... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
233045 مقال 299 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 7873 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 4 ثواني

مرايا الحداثة المتشظية: المشهد الشعري التونسي في عصر التحولات

العالم
أمد للإعلام
2026/04/21 - 13:24 501 مشاهدة

مقدمة :
في عصر التحولات الكبرى التي أعادت تشكيل الوعي الجمعي والعلاقة باللغة والهوية،يبدو المشهد الشعري التونسي وكأنه مرايا متشظية تعكس أطيافا من التجريب والاغتراب والمقاومة. فبين جذور محلية ممتدة في الذاكرة وانفتاح على تقنيات الكتابة العالمية،وبين صدمات الثورة وخيبات الأمل وفجوة الرقمي،تشكلت تجربة شعرية فريدة تستحق وقفة تأملية،تبحث فيما صار إليه الشعر التونسي اليوم من ثراء مركب وتنوع مدهش،وسط غياب خطاب نقدي يواكب هذه الغزارة ويحميها من الضياع.

لم يعد الشعر التونسي المعاصر مجرد نافذة تطل على الذات الشاعرة،بل تحول إلى كون جمالي متعدد الطبقات،أشبه بمتحف حي يتجدد باستمرار.إنه يستحق أن ننحني أمامه كواحد من أكثر المظاهر الشعرية إثارة للدهشة في فضاءين ثقافيين متداخلين: العربي والمتوسطي.وما يثير الدهشة حقا هو ذلك التوازن الصعب بين التمسك بالجذور المحلية والانفتاح على تقنيات الكتابة العالمية،مما جعل من تونس معملا حقيقيا لاختبارات الحداثة الشعرية.
عندما انطلقت "حركة الطليعة" بقيادة رواد مثل منصف الوهايبي ومحمد الغزي،لم تكن مجرد مغامرة شكلية عابرة،بل كانت محاولة وجودية لإعادة تعريف علاقة الشاعر باللغة والعالم.
لقد أحدث هؤلاء زلزالا في بنية الوعي الشعري، جعل من القصيدة التونسية مسرحا للتساؤلات الميتافيزيقية والجمالية معا،حيث أصبح الوزن مجرد اقتراح لا قاعدة،والقافية خيارا لا إلزاما.
وجاء جيل التسعينيات ليكتب فصلا مختلفا تماما، معتمدا على انفتاح غير مسبوق على خزائن الشعر العالمية.وراهن هؤلاء على فكرة التعدد والاختلاف كمشروع ثقافي،مؤمنين بأن الشعر ليس نقلا للواقع بل إعادة اختراع له بلغة موازية.وتنوعت أشكالهم بين قصيدة التفعيلة التي أتقنوها، وقصيدة النثر التي احتضنوها،والومضة والهايكو التي جربوها.
لقد أدركوا أن الواقع خشن وقاس،ولا يمكن للغة العادية أن تلتقطه إلا إذا تشظت هي الأخرى.
ومع اندلاع ثورة 2010-2011،ثم سقوط الأمل في حفرة الإحباط،بدأت دواوين الشعراء تتحول إلى سجلات للقلق والاغتراب.لكن المفارقة المذهلة أنهم لم يستسلموا للبكائيات المباشرة،بل صعدوا بألمهم إلى مستوى جماليات مقاومة،تعكس فهما عميقا لاشتراطات المرحلة.
وتحت وطأة الفضاء الرقمي وأزمة الشعر المتصاعدة،طوّروا أدوات تعبيرية هجينة.فبرزت في الألفية الثالثة حركة "نص" التي جعلت من قصيدة النثر مشروعا جماليا متكاملا.ولم تكتف هذه الحركة بإصدار الدواوين،بل أسست خطابا نظريا حول مفهوم "النص" ذاته،متجاوزة بذلك الانقسام العقيم بين الشعر والنثر.
يغفل كثير من القراء حقيقة أن المشهد الشعري التونسي لا ينحصر داخل الحدود الجغرافية للبلاد، بل يمتد عبر فضاءات الشتات في أوروبا وأمريكا الشمالية.فقد أنتج الجيل الثاني من التونسيين المهاجرين،خاصة في فرنسا وإيطاليا وكندا، نصوصا هجينة تتقاطع فيها اللغة الفرنسية أو الإيطالية مع العربية،وتتشابك فيها ذاكرة الجنوب التونسي مع إيقاعات المدن الأوروبية.هذه التجارب،التي لم تحظ بعد بالدراسة الكافية، تشكل إثراء حقيقيا للحداثة التونسية،حيث تعيد تعريف مفهوم "الانتماء" الشعري من جهة،وتطرح أسئلة جديدة حول الهوية واللغة والذاكرة من جهة أخرى.
لقد تحول الشاعر التونسي في المهجر إلى وسيط ثقافي طبيعي،ينقل هموم بلاده الأصلية بصيغ تتناغم مع حساسية القارئ الغربي،وفي الوقت نفسه يضخ في الشعر التونسي جرعات من الحداثة الأوروبية دون أن يفقد خصوصيته.
ويطرح العقد الأخير إشكالية جديدة لم تأخذ حقها من التحليل بعد: علاقة الشعر التونسي بالتحول الرقمي.فلم يعد الشاعر يكتب للنشر الورقي فقط، بل أصبحت منصات فيسبوك وتويتر والمدونات فضاءات حاسمة في تشكيل القصيدة وانتشارها. هذا التحول ولّد أشكالا هجينة: قصائد ومضة مصممة للتداول السريع،وهايكو رقمي،ونصوص مفتوحة على تعليقات القراء.
لكن السؤال المحوري: هل خدمت هذه الوسائط الشعر أم جعلته أكثر سطحية؟!
يبدو أن بعض الشعراء التونسيين استطاعوا تحويل هذه الآلة إلى أداة إبداعية حقيقية، منتجين نصوصا كثيفة تحافظ على عمقها رغم قصرها،وتستفيد من سرعة التداول دون أن تفقد قيمتها الجمالية.وهنا تكمن عبقرية التجربة التونسية: تحويل الأزمة (تراجع القراءة الورقية، تسارع الإيقاع اليومي) إلى فرصة لابتكار أشكال جديدة من التكثيف والإيحاء.
وإذا تأملنا المشهد الشعري التونسي اليوم،نجد أن التنوع ليس مجرد سمة عابرة،بل هو المشروع نفسه.فهناك من راهن على الخطاب الصوفي في تجارب متعددة المشارب،ومن راهن على قصيدة الواقع بلغة تقترب من اليومي،ومن استعاد القصيدة العمودية بإيمان بقدرتها على الاستمرار، ومن أسس لشعرية الألم والسرد.بل إن حركة شعرية نسوية واضحة المعالم بدأت تفرض نفسها، بفضل قراءات نقدية استطاعت ضبط سمات خصوصيتها.
لقد منح مناخ الحرية الذي أعقب الثورة الشعراء فرصة الكتابة في مواضيع كانت محظورة،والأهم أن النصوص الممنوعة سابقا،والتي كُتبت في الخفاء،وجدت طريقها إلى النشر،مما أثرى التجربة بأصوات كانت مكتومة.كما أن الانفتاح التونسي على الغرب،وإتقان غالبية الشعراء للغتين الفرنسية والإنكليزية على الأقل،جعل هذه التجربة منفتحة على أشكال الكتابة العالمية بشكل غير مسبوق.
ومن الظواهر اللافتة ظهور الهايكو في تونس،هذا النوع الذي يعود إلى ماتسو باشو في القرن السابع عشر،والذي بدأ يكتسب شهرة عالمية.وأثار هذا النوع جدلا حول مشروعية وجوده: هل هو مجرد اقتراح إنشائي دخيل،أم توجها جماليا يمكن إعادة إنباته في التربة التونسية؟
يبدو أن المدافعين عنه نجحوا في تقديم قراءات معمقة للهايكو الياباني،مما أكسبه شرعية تدريجية في الساحة الثقافية.
وهنا أتوقف عند نقطة بالغة الأهمية: العلاقة المتوترة بين الأكاديميا التونسية وشعرها. فتجربتي الشخصية في كلية الآداب بمنوبة في الثمانينيات،حيث كان الشعر التونسي غائبا عن المناهج بحجة أن "الأدب أدب بغض النظر عن جنسية كاتبه"، كانت إقرارا ضمنيا بدونية الشعر التونسي مقارنة بسياب وأدونيس ودرويش.لكن الثابت أن الخطاب الأكاديمي بدأ يتزحزح في العقدين الأخيرين،متحررا من مسلمات نقدية مضللة مثل "الشعر التونسي بقي شعر قصائد لا شعر تجارب"،أو "شعرية الشابي ستبقى الأعلى التي لا يمكن مجاوزتها".
لقد أظهرت الأجيال الجديدة أن تجاوز الشابي ممكن،ليس بالتنكر له،بل بالبناء على منجزه وتجاوزه إلى آفاق جديدة.
إن عددا من الشعراء التونسيين (منصف الوهايبي، محمد الغزي،فتحي النصري،نصر سامي،يوسف رزوقة..) استطاعوا بناء مشاريع شعرية حقيقية، حيث يعزز لاحقهم سابقهم أو يباينه،مما يدحض مقولة اللامشروعية التي طالما ألصقت بالشعر التونسي.
ختاما،يمكن القول إن الحركة الشعرية في تونس اليوم لم تكن يوما أسيرة النماذج الجاهزة،بل انخرطت منذ وقت مبكر في مشروع تجريبي طموح،تبلورت ملامحه في احتضان حداثتين شعريتين متوازيتين: قصيدة التفعيلة بوصفها قطيعة مع العمود،وقصيدة النثر بوصفها تجاوزا للوزن ذاته.وهذا التشكل المزدوج لم يأت صدفة، بل هو ثمرة تفاعلات معقدة بين الشاعر ونصوص واقعه،بين اللغة وسلطة التقاليد،وبين الخصوصية المحلية وانشغالات الحداثة الكونية.
وما يعزز راهنية هذا الاختيار أنه يفكك أسطورة راسخة في النقد الأدبي العربي،وهي التقسيم الجغرافي الاستقطابي الذي جعل من المشرق منبعا للإبداع ومن المغرب مناخا للنقد والتلقي. فالتجارب التونسية تثبت اليوم أن الخريطة الشعرية العربية لم تعد تحتمل تلك الثنائيات الضيقة،بل صارت الإضافة الحقيقية تأتي من هامش الأقاليم لتعيد تشكيل مركز النص.
لكن اللافت أن هذه الغزارة الإبداعية تواجه اليوم تحديا لا يقل خطورة عن الجمود القديم،وهو غياب خطاب نقدي مواز بمستوى التعقيد والثراء نفسه.فالكتابة الشعرية المعاصرة في تونس تموج بالتنوع والاختلاف والتجريب المستمر،لكنها تظل مهددة بالضياع في غابة الأصوات ما لم تصاحبها قراءة نقدية رصينة،قادرة على فك شيفراتها، وتفكيك تحولاتها،وتمثل تعددها من دون اختزاله. فالنقد،هنا،ليس مجرد أداة توصيف،بل شرط بقاء للحداثة ذاتها.
في النهاية،لا يكفي أن يكتب الشاعر قصيدة مغايرة،ولا أن يثبت المهمش قدرته على كسر المركز،إذ تظل الحداثة الشعرية مشروعا ناقصا ما لم تنعكس في مرآة نقدية تعترف بصعوبتها وتعشق غموضها.فالمغامرة الحقيقية لا تكمن في كسر الوزن أو تجاوز القافية،بل في خلق عين قادرة على رؤية الجديد حيث لا يراه أحد،ولسان قادر على تسمية التحول قبل أن يستقر.وما ينتظر المشهد الشعري التونسي اليوم ليس مزيدا من التجريب فقط،بل تأسيس وعي نقدي يكون للتجريب فيه وطن لا مجرد عبور.

 

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤