توصلت بقرار المكتب السياسي القاضي بتجميد عضويتي مؤقتا إلى حين إعلان نتائج الانتخابات، على خلفية رسالة وجهتها الى الكاتب الأول للحزب وعبرت فيها عن موقفي من الكيفية التي جرى بها انتقاء وكيلات اللوائح الجهوية للحزب.
وإذ أحترم المؤسسات الحزبية واختصاصاتها، فإنني أرفض بشكل صريح ما ورد في القرار من توصيف لموقفي باعتباره تشهيرا بالحزب أو مساسا بمبادئه أو تنكرا لقرارات صادقت عليها، لأن جوهر ما عبرت عنه لا يتعلق بالطعن في المعايير المعلنة في حد ذاتها، وإنما بمدى احترامها فعليا عند تنزيل مسطرة الانتقاء واتخاذ القرار النهائي.
فالقول إن المكتب السياسي صادق على أربعة معايير شيء، وإثبات أن لجان البت اعتمدت هذه المعايير الأربعة فعليا، وبصورة متوازنة وموضوعية وقابلة للتحقق، شيء آخر تماما.
وما عاينته بصفتي مرشحة، وما وقفت عليه خلال مختلف مراحل هذه العملية، وانطلاقا من تصريحات المرشحات في مختلف الجهات وشهادات بعض أعضاء لجان البث يجعلني أؤكد لكم أن المساهمة المادية لم تكن مجرد عنصر ضمن أربعة عناصر متكافئة، وإنما تحولت عملياً إلى معيار وحيد وحاسم في عملية المفاضلة والانتقاء، بما يطرح سؤالا مشروعا حول مدى احترام المعايير المعلنة، ومدى انسجام الممارسة مع مبادئ الاستحقاق والكفاءة والنزاهة وتكافؤ الفرص.
ولا يمكن، من الناحية القانونية والتنظيمية، تحويل مجرد التعبير عن موقف مخالف أو مساءلة سلامة تنزيل مسطرة حزبية إلى موجب تلقائي للعقوبة، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بعضو داخل جهاز قيادي للحزب، دون بيان السند التنظيمي الدقيق للجزاء، واحترام ضمانات الدفاع، وتمكين المعنية بالأمر من الاطلاع على المؤاخذات الموجهة إليها والرد عليها قبل ترتيب أي أثر يمس مركزها التنظيمي.
كما أنني، وبعيدا عن موضوع قرار تجميد عضويتي، أتحدى أي عضو بالمكتب السياسي أن يقر أنه تم وضع رهن إشارة المناضلات والمناضلين المقرر التنظيمي والقانون الداخلي للحزب، وهما الوثيقتان اللتان لم نتوصل بهما منذ انعقاد المؤتمر الأخير الذي صادق فقط على المبادئ العامة الخاصة بهما، رغم ما لهما من أهمية أساسية في تأطير الحياة التنظيمية الداخلية وضبط الحقوق والواجبات والعلاقات بين مختلف أجهزة الحزب.
ومن حق المناضلات والمناضلين، ومن حق أعضاء الأجهزة القيادية قبل غيرهم، الاطلاع على الوثائق التنظيمية المرجعية للحزب، لأن الحكامة الداخلية لا تستقيم دون وضوح القواعد، وإتاحة النصوص المنظمة، وتمكين الجميع من معرفة حقوقهم وواجباتهم على قدم المساواة.
كما ألتمس من الأخوات والإخوة أعضاء المكتب السياسي، بحكم مسؤوليتهم السياسية والتنظيمية، المطالبة بالاطلاع على محاضر لجان البت في انتقاء المرشحات، وعلى شبكات التقييم والتنقيط إن وجدت، وعلى العناصر الموضوعية التي استندت إليها هذه اللجان في ترتيب المرشحات، وذلك للتحقق مما إذا كانت المعايير الأربعة التي تمت المصادقة عليها قد اعتمدت فعلاً في عملية الانتقاء، وكيف جرى وزن كل معيار منها، ومدى حضور الكفاءة، والمسار النضالي، والإشعاع، وباقي العناصر المعلن عنها في القرار النهائي.
وإذا كانت قيادة الحزب واثقة من سلامة المسطرة ومن احترام المعايير المتفق عليها، فلا مبرر لرفض إخضاعها للتدقيق والشفافية.
بل إنني أدعو، رفعا لكل التباس وحسماً لكل جدل، إلى إحداث لجنة مستقلة ومحايدة، تضم كفاءات من الهيئات أو المؤسسات الدستورية المختصة بالحكامة والنزاهة، تتولى الاطلاع على ملفات جميع المرشحات، وعروضهن، وسيرهن الذاتية والمهنية والنضالية، ومحاضر لجان البت، ومعايير التقييم المعتمدة، من أجل التحقق بصورة موضوعية ومجردة من مدى احترام المعايير الأربعة التي جرى الاتفاق عليها داخل المكتب السياسي، ومن مدى تكافؤ الفرص بين جميع المرشحات.
إنني لا أطلب امتيازا، ولا أطالب بنتيجة لفائدتي، وإنما أطالب فقط بإعمال القاعدة نفسها على الجميع، وبأن تكون القرارات قابلة للتفسير والتبرير والتدقيق.
فالشفافية لا تضر المؤسسات، بل تحميها، والرقابة لا تسيء إلى الحزب، بل تعزز مصداقيته. أما معاقبة من يثير سؤالا مشروعا حول سلامة مسطرة داخلية، دون تقديم الأدلة والوثائق التي تثبت عكس ما أثاره، فلا يمكن أن يكون جواباً مقنعاً، لا سياسياً ولا قانونياً.
وأحتفظ، تبعا لذلك، بكامل حقوقي التنظيمية والقانونية، بما فيها حقي في سلوك جميع طرق الطعن المتاحة، واللجوء إلى القضاء المختص من أجل الطعن في قرار تجميد عضويتي، ومناقشة مدى مشروعيته، ومدى صدوره عن جهة مختصة، ومدى احترامه للنصوص المنظمة للحزب وللقواعد العامة المتعلقة بحقوق الدفاع والضمانات الواجبة قبل ترتيب أي جزاء تنظيمي.
وسيظل موقفي ثابتا وواضحاً: الانتماء إلى حزب سياسي لا يعني التنازل عن حرية الرأي، والانضباط الحزبي لا يعني الصمت، والالتزام بقرارات المؤسسات لا يمنع من مساءلة مدى احترامها عند التنفيذ. ومن يثق في سلامة المسطرة لا يخشى نشر محاضرها، ولا يخشى التدقيق في معاييرها، ولا يخشى عرضها على جهة مستقلة ومحايدة. الحقيقة لا تحتاج إلى عقوبات لحمايتها، وإنما إلى وثائق تثبتها.
عاش الاتحاد الاشتراكي ولا عاش من خانه



