منع التدخين ومحاربة الفقر باعتبارهما سلعاً عامة
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
كتب- عبدالرزاق بني هاني
في الفلسفة الاقتصادية الكلاسيكية، تُعرَّف السلعة العامة الصافية (Pure Public Good) بأنها السلعة التي تتصف بخاصيتين متلازمتين؛ الأولى) عدم القابلية للاستبعاد (Non-Excludability)، بحيث لا يمكن منع الأفراد من الانتفاع بها، والثانية) عدم التنافسية في الاستهلاك (Non-Rivalry)، بحيث لا يؤدي انتفاع فرد بها إلى تقليل انتفاع الآخرين منها. لكن التطور الحديث في الاقتصاد العام، وخصوصاً في اقتصاديات الصحة والعدالة الاجتماعية، تجاوز الفهم الضيق للسلعة العامة بوصفها شيئاً مادّياً تنتجه الحكومة، إلى فهم أعمق يرى أن بعض الحالات الاجتماعية ذاتها، كالأمن والصحة والاستقرار والثقة العامة، تمثل سلعاً عامة عليا، لأن المجتمع بأسره ينتفع بها بصورة جماعية، ولأن غيابها يُنتج كلفة اجتماعية شاملة لا يستطيع السوق وحده احتواءها. ومن هنا يصبح منع التدخين ومحاربة الفقر ليسا مجرد سياسات اجتماعية أو تدابير أخلاقية، بل مشروعين لإنتاج سلعتين عامتين صافيتين، هما الصحة العامة والأمن الاجتماعي.
والتدخين، في ظاهره، يبدو خياراً فردياً. إلا أن هذا التصور ينهار عند أول تحليل اقتصادي واجتماعي جاد. فالشاب الذي يبدأ التدخين لا يتحمل وحده نتائج قراره؛ إذ تتحول كلفة هذا السلوك تدريجياً إلى عبء جماعي تتحمله الأسرة، وسوق العمل، والنظام الصحي، والخزينة العامة، وحتى الأجيال القادمة. وهنا يظهر ما يسميه الاقتصاديون الآثار الخارجية السلبية (Negative Externalities)، حيث ينتج الفرد ضرراً يتجاوز نطاقه الشخصي ليصيب المجتمع بأسره. فالمجتمع الذي ترتفع فيه معدلات التدخين بين الشباب لا يخسر فقط صحة فئة عمرية واسعة، بل يخسر سنوات إنتاجية كاملة، ويزيد من احتمالات الأمراض المزمنة، ويرفع الإنفاق الحكومي على الرعاية الصحية، ويُضعف متوسط الكفاءة الاقتصادية الوطنية. وفي الحالة الأردنية، حيث يشكل الشباب النسبة الأكبر من التركيبة السكانية، فإن التدخين لا يصبح مجرد عادة صحية ضارة، بل تهديداً بنيوياً لرأس المال البشري الوطني. وحين يُمنع التدخين، ضراراً يلحق بالمصلحة العامة، فإنها لا تتدخل في الحرية الفردية بقدر ما تدافع عن حق جماعي في الصحة العامة. فالرئة التي تُحمى من الدخان ليست رئة الفرد وحده؛ إنها جزء من قدرة الاقتصاد على الإنتاج، ومن قدرة الأسرة على الاستقرار، ومن قدرة النظام الصحي على الاستمرار. والصحة هنا ليست منفعة خاصة، بل بنية عامة مشتركة، تشبه الأمن الوطني أو سلامة الطرق أو استقرار القضاء. ومن هنا فإن منع التدخين يُنتج سلعة عامة صافية تتمثل في مجتمع أكثر صحة وأعلى إنتاجية وأقل كلفة علاجية. وهي سلعة لا يمكن حصر منفعتها بمن دفع ثمنها، ولا يمكن استبعاد أحد من آثارها الإيجابية. فحين تنخفض معدلات أمراض القلب والرئتين، وحين يتراجع الإنفاق العلاجي، وحين ترتفع القدرة الإنتاجية للشباب، فإن المجتمع بأسره ينتفع. والأمر ذاته ينطبق ، وربما بصورة أشد عمقاً، على محاربة الفقر.
الفقر ليس مجرد انخفاض في الدخل، بل حالة تفكك اجتماعي كامنة. إنه يولد الشعور بالإقصاء، ويضعف الانتماء، ويزيد احتمالات الجريمة والعنف والتطرف، ويقوّض الثقة بالمؤسسات. ولذلك فإن المجتمعات التي تتسامح مع الفقر الواسع لا تدفع الثمن أخلاقياً فقط، بل أمنياً واقتصادياً وسياسياً أيضاً. وحين تحارب الدولة الفقر عبر التشغيل، والتعليم، والحماية الاجتماعية، والعدالة الضريبية، فإنها لا توزع إحساناً، بل تستثمر في إنتاج سلعة عامة اسمها الأمن الاجتماعي. فالأمن لا يُنتج فقط عبر الشرطة والسجون والردع، بل يُنتج أيضاً عبر العدالة الاقتصادية وتقليص الشعور بالحرمان. والإنسان الذي يمتلك فرصة عمل، وتعليماً، وحداً أدنى من الكرامة المعيشية، يصبح أكثر ارتباطاً بالدولة وأكثر حرصاً على استقرارها. وهنا تتجلى الطبيعة العامة الصافية لمحاربة الفقر. فحين ينخفض الفقر، لا يستفيد الفقير وحده؛ بل يستفيد المستثمر الذي يعمل في بيئة أكثر استقراراً، والأسرة التي تعيش في مجتمع أقل عنفاً، والدولة التي تنخفض عليها كلفة الجريمة والبطالة والرعاية الطارئة. والأمن الاجتماعي لا يمكن تجزئته أو تخصيصه لفرد دون آخر؛ إنه منفعة جماعية شاملة، تماماً كالأمن القومي. بل إن الفلسفة السياسية الحديثة ذهبت أبعد من ذلك، حين اعتبرت أن الدولة نفسها تفقد جزءاً من مشروعيتها إذا عجزت عن إنتاج الحد الأدنى من السلع العامة الكبرى؛ كالصحة، والأمن، والعدالة، والكرامة الإنسانية. فالحكومة ليست مجرد جهاز جباية أو إدارة بيروقراطية، بل مؤسسة وُجدت أساساً لتجاوز فشل السوق في إنتاج المنافع الجماعية. والسوق، مهما بلغت كفاءته، يفشل بطبيعته في معالجة التدخين والفقر؛ لأنه يقيس الربح الخاص لا الكلفة الاجتماعية. وشركات التبغ تربح من بيع السجائر، لكنها لا تدفع كامل كلفة أمراض السرطان والرئة. والأسواق قد تتعايش مع البطالة والفقر ما دامت الأرباح مستمرة، بينما تتحمل الدولة لاحقًا كلفة التفكك الاجتماعي والاضطراب الأمني. ولهذا فإن تدخل الحكومة ليس خياراً عقائدياً (أيديولوجياً)، بل ضرورة اقتصادية عقلانية. والحكومة التي تتقاعس عن مكافحة التدخين والفقر تشبه حكومة ترفض صيانة السدود ثم تتفاجأ بالفيضان. فالكلفة الوقائية دائماً أقل من الكلفة الانهيارية. وكل دينار يُستثمر في الصحة العامة أو في تخفيف الفقر، يوفر أضعافه لاحقاً من كلفة العلاج والجريمة والبطالة والانهيار الاجتماعي. وبالتالي فإن منع التدخين ومحاربة الفقر ليسا مجرد ملفين اجتماعيين منفصلين، بل هما معركتان من أجل إنتاج المجتمع القابل للحياة. الأول يحمي الجسد الجماعي للأمة من التآكل الصحي، والثاني يحمي روحها من التصدع الاجتماعي. وكلاهما، في جوهره، سلعة عامة صافية لا يستطيع الأفراد إنتاجها منفردين، ولا يستطيع السوق توفيرها بعدالة. وللحكومة، بما تملكه من سلطة تشريعية وتنظيمية وتوزيعية، القدرة على صيانتها وحمايتها. ولهذا فإن أية حكومة رشيدة لا تنظر إلى مكافحة التدخين والفقر باعتبارهما عبئاً مالياً على الموازنة، بل استثماراً سيادياً طويل الأجل في رأس المال البشري، والاستقرار الاجتماعي، واستمرار الدولة ذاتها.





