشنطن أبدت استعدادها لتسليم قاعدة فيكتوري (مركز الدعم الدبلوماسي في العاصمة بغداد) للحكومة العراقية، دون أن يوضح الهدف من ذلك.
وتعرض مركز الدعم الدبلوماسي لهجمات شبه يومية منذ اندلاع الحرب ضد إيران في 28 فبراير، لتضطر واشنطن مطلع أبريل الجاري لسحب جميع أفرادها من المقر الواقع قرب مطار بغداد الدولي.
وأكد المسؤول في وزارة الخارجية الأميركية لمدير مكتب “الحرة” في واشنطن، صحة المعلومات المتعلقة باجتماعات التنسيق الأمني، وأشار إلى أنها “معلّقة” في الوقت الحالي.
وقال الخبير الأمني فاضل أبو رغيف لـ”الحرة” إن “هذه الخطوة تعكس حالة من فقدان الثقة بين بغداد وواشنطن بسبب الهجمات الأخيرة التي تعرضت لها السفارة الأميركية وقاعدة الدعم اللوجستي في بغداد”.





