🕐 --:--
-- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر | -- مشاهد مباشر
929,617 مقال 401 مصدر نشط 228 قناة مباشرة 4,818 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ ثانية

موفق محمد: راوٍ لشاعرِة اسمها الحلّة

ترفيه
حبر
2026/05/15 - 05:50 507 مشاهدة
تحليل ذكي | AI Editorial Analysis

ليلة الثاني من آذار عام 1948، ولدَت بدرية طفلها السابع بعد خمس بنات وولد، سمته جدته لأبيه موفّق.

هدأ المولود الجديد وكفّ عن البكاء ونام.

فجرًا استيقظت بدرية تحلب البقرة وإذ بالجدة تزجرها: «ولج بدرية نجسة وتِحلبين البقرة!».

هذا الخبر من حبر. خبر يقدم أدوات ذكاء اصطناعي للتلخيص والترجمة والاستماع.

ليلة الثاني من آذار عام 1948، ولدَت بدرية طفلها السابع بعد خمس بنات وولد، سمته جدته لأبيه موفّق. هدأ المولود الجديد وكفّ عن البكاء ونام. فجرًا استيقظت بدرية تحلب البقرة وإذ بالجدة تزجرها: «ولج بدرية نجسة وتِحلبين البقرة!». تركت الأم مهمتها وذهبت لشط الحلة الذي لا يبعد عن دارِهم سوى خطوات لتغتسل من بقايا الولادة. حينها سحبها الماء إلى أن مدّ لها عامل النظافة عصا مكنسته المصنوعة من سعف النخيل وسحبها.

يكاد موفق لا يتحدث عن نفسه إلا ويذكر كيف وُلد، وهذا يفسّر أنه كتب قصيدة يشرح فيها الحدث، صارت لاحقًا طريقته المحبّذة لرواية القصة. وما حصل في قصّة ولادته، تكرر في أحداث حياته الأخرى، إذ كثيرًا ما كان ينزع إلى رواية أحداث يومية اعتيادية أبسط أو أعقد من حدث الولادة في قصائد. وكأنه يرى الحياة مشاهدَ ويعيش قصصها بإحساس مكثّف. يزيد من هذا التقمص لما تختزنه المواقف من مشهدية وشعرية، خجل موفق من استخدام صيغة الأنا، وصعوبة التحدث عن الذات حين يتعلق الأمر بمشاعره الذاتية. لذا نجده يخفي انفعالاته بصيغ تعبر عن شعور جمعيّ أو ما يجب أن يكونه هذا الشعور. وبهذا صار شعره صوتًا بديلًا عن صوته الخاص، منغمسًا في جماعته حتى بأحاسيسه الشخصية العميقة الحادة. 

ولدت بدرية أربعة أطفال بعد موفق، وأصبحت أمًا لأحد عشر ولدًا وبنتًا، يسكنون جميعًا رفقة والدهم الملّقب بمحمد الصغير في محلة الطاق، واحدة من محلّات الحلّة القديمة، تتشارك بيوتها الجدران الجانبية والخلفية نفسها. حيّ تكتظ بيوته بالأطفال من مختلف الأعمار، ويتشارك في تربيتهم الأهل والأجداد والجيران.

عملَ الأب في صناعة الأختام التي يستخدمها موظفو الدولة والمخاتير والتجار. واحتكاكه في عمله بطبقة اجتماعية متعلمة ومثقفة دفعه للرغبة في أن يتعلّم جميع أبنائه وأن يوفّر بيئة مناسبة لتربيتهم. فأرسلهم جميعًا للمدارس، حتى موفق الذي لم يبلغ بعد سن الدراسة أرسله إلى دار كتّاب تقيمها سيدة اسمها ملّة أم إبراهيم.

تساقط الجنان

توفي والد موفق ولما يكمل الولد عامه السادس، ليختبر بهذه الوفاة الفقد الدائم لأول مرة. فقد أدرك أثره بالغياب ومراقبته لأمه تجهد لتأمين الطعام لمجموعة أيتام تركهم الأب في عنقها مع وصية: «بدرية أريدهم ياخذون البكالوريوس».

عام 1954 في الغرفة الداخلية لمحل تصوير شمسي في الحلة، جلس الطفل على تنكةٍ أمامه صندوق يخرج منه غطاء أسود. عندما أدخل المصور رأسه في الغطاء، ظنّ موفق أن هذا الجهاز يريد سحب روحه، لكن طمأنه صوت أمه مخاطبا المُصوّر: «يمه خذله صورة زينة، هذا يتيم». ولم يفهم ما الرابط بين الصورة الجميلة واليُتم.

درسَ موفّق في مدرسة ابتدائية قريبة من منزل العائلة. كان طالبًا عاديًا يستمتع بالدراسة واللعب مع أقرانه، لا يميزه عنهم شيء لا في السلوك ولا الفقر ولا شقاوة الأطفال. يذهب وإياهم للمدرسة في السابعة صباحًا، وعند الثانية عشرة ظهرًا يعود الطلبة إلى بيوتهم لتناول الغداء -إن وجد-، ليعاودوا الذهاب للمدرسة من جديد من الثانية ظهرًا وحتى الرابعة. ويعودون بعدها لبيوتهم بعد أن يكونوا قد فرّغوا طاقتهم في اللعب على ضفاف النهر أو بعبور الجسر للضفة الأخرى متجاوزين الممنوعات وخوفهم من أن يمسك بهم الأهالي هناك ويرجِعوهم إلى ضفتهم بعد ضربهم. وعند هبوط الظلام يخرج الأطفال للدراسة تحت نور عمدان الشارع التي يسمونها عصافير البلدية، ليكملوا واجباتهم المدرسية.

يصف موفق المدرسة الابتدائية بأنها الجنة، أمّا صوت جرسها، فكان أول موسيقى سمعها وأجملها، صوت لا يغادر ذاكرته، وينبهُه إلى أن موعد وجبة الغداء واللعب قد حان. صوت يحمل بشارة تختلف في معناها عن الأصوات الأخرى في حياته لاحقًا.

«كنا نعيش في أزقة ضيقة وبيوت أضيق منها
سعداء كنا قانعين
كان السمك يأتي من النهر إلى بيتنا راقصًا بعباءة أمي.
خذ المدارس كلها وأعطني المدرسة التي يتوسط الكمان نخلتها».

ذات يوم وهو في الثامنة من عمره كان يلعب مع الأطفال. مرّ بالمكان رجل سمعوا الناس يقولون إنه  شاعر، و بِسماجة الأطفال قرروا إزعاجه، ركضوا وراءه وهم يصرخون شاعر شاعر. توقف الرجل ملبيًا نداءهم وسألهم عمّا يريدون، سألوه عن معنى أن يكون شاعرًا فأخبرهم أنه يقول نصوصًا عن الأشياء. طلب منه أحدهم أن يقول لهم شيئًا عن النخلة المعوّجة التي كانت النسوة يستخدمنها لنشر الغسيل. نظر الرجل إلى النخلة ودار حولها يتفحصها ثم قال: «ومعوّجة كأنها مطر لوز، لويش أنت واقفة هنانا».

علقت مفردة «لويش» في رأس الولد، وظل يتساءل لم غيّر الشاعر مفردة ليش. وصار يتلاعب ببعض الكلمات مجربًا تغييرها وإلى أيّ حد يمكن تطويعها. هنا بدأت أول علاقته باللعب بالمفردات، لعبة مرحة هدفها التسلية واستكشاف اللغة واللهجة.

لم يشبع الصغار من طفولتهم، إذ كان عليهم بدء العمل في ورشات بناء وهم في منتصف المرحلة الابتدائية لمساعدة أهلهم.

بعد ثورة تموز عام 1958، عاش موفّق المد الشيوعي داخل المجتمع وصعود الحزب لمفاصل السلطة وتشبّعَ بأفكار العدالة الاجتماعية والحرية السياسية، وتوطدت علاقته بالرفاق. إلى أن حدث الانقلاب وبدأت ملاحقة الشيوعيين، ففتشت البيوت، وتحولت صالات سينما ونواد رياضية إلى معتقلات. ولأن الحزب وقتها كان حزبًا سريًا، طالت الكثير من الأشخاص التهمة والملاحقة بمجرّد الاشتباه.

فشهد تطويق منزل عائلته عام 1963، وله من العمر 15 عامًا، وشهد اعتقال أختيه بتهمة أنهنّ شيوعيتان، قبل أن يتم الإفراج عنهما بوساطة قريب له. لكنّ أسماء كثيرة عرفها، رجالًا ونساء وأطفال، اختفوا قبل أن تظهر أخبار مقتلهم وتعذيبهم، أو ظلّوا مغيّبين. لتعلق تلك الأيام في ذاكرته، ويصير الطفل شاهدًا على ما سيسميه «المسالخ البشرية».

في هذه الفترة القاتمة شكّلت المدرسة مهربًا للطلاب الذين حظوا كما يقول موفق بأساتذة يهتمون بهم حقًا. في المدرسة الإعدادية، اكتشف موفق موهبته، حين طلب أستاذ العربية من التلاميذ كتابة موضوع تعبير، وأعجبه ما كتبه وأخذ ورقته يعرضها في كل الصفوف وعلى زملائه المدرسين.

وجّه الأستاذ موفق للمكتبة التي صار مقيمًا فيها، لا يخرج إلّا عند إغلاقها مساءً، ووجد وزملاءه فيها الدفء في الشتاء والبرودة صيفًا، على عكس بيوتهم. قرأ كثيرًا في الأدب والتاريخ والفلسفة وبدأ بكتابة نصوص شعر شعبي يعرضها على أستاذه ويناقشها معه. لم يحتفظ بشيء من كتاباته الأولى، يقول: «هذا الفقر قوّاد مو مثل اليُسر خلّاق، الفقير ما يقدر يحتفظ بشيء، هو إذا عنده بيت وما يتنقل ويضيّع أغراضه، ما عنده مساحة يخلي بيها ذكرياته».

مرّت الأيام وأنهى دراسته الإعدادية عام 1966 وقُبِلَ في كلية الشريعة في جامعة بغداد. حيث سيخرج لأول مرة من الحلّة لفترة طويلة. في الجامعة صار له جمهور من الطلبة يقرأون قصائده ويتبادلونها. وتعرّف على زميلة له من طائفة أخرى أحبها وأحبته وتمرّدا على رفض زواجهما اجتماعيا وتزوجا عام 1969، وعادا سويًا إلى الحلّة، فاستقرّا فيها وعملا في التدريس بالإضافة لبعض العمل الصحفي.

كان موفق معروفًا في محيطه بحسّه الفكاهي وصمته المدروس، وبهاتين السمتين تمكّن من كتمان قلقه وفهمه الكبير لمشاعر الآخرين وكأنها مشاعره الذاتية. لكن هذا الحسّ الفكاهي وأفعاله عامّةً فسّرت على أنها نزق وحدّة، خاصة وأنه كان عندما يقع خلاف بينه وبين شخص آخر يميل لعدم التحدّث بالأمر ومقاطعة ذلك الشخص طويلًا، وتحديدًا إن كان الخلاف أخلاقيًا. كما كانت شخصيته لافتة، بصوته وشكله المميّزين، وبسرعة بديهته وسلاطة لسانه، الأمر الذي مكّنه من مصادقة الجميع.

قبل زواجه لم تكن قصائده مكثّفة وصريحة. وهو ما تغيّر بعد زواجه من «حبيبته الأولى والأخيرة»، إذ منحته الطمأنينة والسكينة وهي التي فهمته وفهمت كيف يجب أن تتعامل معه. قبلها، لم يكن موفق قد عرف هذا القرب من ذات أخرى. ومعها أصبح أكثر صراحة لكن الانطباعات عن شخصيته لم تتغير ولم يكترث هو بتغييرها.

في السنة نفسها التي تزوّج فيها كتب قصيدة «الكوميديا العراقية» التي جعلته شاعرًا معترفا به على مستوى البلاد.[1] 

تميّزت القصيدة ببنيتها وتركيبها، ودمجها الفصحى مع العامية التي يعتبر موفق أول من استخدمها في قصائده بين شعراء العراق الحديثين. وقد وظف العامية في شعره بحيث تكون جزءًا أصيلًا من القصيدة، لا ملحقًا، أو مقاطع مقتبسة. أمّا الأهم في القصيدة فربما يكون أنها اعتبرت نبؤة تخبر بمستقبل العراق، وتصف حال البلاد السياسي والاجتماعي إلى اليوم، الأمر الذي جعل منه شاعرًا سياسيًا معتبرًا لأنه بقصيدته تلك وصف ما لم يكن واضحًا وقت نشره للقصيدة، بل كانت الآراء تسير في اتجاه التفاؤل وتوقّع حالة من الاستقرار للبلاد.

«أيها الجيل الذي ينتظر الريح

التي تحمل للأرض إلاهًا

إنَّ الطبيعةَ قاسيةٌ جدًا

جعلتهم لا يصلحون إلا لرعي الأغنام

وقتلت العبيد كلهم

 فماذا نفعل يا جلنار؟

وهل هناك مولودٌ آخر ننتظره؟

وتذكري جيدًا أننا في القرن العشرين

وفي (سباخ الكرخ) بعد الوقعة الأولى

صادفني الحلاج مقتولًا

أوجدني في الرأس

ثم اخترقنا جثث الموتى

تواجدنا

وكان الماء

حمامة خضراء

تنتقل من جثة إلى أخرى

تلتقط الكلمات من أفواه الموتى

وتحملها إلى نخلة

يبكي تحتها عيسى ابن مريم

ولا تساقط عليه رطبًا جنيا

قلت للموتى خذوني

لم أعد أحتمل الرأس الذي يكبر في رأسي

ويبكي الشجرة

لم أعد أعرف ألوان العتابة

(يروحي إبحر شوكج ملحيتي

جم ماصخ بماصح ملحيتي

بعد ما اندل شِعِرتي ملِّحيتي

إش مايزهن وطابكهن سوية)

لم أعد أحتمل العيش

بتهجين الكتابة».

كانت حقبة السبعينيات فترة ترسيم حدود بين الشاعر والسلطات. كتب كثيرًا بصيغ محرّضة نحو تغيير الأمر الواقع، وأصرّ على التمسك بالكتابة عن الإنسان العادي وهمومه وأحداث حياته. تغنى بالمطرقة والمنجل وكان يرفع من قدر اليد العاملة والفكر التقدمي، ونشر في صحف لا تعتبر آمنة كثيرًا وقتها مثل جريدة طريق الشعب والفكر الجديد. ونشط في إلقاء القصائد في المناسبات العامة وأمكنة تجمع الشباب سواء كانت أمكنة ثقافية أو شعبية. ولم يكن غافلًا عن الأوضاع في المحيط العربي وكتب عنها قصائد تستشرف مستقبلًا قاتمًا خاصة فيما يخص القضية الفلسطينية.

«إن حبّ المطرقة

وانكسارات العيون

قادنا نحو وجوه مغلقة.

إنّ حبًا مثل هذا سيكون

زهرة أو مشنقة».

مع منتصف السبعينيات، وبعد عودة ملاحقة الشيوعيين، عقب فترة قصيرة من التصالح بين النظام وبينهم، بدأ موفق القَلِق يحوّل هذا الشعور إلى عمل. فكان كلّما استشعر اقتراب لحظة اعتقاله كتب أكثر وألقى قصائد أكثر ولم يقطع تواصله مع الرفاق أو يتجنبهم. ومع توسع الاعتقالات زاد شعوره بالذنب، إذ كيف يعتقل رفاقه ويبقى هو. وصار الشعور بالذنب ملازمًا له، تمامًا كالقلق، وهو ما زاد من اندفاعته، وكأنه يلفت الأنظار إلى نفسه كي يحظى بمصير يخفف من وطأة العار، عار لم يجلبه لنفسه ولا فعل شيئًا يجعله يستحق الشعور به، لكنه كره الصدفة أو القدر أيًا كان ما سبب له النجاة دائما بخلاف من حوله.

نجاته المستمّرة تلك فسّرها في كثرة معارفه من مختلف الشرائح والتوجهات بحكم عمله معلمًا وتواجده في المقاهي العامة، ما دفع بعضهم للتوسط له بحيث يتم التغاضي عنه.

«جرس الهاتف كان يرن

وكذلك جرس الباب

يقفز غصنٌ مذعورًا

فيطير حمام

قلت سلام

مَن خلف الباب

أجاب القصّاب

ومن خلف الهاتف

قال القصّاب

قلت إذا لن يجدي هذا الركض

من الباب إلى المحراب»

بعد تصفية صديقه الشيوعي حميد، ذهب موفق إلى اتحاد الأدباء في بغداد وهناك بدأ فقرته بصوت عالٍ قائلا: «يمكن أن تحرق رأس شيوعي بالنار، لكن لا يمكن أن تحرق في هذا الرأس الأفكار» ثم ألقى قصيدته حصار:

«وقد حاصروك كثيرا

يطاردك المخبر الملتحي في الصباح

يسجّل لون القميص الذي ترتديه

وكيف ترد التحية

وتضحك سرًا

وتمضي إلى الدرس دون اكتراث

تقول: صباحًا

فيصدمك الصبية الفقراء

وتخجل مما تقول

عن النون في اضربنَّ»

إثر تسلّم صدام للسلطة نهاية السبعينيات بات الشعور باليأس من تغيّر الوضع السياسيّ مقيمًا. ومع دخول العراق الحرب مع إيران، سيطرت على المشهد العام طوابير الشباب الذاهبين للحرب بلباسهم الزيتي القاتم وعودة بعضهم بتوابيت تَتحلق حولها النسوة بعبي سوداء متربة، فصارت الفاجعة شعورًا عامًا. ليسيطر الحزن على الشاعر ويرجعه إلى طفولته، وقت كانت روحه أخفّ؛ السنين تمضي بهوادة، والهموم عادية لأن الإدراك لم يعقلها بعد.

كتب في تلك الفترة «قصائد من الحلّة». وكتاباته عن الحلّة مختلفة عن كتاباته السياسية، يكتب عنها وكأنه مغترب يحنّ إلى وطن، حتى ليظنّ القارئ أنه شاعر مهجر. وبهذه القصائد بدأ يخط نسقين شعريين، الأول ثوري سياسي قاتم يكتب الواقع ويتنبأ بالمستقبل، ويعبر فيه عن الوضع العام ويضمّن خلاله آراءه السياسية ومواقفه وموقعيّته منحازًا للضحايا المهمشين المفقرين. والثاني هادئ يدوّن الذاكرة البعيدة؛ يصف البؤس والفقر حانًّا للجنان البعيدة. هذان الخطان كانا عنوان السبعينيات والثمانينيات على التوالي مع بعض التداخلات بينهما أو خرق تكونه قصائد قليلة.

الجحيم

جاءت التسعينيات مثقلة بجراح الحرب والحصار والفقر والمرض والقمع الذي طال الشجر والحجر.

ومع القهر والجوع تبدّلت الطبائع وتهافتت الأخلاق. وهو تهافت تتحمّله السلطة برأي موفق: «السلطات اللي آني عشت تحت بساطيرها هي سلطات جائرة. فأي شيء خلل في الشخصية العراقية يرجع الها».

وإن كان حتى منتصف الثمانينيات ثمة أمل باقٍ في مقاومة السلطة، فإن هذا الأمل دفن مع نهايات حرب الخليح، وتجذّر حزب البعث في السلطة. ومعها عاد موفق لشعره السياسي، لكنه هجر أسلوب التحريض وصار يكتفي بالاستهجان والرفض. وتحوّل بشعره من مجادل للسلطة إلى واصف لأثرها على الدولة والشعب. لا يخاطبها بل يذمها ويحمّلها المسؤولية.

حاول موفق مقاومة هذه الحال من خلال عمله في التعليم. وكانت علاقته بتلامذته مميزة، كان حنونًا عليهم كأب، صديقًا لهم، يساعدهم على الدراسة والإعداد للاختبارات، يحوّل لهم الدروس أحيانًا إلى شعر معد على لحن تراثي يغنونه معًا، وأحيانًا أخرى يصنع لهم تحديات مليئة بشقاوات تليق بسن المراهقة. ولذا لم يكن غريبًا أنك عند المشي في شوارع الحلّة معه، لا تسير معه عشرين خطوة دون أن يرحب به أحد تلامذته القدامى.

«يا فاتح كل الأبواب ويا منقذ يونس من بطن الحوت

أدركنا.. وأنقذنا من هذا المبغى التابوت

اختلط الحابل بالنابل

السافل بالقديس

و العاهر تذبح عفة هذا النخل

وتقلب ميزان الملكوت».

لكنّ هذه العودة المحمومة بالشعور بمصائب الناس الململين لجراحهم إثر الحرب والحصار، ستنتقل إلى مستوى آخر مع مصاب موفق بإبنه. إذ وإثر الانتفاضة الشعبانية التي واجهتها السلطات بالقمع والتنكيل، يختفي ابنه البكر عدي، الطالب في كلية الهندسة، ليتحوّل مع هذا الاختفاء قلق موفق إلى وحش يحوّطه، وإلى شعور بالذنب ينخر داخله، في انتظار ثقيل لأي معلومة عن مصير الشاب.

«لفنا ليلٌ غرابيُّ الجناح

فأغلقي الباب فلم يأت أحد

وادخلي تابوتك المكتظ بالرعب ونامي

ودعي صدرك مفتوحًا فقد يأتي الولد

ربما من آخر الدنيا

ومن باب الأبد».

أتى الخبر، ومعه يعرف الأب أن ابنه قتل وبقي دون قبر معروف في واحدة من المقابر الجماعية.

لا يتحدث موفق عن قتل ولده مع الناس، ولا يجيب على أسئلتهم عنه، لكنه بالشعر صار يهوجس بالحدث متحديّا واقع القمع، ومقابلًا للنصيحة بالكفّ عن الحديث عن قتل ابنه بالقول: «عقب الولد شيصير خل يصير».

لم تكن قصائده في تلك الفترة نتيجة لفهمه الشعور الإنساني وتحليله كما كان الوضع سابقًا، وإنما جاءت معبرة عن حالة هلع متكررة إلى الما لانهاية. جزع أطبق على قلبه ولم يرخ قبضته أبدا. «ابني رقيق، بالسادس حصّل درجة 96 بقي مريض شهر، يقول هاي مو درجتي، أخوته تفلّشوا أُمه تفلّشت، أعيش في بيت مفلّش».

صار بيت العائلة مسكنًا للخوف، إن طُرقَ الباب يهرب الأولاد إلى سطح المنزل، والأم يهبط قلبها خوف أن يسلبوها ولدًا آخر. الأب الذي يلقي الشعر في المرابد[2] يلعن الفقر والخوف صار هشًا في المنزل لا يحتمل عجزه عن حماية ابنه أو النظر في عينيّ الأم الثكلى. كان وجع المرأة التي منحته السلام ذنبًا يخنقه، وخجلًا يسكته. إن رنّ هاتفه بمكالمة من البيت يراه إنذارًا ينبهه لكارثة، ولم يجد سبيلًا للتعامل مع مصيبتهم سوى بالاحتفاظ بهذا الرعب والقهر مخبوءًا لا يسمح لأحد بتشويشِه، يخزّنه وكأنه يخشى أن يقل، ويحرس حزن الدار عن أعين الناس وفضولهم.

أما ذاته فكان يهرب بها صباحًا بالانشغال في عمله عن همومه، يسكّن قلبه بالتواصل مع تلاميذه سنة بعد سنة، شباب صغار كان يعدّهم أولاده. يخاف عليهم من كلّ شيء، ويحاول إعدادهم بأحسن ما يستطيع علّهم يجدون ثغرة في المستقبل يحيون بها. وفي المساء يذهب إلى بيت طفولته بالخيسوية، يمنع التواصل معه بعد الساعة السابعة مساء إلا من ندمائه، يبدأ بشرب أقداح العرق تباعا حتى يسكر حد النوم.

اعتاد موفق الكتابة ظهرًا، وهي عادة صاحبته من أيّام القراءة في المكتبة، وبقي محافظًا على ألّا يكتب شيئًا وهو في حالة سكر، لكنه منتصف التسعينيات نام بعد شرب الكثير من العرق وعندما استيقظ صباحًا وجد بجانبه قصيدة مكتوبة بخط يده:

بدأ جحيم موفق يصوّر في شعره من السطر الأول حتى الأخير. قلما تجد تصاعدًا في قصائده، وإنما عبارات حادة، تتلو بعضها. وكأنه يشحذ سكاكين يخدش بها سمع المتلقي متقصدًا.

من قلب هذا الهوس صعدت في ذاكرته صور موت وجنائز الثمانينيات، ظل نواح النسوة وويلات جرحى شهدت أجسادهم شر آلات الموت حاضرًا في رأسه.

لا يكتب موفق القصيدة بعد إلهام يحثه على السرد. بل تتكون في رأسه مشاهد مرسومة تتردد على شكل ومضات تجفله. وحينما تكتمل القصة يبدأ بتدوينها، ويعيد كتابتها أكثر من ثلاثين مرة. ويغير في مفرداتها عددًا أكبر. كانت القصيدة المكان الوحيد الذي يظهر قلقه فيه كما هو.

كتب عام 2000 يرثي صديقه رياض الذي عاد جريحًا من الحرب برصاصة في الرأس، فقأت إحدى عينيه الجميلتين، وأثقلت نطقه وشوهت حركته. صديقه هذا لم يحتمل عذابات جراحه الدائمة، فاعتلى بناية شاهقة ورمى بنفسه واضعًا حدًا لحياته.

«أيا رياض أيا غريب

كيف المصائب جمعت عرباتها

واختارت العينين منك

وكدّست زير الحديد

في صدرك المطعون ابتدأ السعير

إن المصائب مرة لا تحتفي

إلا بهذا الفتى المسكون بالألم  

قد بات ديدنها وصاحب قوتها

فصيّرته لنا رمزًا من العدم».

وفي العام نفسه كتب واحدة من أكثر قصائده حدة «سبع عيون»، بعدما سمع جملة أذهلته لأخٍ يقول إنه «مجنّص: وفير الحظ» لأنه وجد أخاه في ثلاجات الموتى وتخلّص من احتمال وجوده في سجل المفقودين.

كان يقرأ قصائده هذه في المرابد التي يملؤها حراس الثقافة وكتبة التقارير. صوته الموجع الجريء يترك الحضور بين خائف من مآلات نصوصه على المكان وعليه، وبين خائف على نفسه ينفر منه كأنه مجذوم، ينتقد أنينه بجملةٍ لا يفهمها الشاعر: «كافي يكتب على ابنه. ابتلينا إحنا بابنه».

حظيَ موفق محمد بالتكريم أثناء حياته على عكس كثر من شعراء العراق الكبار، إذ نحت له تمثال ودُعي بنفسه ليكون ضيف حفل رفع الستار. لكن هذا التكريم أربكه ونزع منه عفويته كما يقول. كان معتادًا أن يمشي بين الناس في شوارع مدينته، فيمازحهم ويتشاقى معهم، لكن التمثال أخجله وأشعره أنه مقيّد، وأن لديه لأول مرّة شيئًا مختلفًا عن باقي الناس الذين جهد طوال عمره أن يبقى عاديًا بينهم.

كان الشعر يمدّ موفق بقوّة تمكّنه من الظهور بين الناس، لكن كان يخجله الاستمرار؛ استمراره هو واستمرار الحياة، ويستغرب قدرة الناس على التجاوز ونسيانهم لجحيمهم. «أعرف أن اللي قالوا «ابتلينا بابنه» وقحين، لكن استغرب شلون الناس كلها تنتظر منك تنسى أو تتأقلم. بقصائدي أقول: إني عاجز عن تخطي اللحظة. عاجز عن عيش يوم آخر».

كان موفق محمد يستغيث بشعره من جحيمه الذي لم يهدأ يومًا. رأى نفسه راويًا لشاعرة اسمها الحلّة، يقول: «آني مثل أهل هذا الجحيم ذهلت عن نفسي بس ظليت أباوع، يمكن ماكو آني، حتى استصعب أقول كلمة آني، بس اللي أعرفه: من أخذتني أمي للمصور. من ذيج الساعة أسعى أن أطلع بالشعر صورة يتيم زينة».

  • الهوامش

    [1] نشرت القصيدة في العدد السادس من مجلة الكلمة عام 1972.

    [2] المربد: سوق تاريخي في مدينة البصرة، تحوّل في العصرين الأموي والعباسي إلى مركز ثقافي، أقيمت به مبارزات شعرية بين أعظم الشعراء في العراق. والآن تسمى اللقاءات الشعرية التي تجمع الشعراء العراقيين دوريا في مدينة البصرة «المربد».

    القصائد الواردة في هذا المقال من كتاب: هذا هو موفق محمد (أحمد ناجي)، الصادر عن دار الفرات للثقافة والإعلام، العراق، بابل.

    كتبت هذه السيرة استنادًا إلى مقابلات أجريت مع الشاعر وعدد من أصدقائه وتلامذته بتاريخ 13 أيلول 2024.

المصدر: حبر | Source: حبر

ملاحظة تحريرية | Editorial Note: نُشر هذا المقال في الأصل بواسطة حبر. خبر (Khabr) هي منصة إعلامية أردنية مرخّصة تعمل بالذكاء الاصطناعي. نضيف قيمة تحريرية من خلال: تحليل ذكي للأخبار، ملخصات تلقائية، رواية صوتية بالذكاء الاصطناعي، ترجمة متعددة اللغات، وتدقيق الحقائق. هدفنا جعل الأخبار أكثر وضوحاً وسهولةً للقارئ العربي.

This article was originally published by حبر. Khabr is a licensed Jordanian AI-powered news platform (Registration #82086). We add editorial value through: AI-powered news analysis, automated summaries, AI audio narration, multi-language translation (Arabic, English, French, Turkish), and AI fact-checking. Our mission is to make news more accessible and understandable for Arabic-speaking audiences worldwide.

مشاركة:

المزيد عن ترفيه | More on Entertainment

هذا الخبر ضمن تغطية خبر لقسم ترفيه. نقدّم لك تحليلات ذكية وملخصات يومية لأهم الأخبار من مصادر موثوقة متعددة. المصدر: حبر. يوجد 6 مقالات مرتبطة بهذا الموضوع.

This article is part of Khabr's coverage of Entertainment. We provide AI-powered analysis, summaries, and multi-source aggregation to keep you informed. Source: حبر. Tags: literature, poetry, storytelling.

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤
🔍
FREE Free 1GB Internet + Free International Calls

$1 trial — eSIM in 190+ countries — No roaming charges

Download Free