مربع ومرتع الفساد
المهندس: عبدالكريم أبو زنيمة
يتشكل الفساد الذي يعم البلاد من أربعة أضلاع، وهم شركاء بكل ما وصلنا إليه من بؤس وشقاء وضياع، إنه مربع السرطان المستفحل الذي ينهش بجسد الدولة حتى باتت على وشك السقوط ، فالمسكنات لن تجدي نفعًا، ولا بد من استئصاله، فالوطن بخطر، وأية هزة للاقتصاد العالمي، وخاصة الأمريكي، التي تلوح مؤشراته بالأفق، ستتساقط الكثير من الدول المرتبطة به الواحدة تلو الأخرى.
الكل يعرف من هي مؤسسة الفساد ومن هم مؤسسوها وأعضاؤها ورعاتها، فهي تشكل الضلع الأساسي الأول في المربع ، حيث تستحوذ على إدارة الدولة ومقدراتها، وتتوارث فيها المناصب والمغانم ، وتتكسب من كل ما يدخل ويخرج من الحدود ، سواء المسموح منه أو الممنوع ، أي أنها تستثمر الدولة بما يخدم مصالحها وامتيازاتها وبما يحفظ ديمومتها، لذلك لجأت إلى الانقلاب على الديمقراطية الناشئة في شهر آب عام 1993، وحلّت المجلس الحادي عشر المنتخب شعبيًا، الذي شكّل تهديدًا لها، كي تُشكّل بقية أضلاع مربع الفساد ، ذلك المجلس الذي ضم في عضويته شخصيات ورموزًا وقوى سياسية وطنية رزينة ، لذلك ارتأت السلطة الحاكمة أن هكذا مجالس وطنية تشكل خطرًا وجوديًا عليها، فلجأت إلى إصدار قانون انتخابات مؤقت «الصوت الواحد» الذي فتّت النسيج الاجتماعي الأردني، وأسس لبداية مرحلة جديدة من الفساد السياسي والإداري والاقتصادي والاجتماعي بلا حسيب ولا رقيب، حيث شُكّلت منذ ذلك التاريخ المجالس النيابية بالتزوير والتعيين على مقاس وأهواء مؤسسة الفساد، وارتكبت كل الموبقات بحق الوطن: «اتفاقية وادي عربة، والخصخصة، وسرقة والسطو على كل مقدرات الوطن، واتفاقيات الذل مع الكيان… و… و… وآخرها الملكية العقارية» باسم الشعب عبر هذه المجالس الهلامية المصطنعة التي شكلت الضلع الثاني لمربع الفساد.
أما الضلع الثالث للفساد فهم قطعان التسحيج ، الذين يصفقون عندما يؤمرون أو يؤشر لهم بالتصفيق والهتاف، فمفهوم القطيع هو الحالة التي يصبح فيها الإنسان مجرد رقم في تجمع كبير، يسير معهم ويتأثر بهم دون وعي وإدراك منه لمخاطر أعماله مقابل دراهم معدودة ، ولا يعي حجم المخاطر التي تنتظره ، وما هو المصير الذي سيؤول إليه مستقبلًا، فهذه الظاهرة أساسها الجهل والأمية العلمية والمعرفية وضحالة البيئة السياسية والفكرية، فهي غير قادرة على التمييز بين الحقيقة والواقع، وبين الدعاية والتزييف والشعارات الرنانة، وبذلك يصبح القطيع طينة رخوة يسهل تشكيلها بالوهم أو الابتزاز أو الإغراء من قبل مالك المال والنفوذ والسلطة، فهل يعقل أن ثلاثة عقود من الكذب والتزييف وتزوير الحقائق والإنجازات الوهمية والسلب والنهب وكل أشكال الفساد والانحلال ، ولا زال هناك من يصفق لانهيار وطنه؟ إذا كان هذا القطيع غير مدرك لما آل إليه الوطن من خراب ودمار، وغير واعٍ أن الأوطان لا تبنى بالهتاف والتسحيج ، وإنما بالعدل والمساواة والإنجاز، فإن الخطر يداهمنا بوتيرة متسارعة.
أما الضلع الرابع فهم الأحزاب السياسية ، فبالرغم من معرفة الأحزاب أن تفنن السلطة الحاكمة بالعبث بقوانين الانتخابات هو رِدة عن الديمقراطية، وأن هذه السلطة الحاكمة لن تتخلى عن امتيازاتها ومصالحها ونفوذها، فهي ، أي الأحزاب ، لم تتوافق يومًا على برنامج وطني إصلاحي ، ولم تؤلف جبهة وطنية للإنقاذ، ولم تقاطع الانتخابات مجتمعة، وبذلك أضفوا الشرعية على كل ما جرى من فساد، وبهذه الأحزاب تتباهى السلطة الحاكمة بديمقراطيتها المزورة، حتى بلغ التهريج بإحدى الحكومات أنها ادعت أنها حكومة برلمانية!
لقد كان أمام الأحزاب مجتمعة فرصة بأن توقف كل هذا العبث والتهريج، بأن تقاطع هذه المسرحيات الانتخابية وأن تنقذ الوطن، لكنها لم تفعل!!! ويا للأسف، فإن أصحاب الحناجر القوية من السياسيين كانوا ولا زالوا يقفون أمام الجماهير ويهتفون ويعدونهم زورًا وبهتانًا بتحقيق المستحيلات، وأنهم سيقطعون دابر الفساد، ومنهم لا زال حتى يومنا هذا تحت القبة يهدر بأعلى صوته، وهم من كانوا بالمجلس السابق وما قبله، فماذا فعلوا؟ وماذا أنجزوا؟ لا شيء! سوى أنهم أصبحوا سترًا لتجار الوطن وسماسرتِه، أو كما يقال: «مثل شراشيب الخرج» أو «مثل مسامير اللقن»، هم فقط للزينة، وهم بالحقيقة يعرفون جيدًا أنهم لن يغيروا شيئًا، هم للأسف تجار شعارات واصطياد مواقف دعائية إعلامية لا أكثر.
هكذا نُسرق! المتنفذون يسرقون وينهبون ويسمسرون بالوطن، والمجالس المزورة تغطيها بالتشريعات وصكوك الغفران، والقطيع يسحج ويصفق، والأحزاب تمكيج وتزين حالة الفساد، لذلك، لن نخطو خطوة إلى الأمام ما دمنا ننتظر من ينقذنا وهو من يستعبدنا ويستغلنا ويتاجر بوطننا، علينا ألا نكون ولا ننساق مع القطيع، فإذا لم نتحرر من سياسة القطيع فلن ننتج إلا المزيد من الذئاب المفترسة التي تقتات على صمتنا وخنوعنا.
هذا المحتوى مربع ومرتع الفساد ظهر أولاً في سواليف.





