منزل المخرج الإيراني عباس كيارستمي المتضرّر يشعل سجالاً بين السلطات ونجله
تجاوزت الأضرار التي أُبلغ عنها الأسبوع الماضي في منزل عباس كيارستمي - أحد أعظم الأسماء السينمائية الإيرانية - كونها حادثة من حوادث الحرب، لتتحوّل إلى رمزٍ تتقاطع فيه السرديات والذاكرة ومحاولات التوظيف السياسي.
تعرّض منزل المخرج، الواقع في حيّ چيزار شمالي طهران، لأضرار مادية نتيجة غارات جوية حديثة مرتبطة بالحملة العسكرية الأميركية - الإسرائيلية. وسارعت السلطات الإيرانية إلى تأطير الحادثة بوصفها دليلاً على اعتداء أوسع يطال الإرث الثقافي والحضاري للبلاد ولا يكتفي باستهداف البنى التحتية. وفي بيان رسمي، استحضر المتحدث باسم وزارة الخارجية إسماعيل بقائي إرث كيارستمي - ولا سيما فيلمه "طعم الكرز" الحائز على "السعفة الذهب" - ليؤكّد ما وصفه بحرب تستهدف هوية إيران ذاتها.
غير أنّ الرواية الرسمية قوبلت باعتراض حادّ من نجل المخرج أحمد كيارستمي، الذي ردّ علناً من كاليفورنيا، مقدّماً قراءة تُضفي على المشهد طبقات من التعقيد التاريخي والسياسي. فبينما دان بوضوح الحرب وما تخلّفه من آثار على المدنيين، وجّه انتقادات للسلطات الإيرانية بسبب تعاملها الطويل مع والده ومع فنانين آخرين.

وتكتسب مداخلته أهمية خاصة لأنها ترفض الاصطفاف الثنائي المبسّط. إذ ذكّر بأن "طعم الكرز"، الذي تحتفي به اليوم المؤسسات الرسمية بوصفه تحفة وطنية، خضع لسنوات من القيود داخل إيران، كاشفاً التوتر القائم بين الفخر الثقافي والرقابة المؤسسية. كما استعاد حادثة أقل تداولاً، تمثّلت في ردود الفعل العنيفة التي واجهها والده عقب عودته من مهرجان كانّ السينمائي عام 1997، حين أثارت قبلته البسيطة على خدّ كاترين دونوف موجة استنكار في الأوساط المحافظة. ووفقاً لأحمد، تعرّض لإهانة علنية لدى وصوله إلى طهران، في واقعة تختزل الضغوط التي تحكم حياة الفنانين في البلاد.
واللافت أنّ الأضرار التي لحقت بالمنزل تبدو محدودة - نوافذ محطّمة لا أكثر - غير أنّ صداها الرمزي يفوق ذلك بكثير. فبالنسبة إلى عباس كيارستمي، الذي رحل عام 2016، كان المنزل محورياً في حياته. وقد قال يوماً لـ"نيويورك تايمز ماغازين": "أنا أحب بيتي. المكان الوحيد الذي أنام فيه جيداً هو غرفتي في إيران".
ودعا أحمد كيارستمي السلطات إلى "إبعاد اسم والده عن خطاباتها"، في إشارة تختصر صراعاً أوسع حول ملكية الإرث الثقافي في أزمنة الأزمات. فبين عنفٍ خارجي وتوظيفٍ داخلي، يقف منزل المخرج شاهداً مزدوجاً: موقعاً مادياً للضرر، واستعارةً لإرثٍ تتنازعه روايات متضاربة.





