بدأت الأسر في محافظة الحسكة، منذ أسابيع قليلة، تجهيز مؤونة الشتاء، في طقس سنوي تحافظ عليه كثير من العائلات رغم ارتفاع تكاليفه وتراجع القدرة الشرائية. وتتنوع المؤونة بين الخضار المجففة و”المخللات” و”المضغوط” و”المكدوس”، وصولًا إلى ورق العنب والثوم والبصل المجففين، فيما تنتظر الأسر نضوج الفواكه بشكل كامل للبدء بتحضير المربيات.
وتحتل المؤونة مساحة مهمة في العادات الغذائية لأهالي الحسكة، إذ تعتمد الأسر على ما تخزنه خلال فصل الصيف لتأمين جزء من احتياجاتها خلال أشهر الشتاء، عندما ترتفع أسعار بعض الخضار أو يقل توفرها في الأسواق، لكن ارتفاع أسعار المواد الغذائية والزيوت خلال السنوات الماضية جعل عملية التموين عبئًا إضافيًا على ميزانية الأسر، خاصة مع اختلاف الكميات التي تحتاج إليها العائلات بحسب عدد أفرادها وقدرتها على التخزين.
وتبدأ الأسر عادة بـ”المجففات”، التي لا تحتاج إلى كميات كبيرة من المواد الأخرى أو إلى تجهيزات مكلفة، قبل الانتقال إلى “المخللات” و”المضغوط” و”المكدوس”، ويعد الأخير من أكثر أصناف المؤونة تكلفة، نظرًا إلى حاجته إلى عدة مكونات، بينها الزيت والمكسرات والثوم والفليفلة، إلى جانب الباذنجان.
البداية من “المجففات” و”المخللات”
قالت نهلة السلطان، من مدينة الحسكة، إن الأسر بدأت خلال الفترة الحالية بتجفيف عدد من أنواع الخضار، وفي مقدمتها الباذنجان والبامية والملوخية.
وأضافت أن الأسرة الصغيرة تحتاج إلى نحو سبعة كيلوغرامات من الباذنجان بالحد الأدنى لتجفيفه وتخزينه، بينما قد ترتفع الكمية إلى 15 كيلوغرامًا أو أكثر لدى الأسر التي تستهلك الباذنجان المجفف بكثرة.
ويبلغ سعر كيلو الباذنجان حاليًا نحو 30 ليرة سورية، ما يعني أن شراء سبعة كيلوغرامات يكلف نحو 210 ليرات، في حين تصل تكلفة 15 كيلوغرامًا إلى نحو 450 ليرة، من دون حساب تكاليف التجهيز والتجفيف والتخزين.
أما البامية المجففة، المعروفة محليًا باسم “الشجيج”، فتحتاج إلى ميزانية أعلى، إذ يبلغ سعر الكيلو نحو 200 ليرة سورية. وتبدأ الكميات التي تخزنها بعض الأسر من كيلوغرامين، أي ما يعادل 400 ليرة، وقد تصل إلى خمسة كيلوغرامات أو أكثر بحسب رغبة الأسرة.
وتأتي الملوخية في مقدمة الخضار التي تعتمد عليها الأسر في التجفيف، خصوصًا أنها من الأصناف المستخدمة على نطاق واسع خلال الشتاء. ويبلغ سعر كيلو الملوخية المقطوفة حاليًا نحو 150 ليرة سورية.
وبحسب نهلة، تحتاج الأسرة الصغيرة إلى نحو 15 كيلوغرامًا من الملوخية لتجفيفها، أي ما يعادل 2250 ليرة، بينما قد تصل الكمية لدى الأسر الكبيرة إلى 40 أو 50 كيلوغرامًا، لتتراوح تكلفة شراء الكمية وحدها بين 6000 و7500 ليرة سورية.
وتعكس هذه الفروقات حجم التفاوت بين الأسر في عملية التموين، إذ لا ترتبط الكمية بعدد أفراد الأسرة فقط، وإنما بعادات الاستهلاك وما اعتادت كل عائلة على تخزينه خلال السنوات السابقة.
وتتجه بعض الأسر إلى المخللات باعتبارها من الأصناف الأقل كلفة مقارنة بالمكدوس وغيره من المؤونة، خاصة مع توفر بعض الخضار في الأسواق خلال موسمها.
وقالت ابتسام حماد، إن كيلو الخيار يبلغ حاليًا نحو 40 ليرة سورية، وهو السعر ذاته للفليفلة، بينما يصل سعر كيلو القثاء إلى نحو 60 ليرة.
وأضافت أن تجهيز “المخللات” لا يتطلب شراء مكونات مرتفعة الثمن كتلك المطلوبة في “المكدوس”، لذلك يبقى خيارًا متاحًا لعدد أكبر من الأسر، رغم أن التكلفة النهائية تختلف بحسب الكميات التي تحتاج إليها كل عائلة.
وتدخل هذه “المخللات” في الوجبات الشتوية لدى كثير من الأسر في الحسكة، إلى جانب كونها من الأصناف التي يمكن تحضيرها وتخزينها في وقت مبكر من الموسم.
“المضغوط” و”المكدوس”.. أصناف أكثر تكلفة
من بين أصناف المؤونة التي بدأت بعض الأسر في الحسكة تجهيزها “المضغوط”، وهو عبارة عن مصل البندورة الذي تطبخ فيه البامية جزئيًا قبل وضعه في أوانٍ زجاجية، ليستخدم لاحقًا خلال فصل الشتاء.
وقالت نورة العلي، إن أسرتها تقوم سنويًا بتموين “المضغوط”، مستفيدة من انخفاض سعر البندورة خلال هذه الفترة، إذ يبلغ سعر الكيلو نحو 30 ليرة سورية.
وتحتاج الأسرة المتوسطة، بحسب نورة، إلى صندوقين من البندورة، يحتوي كل منهما على نحو 15 كيلوغرامًا، أي 30 كيلوغرامًا بالمجموع، إضافة إلى نحو كيلوغرامين من البامية، وبذلك تبلغ تكلفة البندورة نحو 900 ليرة سورية، فيما تضاف إليها تكلفة البامية وبقية مستلزمات التحضير.
ويتيح هذا النوع من المؤونة للأسر الاحتفاظ بالبندورة لفترة طويلة، واستخدامها خلال الشتاء في إعداد عدد من الأطباق، ما يجعله من الأصناف التي تحافظ عليها العائلات ضمن عاداتها السنوية.
أما “المكدوس”، الذي تصفه بعض الأسر بأنه “سيد المؤونة”، فتبدأ عملية تجهيزه عادة في وقت لاحق، وإن كانت بعض العائلات قد بدأت فعلًا بتموينه خلال الفترة الحالية.
وقالت نورة، إن إعداد “المكدوس” يحتاج إلى الباذنجان والفستق والثوم و”المحمرة”، وهي “مهروسة الفليفلة الحارة”، إضافة إلى الزيت، الأمر الذي يرفع تكلفته مقارنة بباقي أصناف المؤونة.
وتقدّر تكلفة إعداد “المكدوس” للأسرة الكبيرة بنحو 5000 ليرة سورية جديدة، بينما تبلغ لدى الأسرة المتوسطة قرابة 3000 ليرة سورية جديدة، وفق تقديرها.
وتشكل أسعار الزيت أحد أبرز العوامل التي ترفع كلفة المكدوس، إذ يبلغ سعر أربعة لترات من زيت دوار الشمس نحو 1200 ليرة سورية جديدة، ما يجعل شراء الزيت وحده بندًا مؤثرًا في ميزانية الأسرة، خصوصًا أن عملية حفظ المكدوس تحتاج إلى كمية مناسبة من الزيت.
ورق العنب والثوم والبصل
لا تقتصر المؤونة على الخضار المجففة و”المخللات”، إذ تخزن الأسر أيضًا ورق العنب والثوم والبصل، وهي أصناف تستخدم على امتداد أشهر الشتاء.
وقالت ابتسام حماد، إنها خزنت ورق العنب خلال الفترة الماضية، في بداية آب الحالي، وكان سعر الكيلو يتراوح بين 200 و350 ليرة سورية.
وتحتاج الأسرة الصغيرة، وفق تقديرها، إلى نحو ثلاثة كيلوغرامات من ورق العنب، أي ما بين 600 و1050 ليرة، بينما تحتاج الأسرة الكبيرة إلى ما بين خمسة وسبعة كيلوغرامات، لتتراوح الكلفة بين 1000 و2450 ليرة سورية.
كما تخزن الأسر الثوم الجاف، الذي يبلغ سعر الكيلو منه نحو 70 ليرة سورية، وتحتاج الأسرة الصغيرة إلى نحو خمسة كيلوغرامات، أي 350 ليرة، بينما ترتفع الكمية مع ارتفاع عدد أفراد الأسرة.
أما البصل المجفف فيبلغ سعر الكيلو نحو 60 ليرة سورية جديدة، وتحتاج بعض الأسر إلى كيسين، أي نحو 30 كيلوغرامًا، أو أكثر بحسب عدد أفرادها، ما يعني أن تكلفة هذه الكمية تبدأ من نحو 1800 ليرة سورية جديدة.
المربيات تنتظر نضوج الفواكه
في حين دخلت معظم أصناف المؤونة مرحلة التجهيز، لا تزال المربيات تنتظر اكتمال نضوج الفواكه المستخدمة في تحضيرها.
وقالت ابتسام حماد، إن موسم المربيات لم يبدأ بصورة فعلية بعد، إذ تعتمد الأسر على فواكه بينها العنب والمشمش والتين، التي لم تصل جميعها إلى مرحلة النضوج النهائي، متوقعة أن يبدأ التموين خلال أوائل أيلول المقبل.
ويبلغ سعر كيلو العنب حاليًا نحو 70 ليرة سورية جديدة، فيما ترتبط التكلفة النهائية للمربيات بالكميات المستخدمة وبأسعار بقية المواد الداخلة في تصنيعها.
وتحاول الأسر، من خلال توزيع عملية المؤونة على أسابيع وأشهر الصيف، تجنب شراء جميع المواد دفعة واحدة، خاصة أن ذلك يتطلب مبالغ كبيرة لا تستطيع جميع العائلات توفيرها في وقت واحد.
الفليفلة الحمراء ودبس البندورة
لا تقتصر أصناف المؤونة التي تحضرها الأسر في الحسكة على الخضار المجففة و”المخللات”، إذ تدخل الفليفلة الحمراء ضمن قائمة المواد التي تبدأ بعض العائلات بتجهيزها خلال موسمها.
وقالت عدلة السالم، وهي من سكان مدينة الحسكة، إن أسرتها تشتري الفليفلة الحمراء خلال فترة انخفاض سعرها، ثم تغسلها وتفرغها من البذور وتجففها تحت أشعة الشمس، قبل حفظها كما هي أو طحنها لاستخدامها لاحقًا في إعداد الطعام، ولا سيما في بعض الأطباق التي تحتاج إلى الفليفلة المجففة أو المطحونة.
وأضافت أن بعض الأسر تحضر أيضًا كمية من دبس البندورة خلال موسم البندورة، من خلال شراء كميات كبيرة منها وعصرها وطبخها لساعات حتى تصبح أكثر كثافة، ثم تعبئتها وحفظها لاستخدامها خلال أشهر الشتاء.
وتوضح أن هذه الطريقة كانت أكثر انتشارًا عندما كانت الأسر تعتمد بدرجة أكبر على ما تنتجه وتخزنه في المنزل، بينما أصبحت بعض العائلات تفضّل شراء دبس البندورة الجاهز بسبب الوقت والجهد اللذين يتطلبهما تحضيره منزليًا.
الحبوب والبقوليات
تشمل المؤونة لدى بعض الأسر تخزين كميات من الحبوب والبقوليات، وفي مقدمتها العدس والحمص والفاصولياء، إضافة إلى البرغل الذي كان يشكل في السابق جزءًا أساسيًا من التحضيرات الشتوية لدى كثير من العائلات.
وقالت عدلة السالم، إن أسرتها تشتري كميات من العدس والحمص والفاصولياء وتخزنها في المنزل، خصوصًا أن هذه المواد تدخل في عدد من الوجبات التي تزداد الحاجة إليها خلال الشتاء. وتختلف الكميات بحسب عدد أفراد الأسرة وقدرتها على التخزين، لكن شراءها دفعة واحدة خلال فترات انخفاض الأسعار يساعد بعض الأسر على توزيع نفقات الطعام على أشهر السنة.
وأضافت أن تموين الكشك والبرغل، الذي كان حاضرًا بصورة أكبر في عادات الأسر قديمًا، بدأ يتراجع تدريجيًا، وصولًا إلى اختفائه تقريبًا من قائمة المؤونة لدى كثير من العائلات.
وعزت ذلك إلى تغير نمط الحياة، وتوفر هذه المنتجات في الأسواق طوال العام، إلى جانب الوقت والجهد اللذين يحتاجهما تحضير بعض أصناف المؤونة التقليدية. وقالت إن الأجيال الجديدة باتت تعتمد بدرجة أكبر على المنتجات الجاهزة، في حين تحافظ بعض الأسر على تحضير الأصناف التي ترى أنها أكثر ارتباطًا بعاداتها الغذائية.
بين التوفير وتكلفة التحضير
يرى الخبير الاقتصادي محمد العبد الله أن المؤونة المنزلية تمثل، من منظور اقتصاد الأسرة، محاولة لتوزيع الإنفاق على مدار العام والاستفادة من انخفاض أسعار بعض المنتجات خلال موسمها، بدل شرائها في الشتاء بأسعار أعلى. وقال إن حساب التكلفة لا ينبغي أن يقتصر على سعر الخضار الأساسية، بل يشمل الزيت والملح والمواد الداخلة في التخليل، إضافة إلى المكسرات والبهارات ومواد التعبئة والطاقة المستخدمة في الطبخ والتجفيف.
يقدّر العبد الله أن الأسرة الصغيرة التي تكتفي بكميات محدودة من أصناف المؤونة الأساسية، مثل الباذنجان والملوخية والبامية المجففة و”المضغوط” و”المكدوس” و”المخللات” وورق العنب والثوم والبصل تحتاج إلى نحو 8000 ليرة سورية تقريبًا، مع اختلاف التكلفة بحسب الكميات الفعلية لكل صنف وأسعار المواد عند الشراء. أما الأسرة الكبيرة، التي تضاعف بعض الكميات وتحتاج إلى مخزون أكبر خلال الشتاء، فقد تصل تكلفة المؤونة الأساسية لديها إلى نحو 15000 ليرة سورية.
وأشار إلى أن هذه الأرقام لا تشمل تكلفة المربيات بصورة نهائية، نظرًا إلى أن موسم الفواكه لم يبدأ بعد، كما أن أسعار الفواكه والكميات التي ستخصصها كل أسرة للمربيات لم تستقر بعد.
وأضاف أن تكلفة “المكدوس” تبقى من أكثر البنود تأثيرًا في الميزانية، بسبب حاجته إلى الزيت والمكسرات والفليفلة والثوم، ولذلك فإن أي ارتفاع في أسعار هذه المواد ينعكس مباشرة على الكلفة النهائية للمؤونة.
ويعتبر العبد الله أن شراء المواد خلال موسمها يمكن أن يخفف الإنفاق الشتوي، لكنه لا يعني بالضرورة أن المؤونة أرخص في كل الحالات، لأن الأسرة تدفع جزءًا كبيرًا من المبلغ مقدمًا، وتحتاج إلى توفير السيولة اللازمة لشراء المواد وتجهيزها. لذلك، فإن الأسر ذات الدخل المحدود تلجأ غالبًا إلى تقسيم المؤونة على مراحل، وشراء الأصناف الأكثر ضرورة أولًا، أو تخفيض الكميات، بدل التخلي عنها بالكامل.
ويخلص إلى أن المؤونة تحافظ على دورها كأداة لإدارة ميزانية الأسرة في الحسكة، لكنها تحولت في ظل ارتفاع الأسعار من عادة موسمية بسيطة إلى عملية تحتاج إلى حساب مسبق للكميات والتكلفة، خصوصًا لدى الأسر الكبيرة التي يمكن أن تتحول مؤونتها السنوية إلى بند إنفاق واضح ضمن ميزانية الأسرة.
أكثر من مجرد عادة
تبقى المؤونة بالنسبة إلى كثير من الأسر في الحسكة أكثر من مجرد عادة غذائية موسمية، فهي وسيلة للاحتفاظ بالخضار والفواكه خلال الشتاء، وتقليل الحاجة إلى شرائها من الأسواق عندما تكون أسعارها أعلى أو توفرها أقل. إلا أن ارتفاع تكاليف بعض مكوناتها، وعلى رأسها الزيت والمكسرات وبعض الخضار، جعل تجهيزها يحتاج إلى تخطيط مسبق، واختيار الكميات وفق القدرة المالية لكل أسرة.
وبينما تستمر السيدات في تجهيز ما يمكن تخزينه خلال هذه الفترة، تنتظر الأسر دخول موسم الفواكه لبدء مرحلة المربيات، لتكتمل تدريجيًا أصناف المؤونة التي ترافق العائلات في الحسكة خلال أشهر الشتاء.


