مؤتمر فتح الثامن وسؤال المستقبل
في الرابع عشر من شهر أيّار المقبل؛ سترنو الأنظار نحوَ المؤتمر العامّ الثامن لحركة (فتح)، وهو المؤتمر الذي سيعقدُ في مناخات وطنيّة وإقليميّة متناهية التعقيد تسترعي اجتراح مقاربات ما فوق واقعيّة لأزمات مُستعصية أصابت القضيّة الفلسطينيّة، واستدخلتها في سياقات أَزميّة لا حيلولة عنها بحلول سياسيّة (ابنة ساعتها) ولا مناص منها إلّا بتشريح العقل الجمعيّ الفلسطينيّ تشريحًا بنيويًا، يُصار من خلاله إلى الإجابة عن سؤال المستقبل، وإعادة تعيين المفاهيم والأفكار والتصوّرات، والنفاذ إلى دواخل وبواطن الذات الوطنيّة الفلسطينيّة التي تعرّضت إلى انشطار ثقافيّ ومفاهيميّ واجتماعيّ وهُويّاتيّ وتتصيّر إلى ذات لاواعية، وهذه الصيرورة لا تنفصل عن تشكّل ظواهر سوسيو-اقتصاديّة داخل المجتمع الفلسطينيّ تؤكّد ضروريّة الحفاظ على ديناميّات الهويّة الوطنيّة كماهيّة للذات اتساقًا مع صياغة مشروع ثقافيّ يُعاد عبره ترميم العقل الجمعيّ.
تعتبرُ مؤتمرات (فتح) منذ تأسيسها وانطلاقتها حكمًا معيارًا على المسارات التي ستؤول إليها القضيّة الفلسطينيّة، فالمؤتمر الأوّل للحركة شهد اتخاذ قرارات لها صلة ببعث الهويّة الوطنيّة الفلسطينيّة ضمن مشروع تحرّريّ، قوامه، استخدام الكفاح المسلّح لحشد الطاقات والجماهير لخوض ما عُرف بـ"حرب الشعب"؛ بهدف الوصول إلى المبتغى النهائيّ؛ وهو التحرير، ومن ثمّ أعادت حركة (فتح) صياغة أدبياتها وبرنامجها السياسيّ استنادًا إلى المتغيّرات السياسيّة (حرب حزيران- اتفاق القاهرة 1969- حرب تشرين/ أكتوبر 1973- الحرب الأهليّة في لبنان- اتفاق السلام بين مصر وإسرائيل- العلاقة مع النظام السوريّ السابق- التفاعلات الداخليّة في الساحة الفلسطينيّة الصراع مع إسرائيل.. إلخ)، أمّا مؤدى ذلك فقد انبثق عنه النمو الجنينيّ لفكرة الدولة/ الكيان منذ طرح برنامج النقاط العشر عام 1974 وما تلاه من أطروحات وأفكار كانت مُحدّداتها الإقرار بقرارات دولية تتعارض والمبادئ التأسيسيّة لحركة (فتح) التي اتسمت بالصرامة الثوريّة –إن صح التعبير- كالقرارين الدوليين (242) و(338) وغيرهما، وهذا الإقرار لم يكن تنازلًا كما تحدّث قادة الحركة بمقدار ما هو استجابة للتحوّلات التي تستدعي (تفكيك/ تركيب) المفاهيم والرؤى، فحركة (فتح) بتبنّيها (اللاأدلجة) كمبدأ من مبادئها؛ استطاعت التعاطي مع هذه التحوّلات، التي في غمارها؛ عقدت مؤتمرات الحركة في عدد من العواصم العربيّة، وصولًا إلى عقد أوّل مؤتمر للحركة في فلسطين (المؤتمر السّادس) ومن ثم المؤتمر السابع (رام الله) وانتهاءً بالمؤتمر الثامن.
وفي حديثنا عن المؤتمر الثامن؛ فإنّ هذا المؤتمر استحقاق يتعدّى بتأثيراته ونواتجه الحيّز الفتحاويّ الداخليّ، كما أنّه استحقاق يستوجب تعيين/ تحديد موقف الحركة من مجمل القضايا والأزمات، بما في ذلك؛ حسم جدليّة علاقة (الحزب- السلطة) بتكوين تعريفات جديدة للعلاقات ما بين الكيانات والأُطر والمؤسّسات، وتذويب الأشكال العلائقيّة التي تتخذ شكلًا تياراتيًا/ قبليًا بما يضمن وحدة الحركة، وإنجاز هذا المؤتمر بوصفه تجسيرًا للهوّة بين الحركة واستحقاقات المستقبل.





