مساعد وزير الخارجية المصري: إغلاق باب المندب شرارة قد تشعل تحالفاً دولياً ضد إيران - عاجل
بغداد اليوم - خاص
أكد مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير محمد حجازي، اليوم الأحد ( 29 آذار 2026 )، أن "تهديدات الحوثيين في اليمن لمضيق باب المندب تعد تصعيداً خطيراً لحركة الملاحة البحرية التجارية الدولية، وتهديداً لأهم الممرات البحرية، إذ يمر عبر البحر الأحمر وقناة السويس قرابة تسعين بالمئة من التجارة بين أوروبا وآسيا"، لذا يمثل مضيق باب المندب أحد أكثر مفاصل التجارة الدولية حساسية، ليس فقط بوصفه ممراً ملاحياً حيوياً، بل باعتباره نقطة تلاقٍ بين الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة والتوازنات الجيوسياسية.
وأضاف حجازي في حديثه لـ"بغداد اليوم"، أن "احتمالات تعطيل أو إغلاق هذا المضيق قد تدفع الحرب لأفق أوسع، وقد تقود لانضمام دول من أوروبا وحلف الناتو إلى الحملة العسكرية ضد إيران، التي تدرك مخاطر إغلاق مضيق هرمز وباب المندب في الوقت نفسه"، مبيناً أن "إجراءً مثل هذا سيستدعي عواقب جسيمة توسع من نطاق التحالف العسكري ضدها، وهو ما يعد كذلك استعداءً لأوروبا وتهديداً لأمن الملاحة عبر البحر الأحمر وقناة السويس ومصافي النفط السعودي في ينبع على ساحل البحر الأحمر، والمملوكة لأرامكو، وهي الأكبر في المملكة".
وأشار حجازي إلى أنه "لا يمكن النظر إلى المضيق بمعزل عن ارتباطه العضوي بقناة السويس، حيث يشكل الاثنان معاً شرياناً واحداً لحركة التجارة بين آسيا وأوروبا"، مضيفاً أن "أي اضطراب في باب المندب ينعكس تلقائياً على كفاءة هذا المسار، ويعيد تشكيل حسابات شركات الشحن العالمية، التي تميل بطبيعتها إلى تقليل المخاطر حتى لو على حساب زيادة الكلفة الزمنية والمالية".
وأوضح حجازي أن "مجرد تصاعد التهديدات، دون إغلاق فعلي، كفيل بدفع جزء معتبر من الحركة البحرية إلى الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، وهو ما يترجم إلى ارتفاعات ملموسة في أسعار الشحن والطاقة، وإلى ضغوط تضخمية ممتدة في الاقتصادات الصناعية الكبرى، وقد خسرت مصر وحدها في حملة غزة نحو 11 مليار دولار بسبب معركة الحوثيين مع الاحتلال وإغلاق المضيق الحيوي".
وأكد السفير حجازي أن "الأثر الأعمق لغلق المضيق يتجلى في إعادة تعريف مفهوم أمن الممرات البحرية ذاته"، فالمشهد الحالي يكشف أن "السيطرة التقليدية للقوى الكبرى على طرق التجارة لم تعد كافية لضمان استقرارها"، في ظل صعود فاعلين غير دوليين يمتلكون أدوات تعطيل منخفضة الكلفة وعالية التأثير، من الطائرات المسيرة إلى الصواريخ المضادة للسفن.
هذا التحول يفرض معادلة جديدة قوامها أن تأمين الممرات لم يعد مهمة عسكرية بحتة، بل أصبح عملية مركبة تشمل الردع السياسي، والاحتواء الإقليمي، والتنسيق متعدد الأطراف، وهو ما يفسر الميل المتزايد نحو محاولات تدويل أمن البحر الأحمر، مقابل حرص إقليمي من الدول المتشاطئة على حماية أمن الملاحة وعدم تدويل أو عسكرة البحر الأحمر.
وعاد السفير حجازي ليوضح أن "بالنسبة لمصر، فإن تداعيات هذا الوضع تتجاوز البعد الاقتصادي المباشر المرتبط بإيرادات قناة السويس إلى نطاق أوسع يمس صميم مفهوم الأمن القومي"، فالقناة ليست مجرد مورد مالي، بل أداة نفوذ استراتيجي ومصدر ثقل في التفاعلات الدولية. وتراجع حركة الملاحة، حتى بشكل جزئي، يعني تآكل هذا الثقل، ويفرض في المقابل أعباء إضافية على السياسة الخارجية المصرية لتعويض هذا التراجع عبر أدوار دبلوماسية وأمنية أكثر نشاطاً.
ومن هنا، تبرز أهمية انخراط القاهرة في ترتيبات إقليمية ودولية تهدف إلى تثبيت الاستقرار في البحر الأحمر، ليس فقط لحماية مصالحها المباشرة، بل للحفاظ على موقعها كفاعل محوري في معادلة الأمن البحري.
وكشف حجازي أن "احتمال إغلاق باب المندب يسهم في نشأة اتجاه بنيوي نحو تسييس الجغرافيا الاقتصادية، حيث تتحول الممرات البحرية إلى أدوات ضغط ضمن صراعات أوسع"، مؤكداً أن "هذا الاتجاه يحمل في طياته مخاطر انزلاق النظام الدولي نحو مزيد من التجزئة، حيث تصبح سلاسل الإمداد عرضة للتسييس والابتزاز، وتفقد الأسواق العالمية جزءاً من مرونتها التقليدية"، كما أنه "يعزز من تنافس القوى الكبرى على تثبيت موطئ قدم دائم في المناطق الساحلية المطلة على هذه الممرات، بما في ذلك القرن الأفريقي، وهو ما ينذر بتحول البحر الأحمر إلى ساحة عسكرية مفتوحة لإعادة توزيع النفوذ الدولي".
واختتم مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق حديثه بأن "الواقع يشير إلى أن سيناريو الإغلاق الكامل يظل مستبعداً نظراً لتكلفته العالية على جميع الأطراف"، إلا أن "السيناريو الأكثر ترجيحاً يتمثل في استمرار حالة اللااستقرار المنضبط"، حيث لا يتوقف المرور الملاحي بشكل كامل، لكنه يظل محفوفاً بالمخاطر بما يكفي لإعادة تشكيل أنماط التجارة والتأمين والنقل البحري، مشيراً إلى أن "هذه الحالة الرمادية قد تكون أكثر خطورة على المدى المتوسط، لأنها تستنزف الاقتصاد العالمي تدريجياً" دون أن "تدفع بالضرورة إلى استجابة حاسمة، خاصة في ظل الانشغال المحوري بمضيق هرمز". وفي ضوء ذلك، أشار إلى أن التعامل مع هذه التهديدات يصبح مرهوناً بقدرة الأطراف الإقليمية، وفي مقدمتها مصر، على الدفع نحو مقاربة جماعية لأمن البحر الأحمر بين الدول المتشاطئة، وبدعم دولي يستلهم نماذج التعاون الإقليمي الناجحة، ويوازن بين ضرورات الأمن ومتطلبات التنمية، مضيفاً أن "المعادلة لم تعد تقتصر على حماية ممر مائي، بل تتعلق بالحفاظ على أحد الأعمدة الرئيسية لاستقرار النظام الاقتصادي العالمي، في لحظة تتزايد فيها هشاشته وتتعاظم فيها التحديات العابرة للحدود".



