موازنة 2026 تحت مجهر «الوطن».. شعارات الدعم الاجتماعي أم واقع رفع الأسعار.. والبرلمان على المحك!
أوضح وزير المالية الدكتور محمد يسر برنية أن موازنة عام 2026 تحتاج إلى إقرارها من مجلس الشعب السوري بعد مناقشتها.
وعلى اعتبار أن نسخة المواطن التي أطلقتها الوزارة تشكّّل خطوة نحو تعزيز الشفافية المالية ووضع المواطن في صورة مصادر الإيرادات ووجوه الإنفاق، وأنها ليست مجرد أرقام حسابية، بل مشروع اجتماعي اقتصادي حاسم يعكس توازنات دقيقة بين سياسات الحكومة لحماية المواطن والتحوّل التدريجي في هيكل الاقتصاد الوطني.
بحسب البيانات الرسمية التي عرضتها موازنة المواطن، تبلغ إيرادات الموازنة لعام 2026 نحو 958.8 مليار ليرة سورية، منها نحو 50 بالمئة تأتي من الضرائب والرسوم وعائدات المنافذ الجمركية، من دون فرض ضرائب جديدة، وإنما من خلال تحسين كفاءة التحصيل وتعزيز الرقابة على الموارد، كما أكد وزير المالية.

وذلك يفرض على المجلس أن يطالب باعتماد ديناميكية الشرائح الضريبية، أي ربطها بمؤشر التضخم وغلاء المعيشة لضمان استمرار الإعفاء الحقيقي مع أي ارتفاع في الأسعار مستقبلاً.
وتظهر البيانات أن الحصة الكبيرة للإيرادات الجمركية في موازنة 2025 تبدو انعكاساً لسياسات الاستيراد الواسعة النطاق التي شهدتها السنة الماضية، حيث شكّلت الرسوم الجمركية نحو 39 بالمئة من إجمالي الإيرادات في عام 2025، نتيجة تحسّن الحركة الاقتصادية مع دول الجوار.
ويمكن قراءة هذا التوجّه على الاقتصاد الوطني من زاويتين رئيستين:
أولا، زيادة الإيرادات الجمركية يمكن أن تدعم المالية العامة وتخفّف الضغط على الموارد الضريبية الداخلية، لكن في الوقت ذاته تعكس ارتفاعاً في قيمة المستوردات، الأمر الذي يدلّ على نقص الإنتاج المحلي أو طلب أعلى على البضائع الأجنبية، مما يسهم في تآكل العملة الصعبة ويدفع نحو ضغوط إضافية على ميزان المدفوعات، إذا لم يقابله تعزيز ذو أثر واضح في الإنتاج الوطني والتصدير.
ثانيا، الاعتماد الكبير على الإيرادات الجمركية يجعل المالية العامة مرتبطة بحركة التجارة الخارجية، ما يعني أن أي تراجع في الواردات أو قيود على التجارة قد يؤدي إلى ضغوط على الإيرادات الحكومية، إن لم يتم تعويضها عبر تحفيز الإنتاج المحلي وتحسين الصادرات.
في موازنة 2026، تم لحظ أن ايرادات النفط والغاز تساوي تقريباً إيرادات الضرائب (27.9 بالمئة مقابل 28.7 بالمئة)، مما يقلّل الاعتماد المفرط على الجمارك، ومن هنا، فإن انسجام مكوّنات الإيرادات بين الضرائب المحلية، الرسوم الجمركية، وإيرادات النفط والغاز وغيرها في موازنة 2026 يستوجب استراتيجية مالية واقتصادية متوازنة تضمن أن تكون الزيادة في الموارد مصحوبة بخطط لتعزيز القدرة الإنتاجية المحلية، تشجيع الاستثمار، وتحسين التصدير، ما يحقق نموّاً اقتصادياً مستداماً ومناخاً استثمارياً جاذباً من دون التضحية بالقدرة الشرائية للمواطن أو تحميله أعباء إضافية.
قفزة الإنفاق الاستثماري
من أبرز أبعاد الموازنة هو ارتفاع نسبة الإنفاق الاستثماري من 7 بالمئة في موازنة العام الماضي إلى 27 بالمئة هذا العام، مبدئياً، هذا يبدو كتحوّل نحو دعم الإنتاج والبنية التحتية، لكن التحليل الاقتصادي يحتم السؤال، هل هذا الإنفاق سيُدار من قبل الدولة لخفض الكلفة ودعم الخدمات الأساسية؟ أم إنه جزء من سياسة الشراكة والتشاركية التي قد تؤدي إلى نقل إدارة الأصول لاحقاً إلى القطاع الخاص، كما رأينا سابقاً في بعض المشاريع؟
هذا يفرض على مجلس النواب مطالبة الحكومة بتقديم “جدول زمني للجدوى الاقتصادية” يوضح كيف ستؤدي هذه الاستثمارات إلى خفض الكلفة الحقيقية للخدمات الأساسية على المواطن على المدى المتوسط، ومراقبة ما إذا كانت الـ27 بالمئة للاستثمار ستذهب للصيانة أم لمشاريع جديدة تدر عوائد.
عجز الموازنة وتمويله
تشير البيانات الرسمية إلى عجز مقدّر بنحو 1.8 مليار دولار (أي ما يقارب 5 بالمئة من الناتج المحلي)، وسيكون جزء منه من أرباح الصندوق السيادي، وإن كان هذا المستوى من العجز ليس مقلقاً في حد ذاته، لكنه يؤكد الحاجة إلى انضباط مالي وتشريعات تقيّد الانحرافات في الإنفاق.
فبدلاً من ديناميكية الشرائح الضريبية فقط، يجب التركيز على حقيقة أن تمويل العجز يعتمد على السندات؛ مما يعني ديوناً مستقبلية.
الدعم الاجتماعي
ورغم أن هناك توجهاً نحو الدعم الاجتماعي وتحسين الرواتب، إلا أن هذا الواقع يصطدم بقرارات الحكومة برفع أسعار الكهرباء والمحروقات بنسب غير مسبوقة لتتجاوز حتى الأسعار مع دول الجوار، ناهيك عن رفع الدعم وإجراءات التسعير الجديدة، وهذا أصبح واقعاً محسوساً على المواطن والقطاع الإنتاجي.
فإن إلغاء الدعم عن الكهرباء والوقود يعني أن المواطنين والمؤسسات الصناعية يواجهون تكاليف طاقة أعلى، مع تباطؤ في القوة الشرائية للأجور.
من هذا المنطلق، فإن المجلس يجب أن يطالب بآليات دعم محددة ووقتية للقطاعات الإنتاجية الحسّاسة، ومن بينها صندوق دعم الطاقة الإنتاجي أو عبر آليات تعويض أخرى لضمان استدامة الإنتاج المحلي، مع ضرورة إعادة النظر بنسب الزيادة التي طالت هذه القطاعات.
الرواتب والقوة الشرائية: 350 بالمئة زيادة لا تقارن بالغلاء
ذكر وزير المالية أن الرواتب ارتفعت بنسب كبيرة (بأقل تقدير بنسبة تصل إلى 350 بالمئة كحد أدنى)، وأن تحسين الأجور مستمر ضمن إطار إصلاحات هيكلية للوصول مستقبلاً خلال العام 2027 إلى ربط الزيادات بالغلاء المعيشي، ولكن يبقى السؤال إلى ذلك الحين ما الحل أمام هذه الارتفاعات؟ فإن الزيادة في الأسعار على السلع الأساسية والخدمات (الخبز، النقل، الخدمات الهاتفية، المحروقات، وغيرها) تتجاوز قدرة هذه الزيادات على تحسين القوة الشرائية ولذلك، من الضروري أن يطالب المجلس بـ:
- قوننة ربط الأجور بالتضخّم بشكل دوري (ربع سنوي) استناداً إلى تقارير رسمية، لضمان حماية القوة الشرائية.
- تحسين ومعالجات أجور المتقاعدين، الذين يعانون انخفاض القوة الشرائية بشكل حاد مقارنة بالقطاع العام العامل.
المبادرات
أوضح وزير المالية أن الموازنة تسعى أيضا إلى تحسين حياة محدودي الدخل والفقراء، مع إطلاق استراتيجية لمكافحة الفقر، إلى جانب الطموح بإنهاء المخيّمات بحلول 2027، وهو هدف مهم على الصعيد الإنساني والاجتماعي، لكنه يجب أن يكون مصحوباً بشفافية مالية كاملة حول مصادر التمويل،.وما إذا كان ذلك سيتم عبر الموازنة العامة فقط، أو عبر صناديق أخرى.
خلاصة التوصيات البرلمانية
حتى تتحول موازنة 2026 إلى أداة حماية اجتماعية وتنموية بدلاً من أن تكون عبئاً إضافياً على المواطن، فإن دور مجلس الشعب لا يقتصر على التصديق بل يمتد إلى:
إعادة هيكلة الإنفاق لإعطاء أولوية للخدمات الأساسية والسلة الاستهلاكية للمواطن.
اشتراط آليات مراقبة دورية تطول التقارير الربع سنوية التي وعد وزير المالية بإصدارها ( وتدقيق الإنفاق والانحرافات).
وضع شبكة أمان اجتماعي فعّالة وممولة بوضوح قبل تنفيذ المزيد من إجراءات التحرير السعري أو التشاركية في إدارة الخدمات.



