موفق ملكاوي : عن أزمة الكتابة.. من جديد
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
أخبارنا
2026/04/19 - 00:42
501 مشاهدة
حملت ثورة الاتصالات انقلابا في مفهوم التعبير، بإتاحتها منابر للجميع
للكتابة والنشر وإبداء الرأي في كتابات وأفكار ومواقف الآخرين، ومحاكمتها
عبر شاشة صغيرة. هذا أمر مفهوم ويمكن النظر إليه بوصفه مكسبا إنسانيا من
خلال إلغاء احتكار الحق في التعبير. لكن امتلاك هذا الحق لا يعني بالضرورة
امتلاك أدواته، والوعي والمسؤولية تجاه استخداماته.
تتجلى المشكلة اليوم في اختلاط المساحات، وتسرب الكتابات غير المؤهلة إلى
المنابر التي يفترض أنها رصينة، فالتضخم غير المسبوق في عدد كتاب المقال،
يكشف أن القليل منهم فقط قد يضيف معرفة ما، بينما غالبيتهم يختارون حالة
إنشائية يغيب عنها المنطق والسياق.
قبل طوفان مواقع التواصل الاجتماعي، كان عدد كتاب المقال في الأردن محدودا، تبعا لانعكاسات معايير كان معمولا بها، فالوصول للصحيفة يعني المرور عبر بوابة تحريرية صارمة، مع إدراك الكاتب أنه يكتب من موقع مسؤولية تجاه قارئ يمنحه وقته وثقته. اليوم، تآكلت الحدود، وصار من السهل الانتقال من منشور عابر على فيسبوك حصد الإعجابات، إلى منصة إعلامية يفترض أنها تمثل عقلا عاما.
غياب الحدود تجلى في عدم التفريق بين من يكتب لحصد التفاعل، ومن يكتب لمناقشة فكرة، فهناك فرق كبير بين البحث عن الصدى الذي يراهن على التعاطف ولا تعنيه سوى اللحظة الراهنة، وبين البحث عن المعنى الذي يراهن على الحجة ويكتب للتاريخ. اختلاط الوظيفتين أضاع المعايير، وأصاب الذوق العام بالتشوش، وجعل من العسير التمييز بين الغث والسمين. الأخطر من ذلك أن القارئ، وأمام هذا الفيض من الرداءة، فقد ثقته حتى بالقليل الذي ما يزال مؤمنا بالرصانة.
المقال ليس حالة إنشائية، ولا هو صرخة غضب أو منصة لتصفية الحسابات، وإنما بنية فكرية تمتلك معايير صارمة لا يجوز التفريط بها، تبدأ بالفكرة الواضحة، واللغة المنضبطة التي لا تأتي للتباهي، والأسلوب الذي يعكس شخصية الكاتب، والمنطق الذي هو عصب المقال، إذ لا قيمة لفكرة لا تستند إلى حجة وتواجه حججا مضادة.
حين تغيب هذه العناصر، نكون أمام خلل بنيوي، فالكتابة نشاط يعبر عن المجتمع، ومن خلال كتابات الشعوب يمكن أن نقرأ طرائق تفكيرها ومستوى ثقافتها ومدنيتها، وقدرتها على إدارة الخلاف. المجتمعات التي تنتج كتابة تحليلية متزنة وعميقة، هي مجتمعات تمتلك أدوات التفكير، أما التي يغلب على كتابتها الصراخ والاتهام والتخوين، فهي تكشف عن هشاشة في بنيتها الفكرية.
شيوع ما يمكن تسميته «الكتابة العنيفة» التي يغلب عليها الغضب والتهديد واليقين المطلق، يسهم في تغييب الأسئلة والمساحات التأملية، فتزدهر كتابة لا تبحث عن تفسير، بقدر ما تحاول جمع المؤيدين وصناعة الخصوم، وهو نمط عاجز عن إنتاج المعرفة، وكل ما يستطيعه هو مراكمة التوتر.
في العالم العربي، ومنه الأردن، يندر أن نجد تحليلا معمقا لظاهرة اجتماعية أو سياسية، فالاستقصاء الجاد غائب، وتكاد تختفي الدراسات الرصينة من الفضاء العام. حتى النقد، بأدواته البسيطة، أصبح ترفا.
هذا الغياب لا يمكن فصله عن حالة عامة من الضياع، خصوصا مع تحول الكتابة من انعكاس لهوية فكرية إلى مجرد مهارة لغوية بتراجع المشروع الثقافي وتردي التفكير والحس النقديين. الكتابة العربية اليوم تعيش ارتباكا في تعريف ذاتها، ما جعلها تبقى متحيزة لكتابة الموقف وتغييب كتابة المعرفة، لتغدو أداة تعبئة وصدى لما يحدث، بعيدا عن محاولات تقييمه وفهمه.
أزمة الكتابة تتعدى كونها مسألة تقنية تتعلق بالإتقان، نحو سؤال الوعي والعلاقة بالحقيقة، والقدرة على الشك المنهجي، والاستعداد للاعتراف بالتعقيد. المجتمعات التي لا تحتمل التعقيد تميل إلى التبسيط المخل، والمجتمعات التي لا تمارس النقد تميل إلى الشعارات بعيدا عن المعرفة.
قد لا يحق لنا إقصاء أحد عن حقه في التعبير، لكن من الواجب إعادة الاعتبار للمعايير الصارمة التي حكمت عمل المنابر الرصينة لكي تظل وفية لوظيفتها، وأن يتم تدريب الجيل الجديد على التفكير قبل الكتابة، وعلى القراءة قبل إصدار الأحكام، فالكاتب يتشكل من تراكم معرفي، ومن احتكاك بالنصوص، وعندها قد يستعيد المجتمع معناه، فتستعيد الكتابة هويتها.
قبل طوفان مواقع التواصل الاجتماعي، كان عدد كتاب المقال في الأردن محدودا، تبعا لانعكاسات معايير كان معمولا بها، فالوصول للصحيفة يعني المرور عبر بوابة تحريرية صارمة، مع إدراك الكاتب أنه يكتب من موقع مسؤولية تجاه قارئ يمنحه وقته وثقته. اليوم، تآكلت الحدود، وصار من السهل الانتقال من منشور عابر على فيسبوك حصد الإعجابات، إلى منصة إعلامية يفترض أنها تمثل عقلا عاما.
غياب الحدود تجلى في عدم التفريق بين من يكتب لحصد التفاعل، ومن يكتب لمناقشة فكرة، فهناك فرق كبير بين البحث عن الصدى الذي يراهن على التعاطف ولا تعنيه سوى اللحظة الراهنة، وبين البحث عن المعنى الذي يراهن على الحجة ويكتب للتاريخ. اختلاط الوظيفتين أضاع المعايير، وأصاب الذوق العام بالتشوش، وجعل من العسير التمييز بين الغث والسمين. الأخطر من ذلك أن القارئ، وأمام هذا الفيض من الرداءة، فقد ثقته حتى بالقليل الذي ما يزال مؤمنا بالرصانة.
المقال ليس حالة إنشائية، ولا هو صرخة غضب أو منصة لتصفية الحسابات، وإنما بنية فكرية تمتلك معايير صارمة لا يجوز التفريط بها، تبدأ بالفكرة الواضحة، واللغة المنضبطة التي لا تأتي للتباهي، والأسلوب الذي يعكس شخصية الكاتب، والمنطق الذي هو عصب المقال، إذ لا قيمة لفكرة لا تستند إلى حجة وتواجه حججا مضادة.
حين تغيب هذه العناصر، نكون أمام خلل بنيوي، فالكتابة نشاط يعبر عن المجتمع، ومن خلال كتابات الشعوب يمكن أن نقرأ طرائق تفكيرها ومستوى ثقافتها ومدنيتها، وقدرتها على إدارة الخلاف. المجتمعات التي تنتج كتابة تحليلية متزنة وعميقة، هي مجتمعات تمتلك أدوات التفكير، أما التي يغلب على كتابتها الصراخ والاتهام والتخوين، فهي تكشف عن هشاشة في بنيتها الفكرية.
شيوع ما يمكن تسميته «الكتابة العنيفة» التي يغلب عليها الغضب والتهديد واليقين المطلق، يسهم في تغييب الأسئلة والمساحات التأملية، فتزدهر كتابة لا تبحث عن تفسير، بقدر ما تحاول جمع المؤيدين وصناعة الخصوم، وهو نمط عاجز عن إنتاج المعرفة، وكل ما يستطيعه هو مراكمة التوتر.
في العالم العربي، ومنه الأردن، يندر أن نجد تحليلا معمقا لظاهرة اجتماعية أو سياسية، فالاستقصاء الجاد غائب، وتكاد تختفي الدراسات الرصينة من الفضاء العام. حتى النقد، بأدواته البسيطة، أصبح ترفا.
هذا الغياب لا يمكن فصله عن حالة عامة من الضياع، خصوصا مع تحول الكتابة من انعكاس لهوية فكرية إلى مجرد مهارة لغوية بتراجع المشروع الثقافي وتردي التفكير والحس النقديين. الكتابة العربية اليوم تعيش ارتباكا في تعريف ذاتها، ما جعلها تبقى متحيزة لكتابة الموقف وتغييب كتابة المعرفة، لتغدو أداة تعبئة وصدى لما يحدث، بعيدا عن محاولات تقييمه وفهمه.
أزمة الكتابة تتعدى كونها مسألة تقنية تتعلق بالإتقان، نحو سؤال الوعي والعلاقة بالحقيقة، والقدرة على الشك المنهجي، والاستعداد للاعتراف بالتعقيد. المجتمعات التي لا تحتمل التعقيد تميل إلى التبسيط المخل، والمجتمعات التي لا تمارس النقد تميل إلى الشعارات بعيدا عن المعرفة.
قد لا يحق لنا إقصاء أحد عن حقه في التعبير، لكن من الواجب إعادة الاعتبار للمعايير الصارمة التي حكمت عمل المنابر الرصينة لكي تظل وفية لوظيفتها، وأن يتم تدريب الجيل الجديد على التفكير قبل الكتابة، وعلى القراءة قبل إصدار الأحكام، فالكاتب يتشكل من تراكم معرفي، ومن احتكاك بالنصوص، وعندها قد يستعيد المجتمع معناه، فتستعيد الكتابة هويتها.
ــ الغد





