غير أن التحدي لا يكمن فقط في فتح المعابر أو توقيع الاتفاقيات، بل في كيفية إدارة العلاقات الاقتصادية بعقلية تكاملية حقيقية، بعيدًا عن ردود الفعل التقليدية. وهنا تبرز إشكالية "المعاملة بالمثل” التي كثيرًا ما تُطرح كقاعدة لتنظيم العلاقات التجارية بين الدول. فرغم وجاهتها من حيث المبدأ، إلا أنها في كثير من الأحيان تتحول إلى عائق بدل أن تكون أداة تنظيم.
المعاملة بالمثل ليست دائمًا الحل، بل قد تكون أحيانًا "العقدة بالمنشار”. فعندما تتعامل الدول مع بعضها بمنطق الرد بالمثل في القيود والإجراءات، فإن النتيجة تكون حلقة مفرغة من التعقيدات التي تعيق انسياب السلع والاستثمارات. فبدل أن تُبنى العلاقات على تحقيق المصالح المشتركة وتعظيم الفائدة الاقتصادية، تتحول إلى ساحة لتبادل القيود، مما يضر بالجميع دون استثناء.
في حالة سورية، المطلوب هو نهج مختلف يقوم على المرونة والانفتاح المدروس، بحيث يتم تسهيل حركة التجارة والاستثمار بشكل تدريجي، مع معا
لجة الاختلالات عبر الحوار والتنسيق، لا عبر فرض القيود المقابلة. فالتكامل الاقتصادي الحقيقي يقوم على مبدأ "رابح – رابح”، وليس على مبدأ "العين بالعين” في السياسات التجارية.
كما أن القطاع الخاص يجب أن يكون في صلب هذه العملية، لأنه الأقدر على اكتشاف الفرص وبناء الشراكات الفعلية على الأرض. وهنا يأتي دور الحكومات في تهيئة البيئة التشريعية وتذليل العقبات، لا في تعقيدها.
إن سورية يمكن أن تكون نقطة انطلاق لنموذج تكاملي جديد في المنطقة، إذا ما تم التعامل معها بمنطق إستراتيجي بعيد المدى، لا بمنطق ردود الأفعال قصيرة الأجل. فالتكامل الاقتصادي لا يُبنى بالشعارات، بل بالقرارات الجريئة، والسياسات المرنة، والرؤية المشتركة التي تضع مصلحة المنطقة فوق أي اعتبارات ضيقة.
يبقى السؤال: هل نملك الإرادة للانتقال من عقلية "المعاملة بالمثل” إلى عقلية "التكامل من أجل النمو”؟ الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد شكل الاقتصاد العربي في السنوات القادمة.



